أحداث الخليل.. نار تحت الرماد

أحداث الخليل.. نار تحت الرماد

لمى خاطر
2008-12-05

لم تكن هجمة المستوطنين الأخيرة على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في المناطق المحاذية لمستوطنة كريات أربع ومحيط المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل مجرد حدث عابر معزول حتى لو…

لم تكن هجمة المستوطنين الأخيرة على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في المناطق المحاذية لمستوطنة (كريات أربع ) ومحيط المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل مجرد حدث عابر معزول حتى لو طفا بعض الوقت على سطح واجهات الإعلام المختلفة ثم عاد للتغييب – كالعادة – فالعلاقة المتوترة بين أهل الخليل وخاصة سكان البلدة القديمة والمستوطنين الصهاينة كانت متفاعلة على الدوام وتعبر عن نفسها بأشكال عديدة أقلها حدة الاعتداءات اليومية لمستوطني كريات أربع والبؤر الاستيطانية المقامة في قلب المدينة على المواطنين، وأكثرها حدة كانت مجزرة المسجد الإبراهيمي قبل نحو خمسة عشر عاماً، ولم تكن فقط تعبيراً عن مأساة المدينة التي غزاها الاستيطان في قلبها، بل كانت نقطة تحول في مسار الانتفاضة الأولى والقضية الفلسطينية بشكل عام.

وعند الحديث عن الخليل تقفز إلى الذهن فوراً جملة اعتبارات وحقائق بأبعاد دينية وتاريخية، تضفي نزعة قداسة وخصوصية على طبيعة الأحداث التي تدور في هذه المدينة المتدينة بفطرتها، وخاصة في جدلية علاقة أهلها مع المحتل ومستوطنيه، الذين يوظفون البعد الديني لتسويغ سيطرتهم على المدينة وخصوصاً البلدة القديمة ومحيط المسجد الإبراهيمي، واستجلاب غلاة المستوطنين إليها معبئين بشحنات حقد كبيرة، ودوافع دائمة للاعتداء على السكان والاستيلاء على منازلهم وممتلكاتهم، حتى صار أهل المدينة – في العرف اليهودي – مغتصبين لحق يهودي تاريخي يماثله مكانةً حقهم المزعوم في المسجد الأقصى!

ولأجل بضع مئات من المستوطنين يقيمون في خمس بؤر استيطانية في قلب المدينة فقد فصلت اتفاقية الخليل بين السلطة والاحتلال التي قسمت المدينة إلى شطرين، أحدهما خاضع لنفوذ السلطة، والثاني تسيطر عليه قوات الاحتلال، وبشكل يراعي مصالح المستوطنين وأمنهم على حساب أمن أهل المدينة وتواصلها الجغرافي، ومما يعني انتفاء أي نية لإنهاء الاستيطان في المدينة.

وكانت النتيجة الطبيعية لذلك تمدد السرطان الاستيطاني ببطء، وصمت وفرض وقائع جديدة على الأرض لا تمسها التسويات السياسية، ولا يقبل الطرف الصهيوني بطرحها على مائدة التفاوض أصلا، ومنذ بداية الانتفاضة تسارعت وتيرة التهويد التي تتعرض لها البلدة القديمة في الخليل، حيث أغلقت معظم المنافذ المؤدية إليها، وعزلت جغرافياً عن أجزاء المدينة الأخرى، وخضعت لحظر شبه دائم للتجول، مما أدى إلى شلل في نشاطها الاقتصادي ثم هجرة أعداد كبيرة من ساكنيها إلى مناطق أخرى من المدينة، حتى صارت البلدة القديمة أشبه بمدينة منفصلة وقائمة بذاتها لها سماتها الخاصة، وأهمها الركود والعزلة على الرغم من أنها كانت فيما مضى عصب الخليل وشريان الحياة فيها!

واليوم، فإن الهجمة الاستيطانية الجديدة على الأحياء المتاخمة للتواجد الاستيطاني، تعد محاولة جديدة لإكمال مخطط التهويد الرامي إلى السيطرة على أكثر المناطق حيوية في المدينة، لكنها هذه المرة تتخذ أشكالاً مباشرة وسافرة في العدوان ويحتشد للمشاركة فيها مستوطنون متطرفون من مناطق مختلفة، بل إن كل رموز الاستيطان الصهاينة يرون أنهم يخوضون اليوم معركة مصيرية في الخليل، لن توقفها القرارات التسكينية للمحكمة الصهيونية التي حكمت بإخلاء منزل الرجبي الذي استولى عليه المستوطنون قبل عدة أسابيع، وفي المقابل فإن الخيار الوحيد الذي ينتهجه سكان هذه الأحياء في مواجهة هذه الاعتداءات هو الصمود والثبات في مواقعهم والدفاع عن أنفسهم رغم شح إمكانياتهم وانعدام التفاعل الجماهيري مع قضيتهم على مستوى مدن الضفة، مما يعطي مؤشراً مفاجئاً على تخامد الحس الوطني الشعبي والتفاعل مع القضايا الوطنية، رغم أنه واقع يبدو طبيعياً على أي حال في ظل ملاحقة السلطة للقوى المجاهدة على الساحة التي كانت جماهيرها هي الأكثر تفاعلاً مع مثل هذه الأحداث.

ورغم ذلك فإن الخليل اليوم تعيش إرهاصات منعطف جديد من تاريخها، وهي تقف وحيدة في مواجهة المشروع الاستيطاني، هذا السرطان الذي أبقى على جمرات العداء للمحتل في النفوس رغم كل محاولات تطبيع الوعي وتزييف الإرادة لتوافق مقاسات مشاريع التسوية المذلة، ومع كل هذا السكون الذي يلف الواقعين المحلي والخارجي، فإن الأمل قائم بأن تفضي هذه الأحداث إلى مرحلة فلسطينية جديدة تبدد الوهم وصانعيه وتعيد حالة العلاقة مع المحتل إلى مسارها الصحيح حيث لا خيار غير المواجهة، ولو بالصدور العارية تماماً كما هي حال أحياء الخليل الصامدة في وجه هجمات المستوطنين اليوم. 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026