المقاومة بشكل عام في العالم العربي خصوصا في لبنان وفلسطين مادامت ضد إسرائيل أصبحت محظورة دوليا باعتبارها منظمات إرهابية أما العصابات الصهيونية التي اجتاحت فلسطين بمساعدة الجيش…
المقاومة بشكل عام في العالم العربي، خصوصاً في لبنان وفلسطين مادامت ضد "إسرائيل"، أصبحت محظورة دولياً باعتبارها منظمات إرهابية، أما العصابات الصهيونية التي اجتاحت فلسطين بمساعدة الجيش البريطاني في أعقاب الحرب العالمية الثانية فقد كانت منظمات مقاومة "الاحتلال البريطاني" لبلاد اليهود، في مسرحية لم تخفى على أحد، ودفعت اليهود إلى إصدار ما أسموه إعلان الاستقلال، أي أن قيام هذا الكيان الغاصب كان إعلاناً لاستقلالهم عن بريطانيا وعن الفلسطينيين الذين اغتصبوا كما يزعمون فلسطين. هذه المسيرة المعكوسة هي التي دفعت "إسرائيل" إلى طمس الحقائق، فأصبح المعتدي مدافعاً عن نفسه بينما أصبح المدافع عن نفسه معتدياً غشوماً، هكذا صور حزب الله في لبنان وكذلك حماس والمنظمات الفلسطينية في فلسطين.
أما في لبنان فنعلم أن التصدي لحزب الله بلغ قمته في هذا العدوان الغاشم الذي قامت به "إسرائيل" ضد لبنان عام 2006، ولما فشلت "إسرائيل" استصدرت من مجلس الأمن القرار 1701 الذي يدين حزب الله، ويحظر توريد السلاح إليه ويدعو إلى تفكيكه والعودة إلى الشرعية داخل لبنان، وأن يكون الجيش اللبناني هو المسيطر عسكرياً على كل الأراضي اللبنانية وهذا مطلب طبيعي في ظروف غير طبيعية، وتضع مطلب عادي لبلد يعيش ظروفاً غير عادية، ولهذا أصبح سلاح حزب الله موضوعاً للحوار اللبناني، كما أصبح موضوعاً في الدبلوماسية الدولية، ولا يزال الأمين العام للأمم المتحدة يقدم تقريراً لمجلس الأمن سنوياً حول مدى التقدم في تنفيذ قرار مجلس الأمن 1701 خاصة فيما يتعلق بسلاح حزب الله. وقد قلنا في مناسبة سابقة أنه لا مانع من نزع سلاح حزب الله بشرط نزع سلاح "إسرائيل"، لأن حزب الله وليس الجيش اللبناني من الناحية العملية هو المقابل للجيش الإسرائيلي.
أما في فلسطين فقد أظهرت المحرقة الإسرائيلية في غزة مدى الحقد الذي يكنه الإسرائيليون ضد الفلسطينيين، ثم ظهرت موجة عاتية ضد سلاح المقاومة لمجرد أن حماس كانت لا تزال تطلق صواريخ من غزة ضد "إسرائيل"، وصورت واشنطن و"إسرائيل" ومعهما دول غربية كثيرة الأمر على أن هذه الصواريخ مستوردة من إيران، وأن الحرب كانت بين إيران في صورة حماس و"إسرائيل"، ووقعت وزيرتا خارجية "إسرائيل" والولايات المتحدة اتفاقاً في الأسبوع الثالث من يناير 2009، وقبيل وقف أعمال الإبادة الإسرائيلية، اتفاقية تقضى بالتعاون على الحدود بين غزة ومصر وفى البحار والمحيطات لتعقب الأسلحة المصدرة من إيران إلى حماس، بل أعطت الدولتان لنفسيهما الحق في تفتيش السفن لهذا الغرض، ومعاكسة السفن الإيرانية في مختلف البحار حتى تثبت أنها لا تحمل أسلحة لحماس. والغريب أن الدول العربية قد سكتت تماماً وكأنها تسلم بأن حماس منظمة إرهابية، مثلما سكتت على مصادرة المؤسسات والشركات التي اتهمت بأنها تهرب أموالاً إلى حماس، وأصبحت قضية تهريب الأسلحة إلى حماس مشكلة دولية كبرى، وأن وقفها يؤدى إلى السلام والاستقرار في ربوع المعمورة، وقد استباحت "إسرائيل" أيضاً ضرب الأنفاق التي حفرت على الحدود بين مصر وغزة، وامتد الضرب إلى الأراضي المصرية بالطبع دون تعليق من جانب الحكومة المصرية.
ومعنى ذلك أن نقطة البداية هي اعتبار المقاومة إرهاباً، ومن ثم يصبح سلاح المقاومة محظوراً، وأن تزويد المقاومة بالسلاح يعتبر تهريباً مادام السلاح الذي يدعم المقاومة وتستخدمه ضد "إسرائيل" محظوراً، فخطر المقاومة يمتد إلى حظر كل ما يتعلق بها، وكأن العالم يريد أن يستمر الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين فلا أكترث العالم بمطالبة "إسرائيل" بالانسحاب، كما أنه أبدى اهتماماً فائقاً بمنع كل ما يعكر صفو الاحتلال ويؤرقه من جانب المقاومة. وقد ترتب على هذه الحقيقة أن بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا قد أبدت استعدادها للمساهمة في قوة بحرية في إطار الإتحاد المتوسطي لمراقبة الشواطئ السعودية والفلسطينية لهذا الغرض، مما يظهر أن الإتحاد المتوسطي الذي انضمت إليه بعض الدول العربية يعمل ضد المصالح العربية.
والحق أن مشروعية المقاومة تستمد من عدم مشروعية الاحتلال ومن جرائم العدوان المستمر، ولكن المشكلة هي في الموقف العربي الذي لم يجرؤ على أن يتخذ موقفاً واضحاً من المقاومة الفلسطينية، وأغلب الظن أنه يعتبرها عملاً إرهابياً، وأن سلوكه تجاه المقاومة يشهد على ذلك تماماً، مثلما لا يمانع ما قررته أوروبا والولايات المتحدة من أن حزب الله أيضاً منظمة إرهابية، وكل من تجراً على "إسرائيل" لوقف عدوانها أو مشروعها الإجرامي يعتبر إرهابياً خالصاً. فمتى يدرك العرب أنهم يختانون أنفسهم، وأنهم فقدوا البوصلة الصحيحة لوجهتهم، فكانت "إسرائيل" هي المستفيد الأوحد، وكانت الحقوق العربية والسيادة العربية هي الضحية في هذه الملحمة.
في إطار الرؤية العربية طالبت منظمة العفو الدولية بفرض حظر الأسلحة على المقاومة الفلسطينية، واعتبرت أن المقاومة تقف على قدم المساواة مع "إسرائيل"، رغم إدراكها لحجم القوة العسكرية ل"إسرائيل" والصناعة العسكرية في "إسرائيل"، وأن "إسرائيل" أصبحت خامس أكبر مورد للسلاح في العالم مقارنة بالقدرات المتواضعة للغاية للصواريخ محلية الصنع. ولولا أن منظمة العفو الدولية كمنظمة إنسانية قد استنفدت شجاعتها في هذا التقرير، لكان جديراً بها أن تطالب العالم بمنع تصدير السلاح الإسرائيلي، وهو يمثل نسبة بسيطة من التسلح الإسرائيلي، والتصدي لاستخدام "إسرائيل" لهذا السلاح الإسرائيلي والأجنبي في هذه العربدة ضد الفلسطينيين، بل تطالب العالم بالوقوف ضد العدوان الإسرائيلي، وبتسليح المقاومة التي تدافع عن شعب أعزل ضد هذه القوى الغاشمة، التي يقدم قادتها أنواط الشرف والشجاعة للجنود المعتدين، وتقديم معرضاً لعرض الأسلحة الجديدة التي استخدمت في عدوانها على غزة.