حماس والمواجهة النادرة

حماس والمواجهة النادرة

د.سعيد الغامدي
2005-05-16

على خلفية التفرد الأمريكي وتأثيره على الأرض وخاصة سياسيا وأمنيا عبر تدخله المباشر أو غير المباشر ممارسة الضغوط والذي شمل العالم بما فيه دول الاتحاد الأوروبي وروسيا حصل تجاوب لهذه…

على خلفية التفرّد الأمريكي وتأثيره على الأرض، وخاصة سياسياً وأمنياًُ، عبر تدخله المباشر أو غير المباشر "ممارسة الضغوط" والذي شمل العالم بما فيه دول الاتحاد الأوروبي وروسيا- حصل تجاوب لهذه الضغوط نسبياً، وذلك فيما يخص الوضع الفلسطيني، .فأوروبا -مثلاً – تجاوبت سياسياً إلى حدّ ما، وجمّدت "حماس"، ولم تضغط أمنياً في الداخل، واكتفت بالاستجابة السياسية للضغوط, والدول العربية استجابت للضغط الأمريكي نسبياً، ثم تراجعت في الاستجابة السلبية، وانخفض مستوى ما تبقى من ممانعة، حتى مؤتمر القمة في لبنان؛ فتبنّوا "مشروعية المقاومة" ثم لم يلبثوا طويلاً حتى جاء المشروع الأردني الذي سمّى المقاومة "إرهاباً"!

ومن اللافت للنظر أن أمريكا رفضت أن تسمّي فعل الحوثي في اليمن إرهاباً، وامتنعت عن وصف الحوثي بالإرهابي، بل سمّت حركته بـ "العصيان المسلّح"؛ وذلك لأنه ليس ضمن جماعة إسلاميّة معينة،مما يدلّ على أن وصف الإرهاب مفصّل في اتجاه معين غالباً.

وكما أسلفنا فإن أكثر الدول العربية استجابت للضغوط بشكل أو بآخر، فبعضها استجاب أمنياً، وبعضها استجاب سياسياً، وبعضها الآخر استجاب سياسياً وأمنياً معاً كالأردن مثلاًَ, ولا غرابة إذا عرفنا أن عنصر التأثير في القرار السياسي في النظام العربي هو أمنيّ في الأصل.

ويأتي ذلك الاختلاف في شكل الاستجابة، نظراً لاختلاف الأولوية في كل نظام؛ ففي مصر مثلاً .. يتقدم الدور الأمني على السياسي، غير أنه في سوريا يتقدم الدور السياسي على الأمني, وبقيت السعودية محافظة على الأداءين السياسي والأمني في ظل هذه الظروف, ولم تتغيّر مواقفها-في الشأن الفلسطيني- كثيراً بفعل الضغط الخارجي.

غير أن من المهم إدراكه أنه وبفعل تلك الضغوط الأمريكية أصبحت المقاومة وحيدة بلا غطاء رسمي أو حتى شعبي, وكانت أحداث "سبتمبر" جسراً مناسباً لجعل صفة الإرهاب تنسحب على مقاومة الاحتلال، واستغلها اليهود لجعل حركات المقاومة وعلى رأسها "حماس" و الجهاد ضمن قائمة الإرهاب, واستعملوا هذه الذريعة بقوة. وهنا عند هذه النقطة بالذات حصلت – وبسبب تأثير الضغط الأمريكي- استجابات

متفاوتة- وثار سؤال كبير يطرح نفسه كثيراً هل يمكن حلّ القضية الفلسطينية بدون "حماس" ؟!

ولعلنا نجد الإجابة في الذهنية اليهودية والسياسة الصهيونية التي طلبت من عدة قوى إتاحة فرصة للقضاء على هذا العامل المؤثر وللبطش به, فشارون تحت بند الإرهاب طلب مائة يوم لحل المشكلة، وتصفية هذه الشوكة ولم يستطعْ, فواصل بطشه، مهتبلاً فرصة غضّ الطّرف العالمي، والسكوت العربي، واشتغل على محاور عديدة لتطويق "حماس" أهمها

1- تصفية القيادات وبمسح سريع للصف القيادي الأول نجد اليهود قد صفّوا جملة منهم، وسجنوا آخرين بل تجاوزوا الداخل إلى الخارج كما فعلوا في سوريا أخيراً.

2- ردّ الفعل بشكل عنيف وعشوائي وشامل على المقاومة، وممارسة البطش القويّ على كل الناس، حتى يتضرّروا وينفضّوا من حول المقاومة .

3- القضاء على كل محاولة للتنمية العسكرية، وتعريض كل الوسائل في هذا الجانب للاستئصال، بل وتجاوزوا الحد في ذلك إلى تهديد حزب الله وسوريا وإيران ومصر، وملاحقة كل من ليس له علاقة بهذا الجانب حتى لا يشارك أحد في البند العسكري.

4- الحصار المالي وذلك بملاحقة كل من يدعم أو يحول لأي استشهادي أو سجين، أو حتى يقوم بالتحويل للعمل "الخيري"وكل ذلك بهدف تجفيف المنابع تماماً.

وبفعل هيمنة واستبداد الطاغية الأمريكي المتسلط على العالم، استفاد اليهود، أو لنقل حرّكه اليهود في هذا الاتجاه، وحاولوا التأثير على المقاومة من خلال المحاور الأربعة الآنف ذكرها.

فهل استطاعوا ذلك أم لا؟ الجواب يأتي من خلال معرفة الوضع الداخلي

فبعد هذه التقدمة بالعوامل الخارجية المؤثر على المقاومة في الداخل الفلسطيني، نطلّ إطلالة سريعة على الداخل لنجد أن الفلسطينيين في الداخل يثيرون الدهشة بمواقفهم النادرة أمام تلك المحاور، ولعل في الشهيد صلاح شحادة –رحمه الله- القائد العسكري المؤسس للجناح العسكري وأمثاله نموذج للأمة في هذا الصدد0 ويبدو أنهم في الداخل قد شطبوا فكرة المدد الخارجي، واعتمدوا اعتماداًُ كلياً على المدد الحقيقي المنتظر من "الله سبحانه وتعالى" وحده، وهذه ليست ميتافيزيقيّة وهميّة كما يحلو لبعض المادّيين أن يقول، بل هي أسباب حقيقية أقوى في حقيقتها عند المؤمنين بها من الأسباب المحسوسة0 وهذا عامل كبير التأثير عميق الأثر، قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)[محمد7] كما أن الشعب الفلسطيني تجاوز في إصراره وتصدّيه، وحبّه للمقاومة، القيادات كلها حتى الإسلاميّة منها، حتى أضحت هناك خشية لدى قيادات المقاومة من أن يتحوّل الناس في المقاومة إلى عسكر، ومن ثم يتحوّل الوضع إلى ظاهرة شعبيّة، لا يمكن السيطرة عليها؛ إذ إن قتل الكبار سيؤدّي إلى تجييش الشعب وتحرّكه عسكرياً؛ مما قد يؤدّي إلى إهمال القضايا الحيويّة الأخرى، بيد أن من الفوائد الملموسة من هذا الاتجاه أن السلطة والفصائل تجد نفسها وسط هذا الموج الهادر من الشعب مما يجعلها تنتقل إلى مربع المقاومة، شاءت أم أبت، وحتى بعد أن مات عرفات سيكون الأمر عسيراً على مَنْ يأتي بعده قاصداً إخماد المقاومة0 وبالرغم من أضرار وخسائر البطش الصهيوني إلا أن مَن يلاحِظ نفسيّات الناس في الداخل الفلسطيني يجد أنّ رعب وبطش الآلة العسكرية الإسرائيلية قد تدنّى أثره بشكل واضح، فالأسلحة الفتّاكة والتآمر المتنامي، لم يوهن من عزائم الناس هناك بل نراهم ونسمهعم كل يوم يزدادون صلابة، كأن الله يهيّئ هذا الشعب المظلوم لشيء خارج حسابات البشر (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)[القصص5].

الحرب الماليّة والعسكريّة

يُصاب المتابع بالدهشة من التقنية العسكرية المتنامية في هذه القطعة الصغيرة من الأرض، حيث نرى أن تطوير الصواريخ مطّرد ومتنامٍ و لم يتوقف؛ فالصواريخ الآن أصبحت تصيب وتصل إلى مدى أبعد مما كانت عليه, ويظهر أن التدريب الداخلي مكثف بشكل كبير, ومما يُنقل عن بعض أهل الداخل أن بعض معسكرات التدريب في غزة خرّجت على مدى (3) سنوات (4500) مقاتل محترف0 ومن الأمور اللافتة في هذا الميدان تطوير الألغام المضادة لدبابة المركافا،وكان اللغم في البداية يحتاج إلى (100كغم) للتأثير فيها، وكان هذا يكلف جهداً كبيراً، والآن –وبحسب بعض المواقع الفلسطينية- وبعد التكثيف والعمل التقني المتواصل أصبح اللغم يحتاج إلى (15 كغم) ليحدث نفس التأثير في إعطاب المركافا, ومما جاء في هذه المواقع أن المقاومة الفلسطينية في الداخل تسعى لتطوير مضادات للطائرات.

وفي حقيقة الأمر أن شيئاً مما مضى ذكره وغيره مما لم يُذكر، لو كان متروكاً للجهد البشري وحده لما تمّ شيء منه لصعوبة الوضع، ولكنه مَدَد، وعون من الله تعالى.

وأما عن الجانب المالي فهناك معاناة شديدة وعامة في هذا الميدان، ولكنه لم يؤثر بشكل مباشر على أعمال المقاومة, لكن الذي تأثر هو الجانب الآخر مثل مشاريع الأيتام, التعليم, والصحة ...إلى آخره من مشاريع الاحتياج الاجتماعي.

فلحماس-حسب إعلان قادتها- وحدها على سبيل المثال (3000) سجين ..غير الشهداء والجرحى وإقبال الناس كبير جداً، ومن الواجب إداركه أن هذه المقاومة ليست للدفاع عن فلسطين وحدها، ولكنها جدار حماية للبلدان العربية كلها، وأي سياسي مبتدئ يعلم هذه الحقيقة، وكل ما قدمته المقاومة وعموم الشعب الفلسطيني لم يتم في الأفراح والليالي الملاح، ولكن تمّ بتضحيات جسيمة وبذل وجهد عظيم .

ومن المؤكد أن اليهود ووجودهم في بلاد المسلمين مهدّد ببقاء حماس والجهاد وأمثالهما, وفي المقابل إذا ارتاح اليهود من المقاومة فسيتفرغون لمشاريعهم الأخرى في المنطقة، وسيأخذون أرضاً أخرى ويحصلون على مكاسب جديدة0 كما أننا ينبغي أن نعلم أن اليهود لا يألمون إلا في الساحة الفلسطينية, ولكي تصمد المقاومة في هذه المعركة لابد من إسناد نوعي ومعنوي, وهم قد أعلنوا بأنه ليس لديهم سوى سلاح العمليات الاستشهادية, وقد يبحثون عن بدائل تسمح لهم بإيلام اليهود، غير العمليات الاستشهادية، وتحقّق- في الوقت ذاته- عنصر المقاومة وعنصر الردع بالسلاح, لكن حماس وفصائل المقاومة تتحرك –ويا للغرابة!- في سجن صغير، فغزة على سبيل المثال(160) كيلومتر مربع, أي 16ك × 10 ك.فهي صغيرة، وكل شيء فيها مراقب ومرصود ومصوّر، هناك طائرات التجسس التي يسمّونها (الزنانة) طولها حوالي (10سم)، وهناك طائرة بلا قائد طولها حوالي(80سم) وتحمل صاروخاً بطولها، وتُدار كلها عبر شاشات وكاميرات، وبها قتلوا قادة مهمّين من الفلسطينيين، و هي من الكثرة في أجواء غزة وغيرها بحيث أصبح كل فرد في الداخل يتوقع الشهادة في أي لحظة، وبقدر ما تبثّه من رُعب فإنّها أوجدت جواً من الاستعداد للتضحية والاستشهاد يفوق الوصف أحياناً.

فهل سيُهزَم شعب بهذا الإصرار والصمود والقوة والتضحية؟ الجواب لا، والتاريخ شاهد، والله خالق مدبر قال سبحانه و تعالى (...قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)[البقرة249]. وقال سبحانه (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط)[آل عمران 120].

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026