لقد ابتليت أمتنا بأصحاب أقلام يدعون الموضوعية والحيادية فيما يكتبون وهم في الحقيقة أصوات ناشزة تضمر لقيم الأمة ومبادئها كل سوء وتتلبس بثياب الموضوعية قد تقبل الحيادية من هؤلاء…
لقد ابتليت أمتنا بأصحاب أقلام يدّعون الموضوعية والحيادية فيما يكتبون، وهم في الحقيقة أصوات ناشزة تضمر لقيم الأمة ومبادئها كل سوء، وتتلبس بثياب الموضوعية. قد تقبل الحيادية من هؤلاء حين يكون الخلاف بين فئات من أبناء الأمة، أما أن تكون المعركة بين الأمة كلها من المحيط إلى المحيط، ومعها أحرار العالم وبين العدو لها مغتصب أرضها المقدسة، ثم يقف هؤلاء على الحياد مدعين الموضوعية، فهذا ما لا يقبله عقل ولا منطق، ولكن الحقيقة أن أمثال هؤلاء ما هم من الأمة إلا سكنا ولسانا، أما العقيدة والولاء والعواطف فلا تربطهم بالأمة التي يساكنونها.
والمصيبة أن كثيرا من هؤلاء وضعت تحت أيديهم منصات الإعلام وإدارات تحرير الصحف فصالوا وجالوا، مع أنه يفترض فيهم أن يكونوا أرجح عقلا، وأكثر اتزانا، وأدق معلومات من غيرهم، أمثالنا؛ ومع ذلك فأنا أجد أن مدير تحرير "صحيفة الحياة" في السعودية جميل الذئابي لا يتحلى بأي موهبة من هذه المواهب! في مقاله (حماس وحطب الانتصار) في عدد 26 /1/2009م.
فهو يدعي (أنه لم ينبس ببنت شفة (في أيام الحرب) لكيلا تضعف المعنويات وتحبط المقاومة وتشق الصف)، وهذا ادعاء كاذب حكما وتعليلا! فالجريدة بعناوينها ومعظم مقالاتها، ومعها الشرق الأوسط، كانت طعنا في ظهر المقاومة وتثبيطا، انسجاما مع سياسة الجريدة ومن وراءها ممن كان يتمنى ويعلن أنه يجب ألا تخرج حماس من هذه الحرب منتصرة، فالادعاء كاذب.
وأما تعليله "بالحرص على عدم شق الصف"، وكأنه يلمح إلى الصف بين حماس وفتح، فما كان هناك من فتح إلا ما كان منه ومن أمثاله، ممن يتمنون الهزيمة لحماس، وكانت قوات أمن السلطة تنتظر للدخول خلف الدبابات الإسرائيلية، لا فوقها، للسيطرة على القطاع! فتعليله كاذب أيضا.
وأما كلامه "أن حماس تعلن الانتصار على إسرائيل كما يزعم مشعل وهنية" فعجيب، ولا غرابة في أن يصدر هذا الكلام منه. فقد شنت إسرائيل، التي عودها جبن حكام العرب أن تهزمهم شر هزيمة في الحروب السابقة، حربا شعواء على قطاع غزة، ولها أهداف معلنة وأخرى باطنة، وحاصرت القطاع برا وبحرا من الجهات الأربع، نعم من الجهات الأربع، وصبت حممها عليه من الجو والبر والبحر 22 يوما، ثم خرجت منه في ثلاثة أيام. وأنا أسأله هل حققت إسرائيل القضاء على حماس؟ هل تمكنت من إخراج الحكم من يدها وتسليمه لسلطة عباس؟ هل أوقفت الصواريخ؟ هل أطلقت شاليط أو قتلته؟ وهل وهل ؟ فهل انتصرت إسرائيل؟ لعله يتمنى ذلك! ولكن المحللين من العرب والصهاينة والغربيين يقولون إنها لم تنتصر. وقد يسألني، بلسان الأعداء والخصوم وهل دخلت حماس تل أبيب؟ وهل حررت فلسطين؟ وهل استسلم لها قادة الجيش الإسرائيلي؟ !! هذه الأسئلة سخرية ما بعدها سخرية!
أذكّره وأذكّر من يشاركه في هذا الموقف، بغزوة (الأحزاب) التي خطط اليهود والمشركون لها ليقضوا على الرسول والمسلمين وحاصروا المدينة وخسر المسلمون من الرجال ضعف ما خسر الكفار، وبلغت القلوب الحناجر وكشف المنافقون عن مكنونات صدورهم و... "ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا .." أفليس هذا نصرا؟ مع أن العدو ما خسر إلا ثلاثة قتلى ولكنه رجع خائبا لم يحقق الهدف الذي من أجله جاءت جيوشه المحتشدة من قريش وغطفان بفروعها والأحابيش وخطط حيي بن أخطب. ولعل هؤلاء يقرؤون قوله تعالى في التعبير عن إخفاق المشركين في قتل محمد أو احتجازه " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار ..." فهذا نصر لم يسبقه قتال ولا إيقاع أو نكاية في جنود الأعداء. فليخجل وليخنس من يبخل على إخوانه بكلمة النصر وتشح نفسه عن مشاركتهم فرحتهم بنصر الله. ولكن كيف لهؤلاء الذين جبلت نفوسهم بالحقد على العاملين للإسلام، أن يشاركوهم الفرحة وهم يغصون بذلك النصر؟ وكانوا وما زالوا يتمنون لهم الهزيمة! وما موقفهم ببعيد عن موقف المنافقين في غزوة الأحزاب.
وأما سخرية الكاتب ممن يكذبه بالأرقام التي عرضها عن خسائر الأهل في غزة ويصدق ادعاءات حماس، فأمرها أغرب وأعجب مما سبق. فهل حضرة الكاتب هو الذي وثّق هذه الأرقام؟ أهو الذي أعلنها؟ أم كان حاضرا في مستشفيات غزة يحصي الشهداء والجرحى؟ ومن يشرف على هذه المشافي غير حماس؟ ومن يوافق على نشر هذه الأرقام غير حكومة إسماعيل هنية؟ ثم ماذا قالت حماس مباشرة عن الخسائر حتى تأخذه العزة بالإثم فيقول:" أنحن كاذبون وحماس صادقة؟". إن الحكومة المقالة ذكرت أرقاما أكبر من أرقامه وأدق وهذه الأرقام تتزايد بالعشرات والآحاد. ولكن يأبى الله إلا أن يكشف جهل مدير التحرير هذا وحقده، وعلى لسانه، فهو يجهل ولا يفهم ما يقرأ ولا يعي ما يسمع، ويجتزئ الكلام ليوقعه كل هذا في هذه العيوب، فيخلط بين الحديث عن عدد الشهداء من أهل القطاع رجالا ونساء وأطفالا وبين الكلام عن شهداء من كتائب القسام المقاتلين، الذين ذكرت حماس في بيانها أن عددهم 48 شهيدا، وهذا الجهل والغباء وسوء الفهم بسوء نية أو بحسن نية لا يشفع لمن يتصدر كتابة المقالات وإدارة جهاز إعلامي كالحياة. وهل هناك مصيبة أكبر من أن يوسد مثل هذه المراكز الإعلامية إلى مثل هذا الرويبضة؟
وأخيرا أيكون هذا الكاتب أشد غيرة وعطفا ومشاركة للأهل في غزة في البأساء والضراء من خالد مشعل لأن خالدا يعيش بعيدا عن غزة؟ إن الرابط بين مشعل وبين أهل غزة وفلسطين لا يقاس بالمقالات التي تدبجها الأقلام الحاقدة، وهو أقوى بشكل مؤكد من صلة الكاتب بهم، هذا إذا كان بينه وبينهم صلة غير العرق واللغة!! ثم ألم يكن صحفيا أو قارئا للصحف يوم (اغتيل) خالد مشعل في عمان على أيدي الموساد الإسرائيلي، ولم يدفع عنه الموت إلا الله ببطولة أبو سيف الذي طارد الصهيونيين وقبض عليهما ، وبحزم الملك حسين. أهو أعطف على أهل غزة وشرطتها من خالد مشعل؟ شاهت الوجوه الكاذبة. "أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ... ولتعرفنّهم في لحن القول... "
وعلى رغم أنفه نصر الله جنده وهزم الأحزاب وحده، أحزاب الصهيونية والمنافقين وأجهزة الإعلام عربية اللسان عبرية الجنان إسرائيلية الهوى والأماني
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع