البدائل المتاحة للخارطة السياسية ما بعد الفرقان.!!

البدائل المتاحة للخارطة السياسية ما بعد الفرقان.!!

كمال جابر
2009-02-18

يرتكز الحراك السياسي النشط في المنطقة والهادف إلى إعادة ترتيب الأوراق وصياغة التوجهات ورسم السياسات بعد الانتهاء من الحرب المجرمة على غزة على قاعدة تقول طالما فشلت جهود الاستئصال…

يرتكز الحراك السياسي النشط في المنطقة والهادف إلى إعادة ترتيب الأوراق وصياغة التوجهات ورسم السياسات بعد الانتهاء من الحرب المجرمة على غزة ، على قاعدة تقول طالما فشلت جهود الاستئصال العسكري بحق حماس فلا أقل من أن نخرجها من الحرب خاسرة سياسيا ، ربما كان الرئيس المصري قد أرسى هذه القاعدة وهو يهمس في أذن ساركوزي في الثلث الأول من الحرب الممتدة اثنين وعشرين يوما، وأضاء وزير مخابراته عمر سليمان مزيدا من الإيضاح حول القاعدة عندما قال (مش عايز باراك يقف في الكنيست ويقول اتهزمت) .

 

إذا فالجهود المبذولة هذه الأيام إن على مستوى التهدئة وما يقابلها من فتح للمعابر ورفع للحصار، أو قضية تبادل الأسرى ، أو موضوع الحوار الداخلي والتوافق ، كله مبني على أساس إنجاح فكرة (تخسير) حماس سياسيا ، ويجتمع على ذلك الصهاينة والنظام المصري وفريق اوسلو ، في ظل هذا الإصرار على إنجاح الهدف (غير المخفي) يبدو الحديث عن المصالحة كنكتة سمجة ووصفة شيطانية تستهدف محاصرة حماس أدبيا فيما لو نأت بنفسها عن النزول الى البئر المظلمة بواسطة الحبل المجدول من أحرف العبارة (مصالحة وطنية) !

 

لو صدق بني جلدتنا ومن وراءهم في دعاوي المصالحة ، لقبلوا بالاستحقاق الانتخابي المنصرم ، ولقبلوا بحكومة وحدة وطنية تقودها حماس وفقا لمقتضى ذلك الاستحقاق ، ولكن المعروض اليوم هو حكومة توافق انتقالية لا تتسبب في الإبقاء على الحصار، بمعنى ان تكون مقبولة لدى صانع السياسة الدولية لا سيما الرباعية بشروطها المعروفة.

 

يفيد التوافق تراضي الطرفين بتأجيل الخلاف السياسي القائم لحين إجراء انتخابات جديدة، وهذا يعني الاستمرار في رفض ما أفرزه صندوق الانتخابات، حتى تأتي الانتخابات القابلة ، هذا المنطق يدلل بوضوح أن نتيجة أي انتخابات قادمة ستفرز حماس لن يتم قبولها وبالتالي الدخول في دوامة جديدة من التناحر، ولأن القوم غير معنيين بالتجريب مرة اخرى فإن أخذ العبر من نتائج الانتخابات الماضية ستكون حاضرة وبقوة في أي انتخابات قادمة ، العبر هذه تقتضي (تفويز ) فريق اوسلو على أية حال، وعندها فعلى حق الشعب في الاختيار السلام.

 

البعض يعتقد بأن التزوير صعب أو غير مرغوب فيه ، والبعض الآخر يظن أن تجاوز موضوع التزوير يجعل الطريق معبدة امام حماس ، وأعتقد أن التحدي الذي يفرضه التزوير أقل من التحدي الناتج عن فوز حماس مرة أخرى وبالرئاسة هذه المرة ، وإذا كان الأمر كذلك فإن باستطاعة حماس أن تجنب نفسها اختبار أي من شكلي التحدي المفترض ، بمعنى رفض الانتخابات من الأساس وعدم الدخول في اللعبة مرة أخرى طالما المقصود منها أن يفوز فريق بعينه وهذا ما تؤكده التجربة السابقة وتعززه عناوين التوافق المطروح ، هذا الخيار سيكون له وجاهة على ضوء نتائج ونهايات الخيارات المتاحة الأخرى المتوقعة واعتبارات اخرى .

 

الخيار الأول يتعلق بإجراء انتخابات جديدة ، يمهد لها التوافق على أساس الشكل المطروح أعلاه ، قبول حماس بمبدأ التوافق يعني قبولها بحكومة تقبل بشروط الرباعية ، وهي بذلك تحكم على نفسها بالانتحار ، وسيتم تحميلها مسؤولية معاناة الشعب الفلسطيني طيلة ثلاث سنوات رفضت فيها شروط الرباعية ،ولا اظنها فاعلة ، خصوصا أنها أعلنت أكثر من مرة أن ما بعد معركة غزة لن يكون كما قبلها فكيف به يكون أسوأ مما قبلها ، وإن رفضت العرض أو اختارت أن لا تكون جزءا من حكومة التوافق التي يتم الحديث عنها(خيار ثان) ، فإن هذا يعني إقرارا بالعجز عن الاضطلاع بالمسؤوليات،وهي تعطي بذلك دفعة من أسباب الحياة لفريق أوسلو الذي بدأ يشعر برطوبة القعر السحيق الذي انحدر فيه ، ولو تم الامر على هذا او ذاك فإن هذا يعني انتكاسة كبيرة تأخذ موقعها في سجلات حماس على شكل قبول أو سكوت على شروط الرباعية .!

 

يتأسس على ذلك إجراء انتخابات ، فإن تم تزويرها وهو الامر المرجح أو خسارتها ، فإنه سيتم إخراج حماس من اللعبة قسرا وبشكل نهائي ، ولكن بعد أن كانت قد أقرت بشروط الرباعية ، هنا تبدو المخاطر والتداعيات المترتبة على رفض الانخراط في اللعبة القادمة من أساسها أقل خطورة من السناريو السابق إن تم حقيقة ، وإن فازت حماس بالرئاستين معا ، فإن التجربة الحالية ستكون نزهة بالنسبة لما تواجهه من كيد وتحد وخصوصا في الضفة المحكومة باحتلال غاشم وأجهزة لا تتورع عن تصنيف حماس كعدو لدود ووحيد لها، ناهيك عن الأعباء المالية وخلافها ، ومرة اخرى أؤكد أن تفويت الوصول لهذا الحال أقل كلفة وثمنا ، لكن هذا الخيار قد يواجه اعتراضات عاطفية لا موضوعية في جملتها ، تتكىء على الرغبة في الخلاص من واقع الحال المسمى انقساما ، وأعتقد أن هذا الوصف لا يعبر عن حقيقة ما جرى بعد 14/حزيران/2007 .

 

فتعبير الانقسام هو امتداد لتعبير الانقلاب ، وإن كنا نرفض تسمية ما تم في حينه بالانقلاب فإن الأولى أن يكون مسمى ما نتج عن الحسم تمايزا ، وما يؤكد ذلك السعي المحموم لفريق اوسلو للانهماك بموضوع الوحدة والمصالحة إثر معركة الفرقان بعد أن كانت عارا حتى ما قبل الحسم ، لكن التهافت على الوحدة اليوم يستهدف ردم فوارق التمايز عبر جر حماس مرة أخرى للمساحة الرمادية، فتختلط الصفوف وتتداخل الرايات ، ويرتفع فريق وينخفض آخر ، أعتقد أن إبقاء حماس لخيار عدم الولوج في القادم من اللعبة السياسية حاضرا والتلويح به يعتبر الرد المكافئ على المحاولات المحمومة للقوى الإقليمية والدولية لإفشالها وتخسيرها ، وإن مجرد التلويح بهذا الخيار سيربك الساحة السياسية وإن تنفيذه سيعطل كل الفرص المتوالية والإمكانات الممكنة لإيقاعها بفخ الاختبار غير المتناهي، فضلا عن توفير المناخات المناسبة كي يأخذ التمايز مداه الواسع في الآفاق الرحبة.

 

ومن الاعتبارات الأخرى التي تساعد على حسم الموقف باتجاه إكمال الشوط أو الاستدراك هي قدرة حماس على تولي أمر الإعمار في غزة ،وتوفير مستوى من العيش المقبول للمواطن في القطاع ، بأي طريقة كانت إن بالإصرار على فتح المعابر وإدخال ما يلزم لذلك أو بتطوير آليات جلب الاحتياجات لتفي بالحاجة ، ومنها قدرة الفريق المقابل على الاحتمال والبقاء في ظل التغيرات السياسية المتوقعة عند شركائهم ، وتآكل صورته وفقدان شرعية وجوده بعد استنفاذها بلا طائل.

 

ما طرحته أعلاه يعتبر خلاصة لما أدركه من معطيات حاضرة وتجارب سابقة ،ولا شك أن ما أدركه هو جزء يسير من حقيقة المشهد ،فأنظارنا لا تقع إلا على القليل مما يمكن إبصاره ، ولكنني أفترض أن قادة حماس يبصرون كل المعطيات، الظاهر منها والمستتر ويقدرونها قدرها ،ولذلك فلن يتم إقرار أي توجه إلا لكونه مظنة المصلحة العامة دون غيره. 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026