سيرة حماس الذاتية.. قراءة في فلسفة المواجهة (2)

سيرة حماس الذاتية.. قراءة في فلسفة المواجهة (2)

كمال جابر
2009-03-08

من المعلوم أن حركة حماس هي انبثاق عن الحركة الأم الإخوان المسلمون ومن المعلوم أيضا أنه لم يسبق أحد هذه الجماعة إلى فلسطين من الفعاليات الشعبية العربية والإسلامية لا بل إنها نافست…

من المعلوم أن حركة حماس هي انبثاق عن الحركة الأم (الإخوان المسلمون) ، ومن المعلوم أيضا أنه لم يسبق أحد هذه الجماعة إلى فلسطين من الفعاليات الشعبية العربية والإسلامية، لا بل إنها نافست الحكومات العربية في ميدان المعركة عام 48 داخل الأراضي الفلسطينية ، فالرؤية المتقدمة والأفكار الناضجة التي امتلكتها هذه الجماعة تجاه مسار الأحداث وتطوراتها السريعة ، وما نتج عنها من حضور فاعل وقوي في الميدان الذي سيحدد شكل الخارطة والتوازنات اللاحقة ، استدعى كل ذلك أن تتفتح أعين القوى الناهضة على أنقاض الأمة ، وأن تتنبه للخطر الجدي الذي تحمله هذه الجماعة للمشاريع الإستعمارية المتصاعدة.

 

فكان القرار السريع والحاسم لضرب هذا الانبعاث وقتله في مهده قبل أن يستفحل أثره ويتعاظم تأثيره ، فسيق المجاهدون الأبرار الذين أذاقوا اليهود الغاصبين مر الكأس في مواقع تمتد من الفالوجة جنوبا وعصلوج والتبة 86 وصولا لصور باهر وضواهي القدس ، من ساحات المعركة مباشرة إلى المعتقلات المظلمة ، وحيكت المؤامرة الدنيئة بليل لاغتيال الإمام المؤسس حسن البنا في أولائل عام 49 ، ودخلت الجماعة في محنة رهيبة لاقت خلالها صنوفا من العذاب والعنت والشقاء على مدى ربع قرن من الزمان ، كما لاقى أصحاب الرسالات والدعوات على مر الزمان إن لم يزد.

 

لا أقصد أن أقول من خلال الكلام السابق أن حماس كانت تقاتل عام 48 ، على الرغم من أن حماس هي امتداد طبيعي وحقيقي لجماعة الإخوان المسلمين ، وكأني بكتائب الإخوان التي دخلت فلسطين لقتال اليهود من مصر وسوريا ومجموعات من العراق وغيرها عام 48 ترفع عقيرتها عاليا بالنشيد "هو الحق يحشد أجناده" فيردد جند حماس من خلفهم "ويعتد للموقف الفاصل" ، في مشهد يعكس صفحات التاريخ المبثوثة في ثنايا الزمان بامتداده الرحب وآماده الطويلة ، ليرشدنا إلى أن هذا التاريخ لن يكون محكوما بسني أعمار جيل من الناس حتى لو عُمروا قرنا من الزمان ، وما الموقع الحقيقي للجيل من الناس بالنسبة لدورة الزمان سوى جزء من كل ، وفان في ممتد ، وقصير من طويل ، فكيف به يريد تطويع حركة الزمان المتطاول لمقتضى حياته القصيرة ، من هنا تبدو الفترة الزمنية الفاصلة ما بين دخول كتائب الإخوان أرض فلسطين عام 48 ، وظهور حماس الرسمي عام 87 ، قياسا على أعمار الأمم والشعوب والجماعات تقارب الفترة الزمنية التي تفصل ما بين الانتهاء من إنشاد الشطر الأول من نشيد الكتائب ، والبدء بإنشاد الشطر الثاني منه قياسا على أعمار الناس كأفراد .

 

وعندما نأتي على ذكر الدور البطولي الذي قام به الإخوان في ساحات المعارك في فلسطين عام 48 ، لا أقصد أن أقول مرة أخرى أين كان أولئك القوم الذين لم يكفوا عن ترديد التساؤل ، أين كانت حماس عندما أطلقنا الرصاصة الاولى عام 65؟ لا أقصد ذلك حقيقة لأنني ببساطة لا أؤمن بأن تاريخ القضية الفلسطينية كان قد بدأ عام 65 ، ولم ينته عام 93 ، ولن ينتهي بانقراض من يؤمن بذلك ، ولأنني أرفض أن يتم اختطاف فلسطين التاريخ بسعته والقضية بجلالها والإنسان بقيمته السامية ، ومن ثم يتم حشرها قسرا في سياق رؤية وفعاليات فرد ما أو فئة بعينها أو برنامج أملت محدداته ظروف الإنهزام ، بحيث لن تكون فلسطين أو المدخل لها على الأقل إلا من جهة النافذة التي يشير إليها هذا الفرد أو تلك الجماعة ، حتى ولو كانت صاحبة الرصاصة الأولى كما يزعمون !

 

بالتأكيد لقد كانت التجربة قاسية ، والثمن الذي دفعته جماعة الإخوان لقاء تجرئها ودخولها المعركة في فلسطين باهظا ، ولا شك أن تداعيات ذلك ما زالت ماثلة أمامنا حتى اليوم ، ولكن الدرس البليغ الذي تم اقتباسه من تلك التجربة المريرة أسهم بشكل فاعل فيما بعد في التمهيد لظهور حماس (الفكرة) ، فما هي حماس الفكرة ؟ وما هو مضمونها ؟ وكيف ومتى تشكلت؟

 

مفاعيل النكبة وخلاصات الحراك الشعبي المضاد :

 

بعد أن أقام الصهاينة كيانهم الغاصب على ما يزيد عن ثلاثة أرباع فلسطين عام 48 وما تلاه مباشرة من الهزيمة المدوية للجيوش العربية ، أصابت الصدمة البالغة الشعب الفلسطيني المكلوم ، فلم يستسلم للواقع الجديد كما لو كان قدرا محتوما ، وبات التحرك الحثيث لمواجهة الاحتلال أمرا لا جدال فيه ، وقد شكلت الخيبة القاسية التي ألمت به جراء فشل الجيوش العربية في التصدي للكيان الغاصب حافزا آخر لأخذ زمام المبادرة وتولي مسئولية مواجهة المحتل بنفسه ، فقد بات الشعب على درجة من التعبئة الذاتية والتحفز العالي والتهيؤ للإنطلاق الذي ينتظر إشارة البداية.

 

فكان له ما أراد بإلإعلان عن ميلاد حركة التحرير الوطني الفلسطين (فتح) بداية عام 65 ، وهنا كان الالتقاء بين إرادة شعب مجروح الكرامة يعاني مرارة الإحتلال ، ويتشوق لكل فعل يواجه به هذا البلاء ، وبين إعلان الإطار المعرف بنفسه كحركة تحرر وطني تستهدف مقاومة الاحتلال بكل السبل المتاحة لتخليص البلاد والعباد من قبضته ، فالشعب الفلسطيني في ذلك الوقت لم تكن تنقصه العزيمة ولا إرادة المواجهة ، ولا الرغبة في خوض غمارها ، ولكن ما كان ينقصه هو القيادة الواضحة التي تدير دفة السفينة وتأخذ بيده نحو الوجهة التي يريد، إنها المواجهة وقبول التحدي ، ومن هنا فقد وجد هذا الشعب ضالته في حركة فتح التي اعلنت الثورة والعزم على تحرير الارض كلها دون التفريط في شبر واحد منها ، والمقصود هنا القسم الاكبر من فلسطين الواقع تحت الإحتلال منذ عام 48 .

 

وما يلفت والحال هذه ، أن الانخراط في مواجهة المحتل وهو أمر مطلوب ولا مندوحة عنه ، قد دفعت اليه الحماسة وحدها، لا بل حماسة الفتيان بالنظر لأعمار الشباب الذين أعلنوا عن انطلاقة فتح ، هذه الحماسة حجبتهم عن رؤية الأمور على حقيقتها المجردة ، والتداعيات التي انتهت بها إلى ذلك ، وسياق الأحداث العام والخاص الذي دفعها لهذا المنحى أو ذاك ، وبالتالي فوتت عليهم فرصة رسم خطة العمل بناءً على الحقائق الماثلة ، فكانت على الاماني العذبة ، فطاشت بهم الآمال وارتفعت بهم الأحلام ، فأعلنوا السعي لتحقيق الاهداف الكبار والآمال العراض ، دون أن يملكوا السند الموضوعي المعين على تحقيقها ، أو حتى دون العمل الجاد والحقيقي الذي سيفضي لها ، ولكن عندما تلاشت حماسة الثائرين بعد عقدين او ثلاثة منذ انطلاقتهم ، وتجاوزوا مرحلة الفتوة ، وبدلا من الانتقال من عالم الاماني الحالمة بالتحرير ومن البحر إلى النهر ، الى عالم يكون فيه حضور للواقعية بمعناها الإيجابي ( السعي للتغيير الجاد وفق الإمكانات المتاحة) ، إلا أنهم باتوا لا يؤمنون بشيء سوى الإيمان بالواقعية بمعناها السلبي القبيح ( التعامل مع الواقع كما هو كقدر لا مفر منه) .

 

ولكن في المقابل كانت هناك (فكرة) أخرى آخذة في التشكل على نار هادئة ودون ضجيج مفتعل ، هذه الفكرة أنضجها بعدان ، الاول استند إلى تجربة عملية تمثلت بخوض كتائب الإخوان المسلمين المعركة في الميدان على أرض فلسطين ، خلاصة التجربة تقول أنك حتى تكون مؤهلا لمواجهة الصهاينة المحتلين ، فإنك لا بد وأن تحارب على عدة جبهات متعددة ، مختلفة الأشكال والمضامين ، وإن لم تفعل فإنك وإن كنت قادرا على إلحاق الأذى بالمحتلين فإن الطعنات الغادرة ستأتيك من الخلف ، لأن الجبهة الخلفية وإن كنت تظن أنها خاصتك إلا أنها محسومة لأعدائك ، ولكن الشاهد في الأمر أن الإمكانات لإدارة مواجهة متعددة الاوجه من هذا القبيل لم تكن متوفرة ، ولو كانت متوفرة أساسا لما وصل الحال بنا إلى هذه الوهدة ، أما البعد الآخر وإن كان ذا علاقة بالاول فينطلق من النظرة الثاقبة والمتفحصة لحقائق الامور على الأرض ، وموازين القوى والإمكانات المتاحة والأولوية لبذل الجهد وتوجيه الطاقات ، وتغليب لغة العقل على اندفاعات العاطفة ، وتقديم نداء الحكمة على ردات الفعل غير المحسوبة.

 

وقد كان عماد الفكرة التي تمهد السبيل لمواجهة المحتل ، بناء الإنسان البناء السليم في إيمانه وأخلاقه وتحمل مسئولياته ، وتأهيله بطريقة لائقة بوصفه العنصر الأهم والأساس في المواجهة ، فالإنسان بذاته قابل لأن يكون أمنع الثغور أو أوهى الحصون ، وعندما يتنبه المتصدون لأمر القضايا الكبرى لهذه الحقائق ، ويعملون وفقا لها وعلى أساسها، فإن النجاح فيما يؤملون قريب ومتاح لأنهم إنما يأتون البيوت من ابوابها ، ولا شك فإن الجهد المبذول في هذا المجال يعتبر أحد أشكال المواجهة المطلوب التصدي لها ، وبحسمها يتم ضمان كسب واحدة من المعارك المتعددة المطلوب خوض غمارها ، وفي المحصلة يتم رصد هذا الكسب وحشده في المواجهة المباشرة مع المحتل قبل أن تبدأ على الأرض ، ولكن لا بد وأن يكون للتجربة الاولى إيجابيات وللأخرى سلبيات ، فما هي إيجابيات الأولى وسلبيات الثانية ؟ سنرى ذلك لاحقا..

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026