معركة الأكفان

غسان محمود وشاح
2009-03-26

لو كان لنا في الزمان رجعة ولو كان لنا في الماضي مرآة تعكس الأمجاد أرواحا بنسيم الخلد تألقت لكانت ملاذكرت رجعة وكانت مرآة اليوم لأبطال تلتقي في عالم يجهله أبناء امتنا عندما يطل علينا…

لو كان لنا في الزمان رجعة ولو كان لنا في الماضي مرآة تعكس الأمجاد أرواحاً بنسيم الخلد تألقت لكانت ملاذكرت رجعة وكانت مرآة اليوم لأبطال تلتقي في عالم يجهله أبناء امتنا عندما يطل علينا آساد الوغى فتبقى وجوههم قد اندمجدت برقراق الماء الذي فيه الحياة لكل شيء فلا تفارق الذاكرة وتلتحم بأبطال الفرقان عاشقوا مُر الحياة قدموا لله أرواحاً تشترى هنا وهناك حيث عبَّق المجد والعناد سماء الدنيا في ملاذكرت بدت معالم وجه الإسلام شامخة عنيفة بهية عظيمة في آلب أرسلان .

فمن هو ؟ وما قصته؟ وما رايته؟ وما غايته؟ وما وجهته؟ وما قسمات وجهه إليك به يا عزيزي:

قصة انتصار

كان العالم الإسلامي منذ منتصف القرن الخامس الهجري (11م) وكأنه صرح قد تقوض بناءه وصار آيلاً للسقوط، مفكك منقسم على نفسه بين خلافتين متعاديتين العباسية السنية في بغداد والفاطمية الشيعية في القاهرة وكل منها استنفذت قواها في مشاكلها الداخلية صارت عاجزة عن حماية حدودها وحماية الإسلام، وانتهزت الدولة البيزنطية هذه الفرصة وأخذت تغير على الحدود الإسلامية المتاخمة لها وتتوغل في أراضيها في شمال الشام والجزيرة في الوقت نفسه كان المغرب الإسلامي يعاني هو الآخر من الضعف على أثر سقوط الخلافة الأموية في الأندلس وتفكك الدولة إلى دويلات ضعيفة متنازعة واستغل ملك أسبانيا ذلك وأخذ يغير على ثغور المسلمين ومدنهم بغية طردهم نهائياً من الأندلس.

 

وقتها كان لا يوجد ما يبشر بظهور حركة يقظة أو إحياء للإسلام والمسلمين من داخل الدول الإسلامية فكانت رحمة الله حيث أرسل للإسلام دماء فتية جديدة جاءت من خارج حدوده كي تنقذ الإسلام من الانهيار المحقق فكانت المعجزة بظهور السلاجقة الذين جاءوا من وراء حدود العالم الإسلامي الشرقية (بلاد تركستان) أواسط آسيا ، وهم قبائل تركية عرفت باسم الغز وتميزوا بفتوة البداوة وعنفوانها وسموا بالسلاجقة نسبة إلى قائدهم الذي وحدهم وجمع شملهم سلجوق بن دقاق فقد أحب السلاجقة الإسلام عندما تعاملوا مع المسلمين الفاتحين في بلاد ما وراء النهر واعتنقوا الإسلام ثم عبروا نهر جيحون ودخلوا إلى العالم الإسلامي وتمسكوا بالإسلام عقيدة وعبادة وجهاد ودعوة فقد كانوا من أشد المدافعين عن المذهب السني والخلافة الإسلامية وشيد السلاجقة دولة عظيمة محبة للعلم والعلماء والجهاد في سبيل الله وأخذوا يوحدون البلاد الإسلامية المتناثرة في دولة واحدة فضموا الشام والعراق وإيران وخرسان حتى بلاد ما وراء النهر تحت لوائهم أما السلطان (آلب أرسلان) ثاني سلاطين الدولة السلجوقية وآلب أرسلان كلمة تركية مركبة تعني باللغة العربية الأسد الشجاع حيث أخذ  يعمل على فتح البلاد المسيحية المجاورة لدولته فزحف بجيش عظيم إلى بلاد الأرمن وجورجيا فافتتحها وعمل على نشر الإسلام فيها.

 

هذه الفتوحات أغضبت (دومانوس ديوجينس) إمبراطور الروم فصمم على القيام بتحرك عسكري يقضي فيه على دولة السلاجقة حماة الإسلام.

 

ففي عام (463هـ - 1071م)  زحف بجيش ضخم وصفه المؤرخ ابن كثير جحافل أمثال الجبال من الروم والرخ والفرنج وبرفقتهم آلاف الحفارين والنقابين وأعداد ضخمة من آلات الحصار والهدم والمنجنيقات، ليبيد الإسلام وأهله، قدر هذا الجيش ما يقارب 1/4 (ربع) مليون مقاتل . ثم تقدم في زحفه شرقا حتى بلغ بلدة ملاذ كرت على الفرات الأعلى شمالي بحيرة( فان) عند أرمينيا، ويبدو أن هدفه كان قلب إيران حيث معقل الدولة السلجوقية.

 

هذه الجيوش الضخمة أذهلت السلطان آلب أرسلان وتحرك على الفور لوقف زحف المعتدين، وحاول أن يثني الإمبراطور عن التقدم بإغرائه بعقد هدنة ، كي يتمكن من كسب الوقت ويجمع أكبر عدد من القوات وكان رد الإمبراطور البيزنطي لا هدنة إلا (بالري) ويقصد أنه لا هدنة إلا بعد احتلاله للدولة السلجوقية.

 

عندها قرر السلطان آلب أرسلان المواجهة رغم أن جيشه لا يتعدى خمسة عشر ألف مجاهد وعقد اجتماعا عاجلا مع كبار العلماء وقادة الجيش لمشورتهم فقال العالم أبي نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي " إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان وأرجو أن يكون الله كتب باسمك هذا الفتح" وأشار عليه أن يكون لقاء العدو يوم الجمعة في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر ، كي تدعو الأمة بأسرها بالنصر لهذا الجيش.فلما كانت تلك الساعة صلى آلب أرسلان بجيشه ودعا فأمنوا وبكى في دعاءه وبكى الناس جميعاً ثم خطب في جيشه خطبة مؤثرة وقال" من أراد الانصراف فلينصرف فماها هنا سلطان يأمر وينهى، إني أقاتل محتسباً صابراً" ثم ألقى القوس والنشاب، وأخذ السيف وعقد ذنب فرسه بيده ولبس البياض وتحنط وقال " إن قتلت فهذا كفني" وفعل جيشه مثله ولبسوا جميعا الأكفان البيضاء وسميت المعركة بمعركة الأكفان ثم زحف القائد آلب أرسلان نحو الروم وفي أرض المعركة نزل عن فرسه ومرغ وجهه في التراب ثم سجد ورفع رأسه متضرعا إلى الله رافعاً يديه إلى السماء يجأر بالدعاء إلى الله ثم ركب واندفع نحو العدو حملت العساكر معه حملة رجل واحد فانهزمت الروم وقتل منهم مالا يحصى حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى بل تم أسر الإمبراطور دومانوس نفسه وزحف آلب أرسلان بجيشه وافتتح آسيا الصغرى ووضع عليها أميراً مسلماً ودخلها الإسلام فقد اقتطعها من الدولة البيزنطية بعد أن كانت أهم أجزائها وأطلق عليه في التاريخ فيما بعد إمارة (سلاجقة الروم).

وتم إطلاق سراح الإمبراطور مقابل مبالغ ضخمة من الأموال وجهت إلي خزينة الدولة وأطلق آلاف الأسرى المسلمين من سجون الدولة البيزنطية حتى أفرغت سجون الدولة البيزنطية من الأسرى المسلمين الذين كانوا في السجون منذ عشرات السنين .

 

ملاذ كرت (1071م- 463هـ ) تعد من المعارك الحاسمة في التاريخ نتج عنها نتائج سياسية وحربية خطيرة في تاريخ المنطقة، فقد اهتزت أوروبا بأجمعها لهذه الهزيمة النكراء وأصبح المسلمون السلاجقة لا يفصلهم عن قلب أوروبا إلا مضيق البسفور  لذلك أطلقت أوروبا لأول مرة على إمارة سلاجقة الروم مصطلح أرض الترك ومن ثم تركيا الذي يستخدم حتى اليوم.

والجدير بالذكر أن المؤرخين يعدون معركة ملاذ كرت من أقوى العوامل التي أضعفت الإمبراطورية البيزنطية ومهدت الطريق للمسلمين العثمانيين لفتح القسطنطينية عام 1453م .

والله أكبر على مثل هؤلاء ينزل نصر الله

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026