عرس وحدة فلسطيني تجلى في ساحة الكتيبة الخضراء استفتحته تكبيرات صدحت بها حناجر المحاصرين تؤكد بأن الله أكبر من الحصار وإن طال أمده وتوغل وجعه تكبيرات جعلها الله شعار أعياد الأمة…
عُرسُ وحدة فلسطيني تجلَّى في ساحة الكتيبة الخضراء, استفتحته تكبيرات صدحت بها حناجر المحاصَرين تؤكد بأنَّ الله أكبر من الحصار وإنْ طال أمده وتوغَّل وجعه, تكبيراتٌ جعلها الله شعار أعياد الأمة الإسلامية؛ وجُعلت اليوم فاتحةً لحفل الانطلاقة لتُرجِع الأمة إلى كنف الأكبر الأعظم, فيُرجِع لها أيامها أعياداً وأفراحاً.
وفي أجمل لحظات الإسلام المعاصرة علت زغاريد بداية المهرجان, ودقَّت القلوب بالفرح, و ترقرقت العيون بالفخر وتمتمت الشفاه بالحمد, وفي أسمى معاني الوحدة و الوفاء, قدَّمت غزة العزَّة كلمةَ ضِفَّة الجمالين, ليتلوها على مسامع الجماهير المحتشدة, القيادي في حركة المقاومة الإسلامية رأفت ناصيف, والذي بدأ ينهل من آي القرآن الكريم ليروينا بآيةٍ تنبع من واقع الضفة, وتُبشِّر بانبلاج الصبح مهما طال الليل و زادت حلكته: "وَمَكْـرُ أُوْلَئِكَ هُـوَ يَبُـورُ" , وفي أثناء هذه الكلمات الطيبات, كان المكر و الكيد عاملاً؛ حيث جاء خبرٌ عاجل يفيد باعتقال الأجهزة الأمنية لعدد من المواطنين في بلدة بيت عوَّا!
صبّرنا الأستاذ ناصيف وعاهد الجماهير بأن تظلَّ حماس ثابتةً على الخطى, راسخةً في الأرض؛ رغم الاعتقال والتعذيب والتهديد. و لم تتأخر غزَّة عن إجابة نصفها المذبوح بسيف المقاطعة, فأرسلت تراتيل من قلوبٍ صادقة تهنئ الضِّفة وتُصبِّرها في عيد حماس: " كل عام وانتو بخير يا اهل الضفة الغربية, مهما الغربة ح تطول بكرة تهلِّ الحرية"؛ لتعانقها الضفة وتردَّ لها تهنئة العيد برسالة من الأسير القسامي إبراهيم حامد؛ فينبض حينها قلب فلسطين الجريحة في لحظةً من الوحدة عزَّ نظيرها.
ولأنها غزَّة الإباء التي تُجلُّ الكبير وتُقدِّمه, وتحترم الصغير وتُؤثِره؛ جُعلت كلمة البراءة والطفولة مقدَّمةً على كلمة القادة, يُنشدها شبلٌ اعتنق العزَّة و أدمن الكرامة و أَبت نفسه الخنوع والركوع, شبلٌ كأشبال فلسطين, ذاق طعم العيش في حضن حركة المقاومة الإسلامية, فصدح يُغنِّي بصوتٍ لم تتكامل معالمه بعد... " بالصوت العالي أنا حمساوي"!
وإن كان القطاع مُحاصراً, فهناك حصارٌ أشدُّ وأقسى يعيشه الأسير الصهيوني جلعاد شاليت؛ ينعكس على الحكومة الصهيونية التي تدَّعي القوة وتصرِّح يومياً بضرورة الاجتياح والاغتيال والتنكيل بحق القطاع وأهله؛ غافلةً عن أن قوَّتها- المزعومة- لم تمكِّنها من تحرير أسير واحد رغم ما مضى من السنين, وما على الطاولة من حلول, وما لديها من الخبرات والإمكانات المعقدة والمتطوِّرة!
فجاء مهرجان الإنطلاقة ليعيدنا إلى رسالة جلعاد شاليط اليتيمة, و التي توسَّل فيها- بمرضه وجوعه وعجزه- إلى حكومته؛ لتنقذه من الموت الذي أرسلته إليه, حيث قال: " يؤسفني عدم اهتمام الحكومة الإسرائيلية وجيش الدفاع بقضيتي، وعدم استجابتهم لمطالب كتائب القسام."
وبعد المشهد المسرحي الذي لخَّص جانباً من معاناة الأسرى وطموح أهليهم و آمالهم المنعقدة على الله ثم على كتائب العز القسَّامية, أقسمت الجموع وهي تسدُّ بأصابعها أعين المعتدين؛ أن تظلَّ وفيةً لنهج الأوائل, سائرةً في درب التحرير والعزَّة للأمة الإسلامية.
ثم طلع على الجموع كالبدرِ هنيَّة؛ وعند اعتلائه منصة ينكشف من عليها مدى الجماهير, لم يتمالك نفسه واستكثر عليها هذا الفضل العظيم؛ فلجأ إلى حياض الله شاكراً إياه على نعمته: "رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ", وعلى جمال هذه الآية التي ألقت بها أمواج الصلاح على لسان رئيس الوزراء, إلا أنَّ عظمة الموقف استحقَّت أن تذلَّ الجباه شُكراً للواحد الأعظم؛ فاختلجت الأحاسيس وماجت المشاعر وحنَّت القلوب, وهي ترى رئيساً محبوباً يهتف الأحرار باسمه, يسجد تواضعاً ويُذكِّر الأُمة بأن "جباهنا عندما تسجد لله تعالى, تكون مرفوعة نحو السماء".
طاف إسماعيل هنيَّة في كلمته المباركة على موضوع الحج, وصبَّر حُجاج القطاع- الذين لم يحضروا تكبيرات الحرم وعوَّضهم الله بتكبيرات الانطلاقة- بأنَّ لهم الأولوية في العام القادم وبأن الأجر حاصلٌ لهم بإذن الله, وعلى من منعهم الوزر وسخط من الله.
ثم حلَّق إلى إنجازات الحكومة الفلسطينية والتي بلغت مبلغاً مُشرفاً وتسعى للمزيد؛ مما ينفع الناس بمالٍ حلال ومشاريع بلا مقابل. وكانت نقطة الحوار حاضرةً في خطاب رئيس الوزراء, وكرَّر فيها ما يردده جميع المتحدثين باسم حركة المقاومة الإسلامية بأن "الحوار يجب أن يتناول الملفات رُزمة واحدة, وتطبَّق في كل من الضفة وغزة", مؤكداً على بدهيةٍ غابت عن جهابذة فتح؛ بأن الحوار يسبق التوقيع والإقرار, وليس العكس!
وتجوَّلت كلمة رئيس الوزراء في مواضيعٍ أخرى كثيرة كان من أبرزها موضوع التهدئة منتهية الصلاحية, وموضوع العلاقة مع مصر التي خاطبها بأرقِّ الأساليب وأرقاها, رغم أنَّ "مصر العزيزة أدناها وصفَّدها في مُحكم الأسر غدَّارٌ و خوَّان"! وختم هنية بخطوطٍ عامةَّ أسَّست للمرحلة القادمة, وبيَّنت معالمها وصعوبة خوض غِمارها, خاصةً وأنَّ الحركة قد تبنَّت رغبة الشعب بالتبرؤ من عباس رئيساً؛ بتأكيد رفضها للتمديد, وتجاهلها لمنصب رئاسة دولة أحلام اليقظة!
في هذا اليوم المعطّر بدماء الشهداء, والمزيِّن بالبطولات, اكتحلت العيون برؤية حشودٍ مُباركة, وابتسمت القلوب بخفقٍ يداوي جراح الحصار وأوجاعه, و كان الاستفتاء الشعبيُّ أقوى مما تخيلته الأطراف المعادية لقطاع غزَّة, و التي ظنَّت أنَّ التضييق والتجويع والحرمان قد قيَّد الإرادة وألجم المقاومة وحالَ بين الناس وبين حركة المقاومة الإسلامية حماس؛ إلا أن الرسالة الواثقة والثابتة التي أعلنها إسماعيل هنية بقوله " حركة حماس بعد الحصار أقوى" تحدَّت تلك القوى وأعلمتها بأنها كلما زادتنا حصاراً سنزيدُ حماساً!