أحب أن أشير في البداية إلى أن المقاومة الفلسطينية الباسلة استطاعت أن تسوق المصطلحات السياسية الخاصة بها في الساحة الإعلامية المحلية والدولية حيث فرضت على الجميع التعاطي مع المصطلحات…
أحب أن أشير في البداية إلى أن المقاومة الفلسطينية الباسلة استطاعت أن تُسوق المصطلحات السياسية الخاصة بها في الساحة الإعلامية المحلية والدولية ، حيث فرضت على الجميع التعاطي مع المصطلحات التي تقررها وتحدد من خلالها ما تريده بدقة ،، فقد باتت بضاعة المقاومة فيما يتعلق بالمصطلح وسائر التوصيفات تتردد في وسائل الإعلام العربية والعبرية والأجنبية بلفظتها العربية ، من هذه المصطلحات مصطلح التهدئة ، فضلا عن المصطلح الشهير (إنتفاضة) ، وغيرها العديد من التعبيرات والصيغ العربية.
دلالات هذا الإنجاز كثيرة وإيجابية ، وليس أقلها قدرة الخط السياسي الذي يتبنى المقاومة على حجز مقعد له في دائرة صناعة الحدث وإملاء التوجهات وتقرير المصطلحات ، وهي سابقة مهمة لم تعهدها المنطقة العربية من قبل ، هذا التحول في ميدان المواجهة ينبغي أن يصحبه تحول في طرائق تفكيرنا يستوعبه وينطلق منه لقراءة الأحداث.!!
فالتهدئة ليست بحال من الأحوال التعبير المقابل للمقاومة، ذلك لأن المقاومة لا تعني حمل السلاح فقط ، فهي مجرد فاصل زمني مؤقت تمليه قاعدة ترتيب الأولويات ، كما ان الأمر بكلياته الواسعه ونهاياته الكبيرة ، لا يتعلق بإطلاق يد المقاومة أو قبضها مؤقتا بالتهدئة ، وإنما الحديث يدور حول مشروع متكامل ورؤية استراتيجية تأخذ بالحسبان جملة من التحديات المتنوعة التي تعترض المسيرة ، فالذي ينظر للأحداث والوقائع من خلال الثقب المطل على الاحتلال الغاشم وحسب ، مع الغفلة عن دلالات التحول سابق الذكر ، نجد إلحاحه في ضرورة إهالة التراب على التهدئة ، وكأن البديل عنها يشكل العنوان الوحيد للتشابك والتناقض مع الاحتلال ، وكأن الاحتلال يجابه مشروع التحرر الذي ترفع لواءه حماس عبر أداة واحدة فقط.
ولكن الحقيقة الساطعة أن الأدوات التي يوظفها الاحتلال مستهدفا شعبنا ومقاومته متعددة ومتنوعة ، وإذا كان البطش العسكري المجرم هو أحد الأدوات الفعالة في جعبة الاحتلال فإن المقاومة العسكرية المباشرة هي الرد الأنجع والمكافئ لهذه الأداة ، فرؤيتنا لهذه الأداة ومعايشتها باستمرار ، وتجرع المرارة من آثارها يكاد يملأ علينا إدراكنا ويخطف المشهد من أمام ناظرينا بكل عناصره ، لأن حضورها مؤثر ومباشر وطاغٍ، وعندها يصبح من السهل أن تغيب عن الأذهان صور الأدوات الفعالة الأخرى المباشرة وغير المباشرة التي يوظفها هذا المحتل في صراعه معنا ، وإذا اراد شعبنا ومقاومته أن يكونوا أندادا بحق لهذا المحتل المجرم ، فإن الأمر يتطلب منه إيجاد الحلول وابتداع الأساليب القادرة على مواجهة كل أدواته ومجابهته في كل الميادين ، دون أن يكون العمل في ميدان ما على حساب الميادين الأخرى.
ولو سلطنا الضوء قليلا بغير اتجاه المقاومة لرأينا بأم العين أداة أخرى من الأدوات التي يمسك بها الإحتلال ويستخدمها بنجاعة في مواجهتنا ، وهي الحصار المحكم والمضروب على غزة ، وفي اعتقادي أن مواجهة هذا التحدي بالتفكيك أولى من الانخراط في المواجهة مع الاحتلال، لأن من أهداف هذا الحصار إسقاط حماس أو إضعافها عن القيام بواجب المواجهة مع المحتل ، وإن إفشال هذا المخطط يعني تعزيز قوة حماس في مواجهته ، على كافة الأصعدة، وهكذا يبدو أن موضوع مواجهة الحصار لا ينفك البتة عن موضوع التلاحم العسكري مع الاحتلال، بل هو امتداد له وتعبير عنه ، ولذلك رأينا حماس وقد أصرت على ضرورة فتح المعابر ورفع الحصار كبنود بارزة وشروط رئيسة للتهدئة محل الحديث ، في إشارة واضحة إلى أن معركة كسر الحصار هي ذاتها معركة مواجهة المحتل .!!
ولكن ما هو الظرف الأمثل بالنسبة لحماس في مواجهة الحصار ، أهو حال تفعيل المقاومة أم حال تثبيت التهدئة ؟ قد يقول قائل هنا إن أفضل طريق لمواجهة فارضي الحصار هو تصعيد المقاومة ! ، هذا التصور صحيح عند استنفاذ البدائل التي مازالت متاحة ، ولكن التعاطي معه قبل استنفاذها يفرض مزيدا من الأعباء الثقيلة على حماس هي في غنى عنها حقيقة ، أعباء المواجهة وما يترتب على ذلك من شهداء وجرحى بالمئات يضيق حال المشافي عن استيعابهم وتوفير الطبابة المناسبة لهم بفعل الحصار ، هذا فضلا عن أعباء التدمير والهدم والتخريب المصاحب ، كل ذلك يضاف إلى الأعباء المثقلة لكاهل الجميع بفعل الحصار الخانق ، ما يجعل ظروف المواجهة حاليا في غير صالح حماس على الإطلاق ، فضلا عن أن الزمن يعمل لصالحها بخلاف العدو ، فهي تتقدم وتتطور ، بينما يتأثر العدو سلبا بتراجع أحوال داعميه ومموليه ، ووفقا لهذه المعادلة فإن تأخير المواجهة (الحتمية) سيصب حتما في صالح المقاومة وحماس ، كما أن التأخير يوفر لها مزيدا من الوقت الثمين كي تعالج أمر الحصار ، وفي حال إنجاز الهدف المنشود فإنها تحقق إضافة إيجابية أخرى تعزز موقفها عندما تحين لحظة المواجهة.
أليس من الأفضل لحماس والحال هكذا ترحيل المواجهة المنظورة بانقضاء أمد التهدئة إلى حين توفر شروط أفضل لها ؟ بالتأكيد ! ، خصوصا أن انتهاء أمد التهدئة يفتح الباب واسعا أمام استحقاق تغيير قواعدها وشروطها ، وبإمكانها أن تحقق جملة من الفوائد من وراء ذلك ، فالعدو المستميت على التهدئة سيكون مهيأً للقبول بمزيد من المطالبات المفروضة عليه لقاء تجديدها ، وإن حاول بطريقة مكشوفة الحصول على تجديد التهدئة على ما هي عليه الآن ، وذلك عبر إطلاق سيل من التهديدات والتصريحات المشيرة الى قرب الإقدام على تنفيذ اجتياح كبير لقطاع غزة ، تهدف للتخويف ودفع المقاومة الى عدم طلب المزيد لقاء التجديد ، ، ولا أظن ان فصائل المقاومة جميعها تقبل بذلك ، فتفعيل البنود التي لم يلتزم بها العدو أو الراعي (مصر) ، مع طرح سقف أعلى من المطالب والشروط ، سيكون بمثابة المحك الفعال الذي يختبر نوايا الطرف الآخر وتتوقف عليها الوجهة القادمة إن باتجاه دفن التهدئة أم بتجديدها ، ولو تصادم الطرح بالصلف الصهيوني المعهود ، فإن موجة من المواجهة الفعالة والقصف المركز كفيلة بإرجاعه إلى صوابه وإقناعه بضرورة قبول المطالب الجديدة.!