كان بإمكانه بعد خروجه من سجون الاحتلال عقب اعتقال دام أربع سنوات ونصف أن يختار نهج السلامة وأن يمنح نفسه فترة استراحة من العمل السياسي والنشاط الإعلامي وأن يلتفت بعض الشيء إلى…
كان بإمكانه بعد خروجه من سجون الاحتلال عقب اعتقال دام أربع سنوات ونصف أن يختار نهج السلامة وأن يمنح نفسه فترة استراحة من العمل السياسي والنشاط الإعلامي وأن يلتفت بعض الشيء إلى شؤون حياته وأسرته بعد سنوات اعتقاله الطويلة التي سبقتها أيضاً فترة مطاردة وملاحقة على خلفية نشاطه البارز في حركة حماس في منطقة طولكرم وعموم الضفة الغربية..
غير أن حس المسؤولية ونداء الواجب لم يمهلا كثيراً القيادي المجاهد رأفت ناصيف الذي ما إن تحرر من سجون الاحتلال قبل نحو أربعة أشهر حتى عاد فوراً لميدان العمل والجهاد رغم الحالة الأمنية المزرية التي تعيشها الضفة ويقينه بأن هناك ضريبة كبيرة يتعين أن يدفعها من يختار طريق الاستمرار في تحمل أعباء العمل الحركي ومواجهة مشاقه التي غدت مضاعفة وبالغة الصعوبة، ويندر أن تجد من يتصدى لها راضياً محتسبا..
كان أداء الأخ المجاهد رأفت ناصيف الإعلامي والسياسي خلال الشهور القليلة الماضية متميزاً، وأعاد لحماس الضفة شيئاً من ألق قياداتها المغيبة بفعل بطش الاحتلال وأذنابه، فقد واجه الواقع بكل مسؤولية وجرأة، ووقف في وجه حملات الاعتقال السياسي وعرى حقيقة الدور الأمني الذي تمارسه سلطة المقاطعة، وجاهر بخيارات حركته وأولوياتها على صعيد مقاومة المحتل، فأنست به القلوب التي كاد البطش أن يزيغ أبصارها ويفت من عضدها.
ولعل كلمته في مهرجان انطلاقة حماس المهيب في غزة حملت الرسالة الأهم في ذلك المهرجان، وفاجأت كثيرين ممن كانوا قد اطمأنوا إلى تحييد ساحة الضفة عن ميدان الفعل والتأثير، فجاء خطابه القوي الواضح ليقول إن الضفة ما زالت حاضرة.. بقادة ركبها وجمهورها وبنفسها المقاوم الذي لم ترهقه كل إجراءات التغييب الصهيونية والعباسية، وبأبناء حماس الذين تنفسوا مع كلمات الأستاذ ناصيف عبير العزة والشموخ، بعد أن طبعت في نفوسهم لمسة حنين واطمئنان عميقة الأثر..
وكان متوقعاً أن تبادر أجهزة التنسيق الأمني لاعتقال الأستاذ المجاهد ناصيف في اليوم نفسه لمهرجان الانطلاقة، ليس فقط لأن صدمتها بذلك الحشد الكبير والمشهد الفريد حملتها على الخروج بردات فعل متخبطة تعبر عن إفلاسها وخيبتها، بل أيضاً لأن أصحاب مشروع دايتون في الضفة لا يريدون لهذا النموذج القيادي أن يتكرر، وليس من صالحهم أن يتنامى حس التحدي لدى قيادات حماس في الضفة، مع كل ما سيتمخض عن ذلك من آثار إيجابية على نشاط كوادر الحركة التي يراد لها أن تظل في حالة اغتراب عن واقعها وأن تبقى مفتقدة للصوت القيادي المحرض والمستنهض للهمم أو المضمد للجراح والشاحذ للعزائم.
لقد أثبت الأخ المجاهد رأفت ناصيف أنه قيادي من طراز خاص، وأنه ممن يمكن الاستناد إليهم عند اشتداد البلاء، وأنه جدير بموقعه في حركة من وزن حماس لا يليق بها إلا أن تكون متقدمة ومتحدية وشامخة وعصية على حملات التركيع والإضعاف وليس الانحناء للعاصفة واختلاق المبررات للصمت والانزواء في هامش المرحلة، وتجربة هذا الأستاذ المجاهد تضع كل قيادات الضفة بمن فيها النواب أمام واجب كبير في ظل الواقع الحالي للضفة الذي يتطلب أن يكون مكانهم في الواجهة وفي مقدمة ركب الجمهور الذي يشتعل غضباً ورفضاً لسياسات سلطة المقاطعة ويحتاج لمن يسنده ويوجهه ويتكلم بلسان حاله ويعبر عن مأساته بجرأة ويغرس في نفوسه بذور إرادة التغيير والخلاص.
سلام لك أستاذنا المجاهد وأنت تحمل الأمانة حين تنوء بها الجبال، وتواجه جلاديك الجدد بجسد مثقل بالجراح وروح تعاف الراحة والسكون، فهذا قدر الرجال الذين يجتبيهم الله لحمل رايته في أصعب الأوقات وأحلك الظروف، ووحدها الشدائد من تجلي معادن الرجال وتمحص الصفوف وتصطفي رواحلها.