يبدو أن قرار مركزي المنظمة بانتخاب عباس رئيسا لدولة فلسطين التي لم تقم إلا في أحلام أصحاب المشروع الوطني الفتحاوي لم يكن فقط محاولة خرقاء للالتفاف على شرعية حماس وإخراجها من واجهة…
بل يبدو أيضاً أن عباس يريد أن يستبق تسوية سياسية جديدة مع شريكه الإسرائيلي وذلك بالتمكين لنفسه في موقع لا تحركه رياح الانتخابات التي قد تأتي بما لا تشتهي سفن أمريكا، حتى لو أجريت بطريقة شوهاء تستثني غزة أو يصح معها أن يُعتمد مرشحو غزة في المجلس التشريعي الجديد دونما انتخاب كما صرح مستشار عباس نمر حماد! فالاحتياط واجب في كل الأحوال، والمؤمنون (بخيار التنسيق الأمني) في سلطة المقاطعة لا يلدغون من الجحر ذاته مرتين، ولا بد لهم من الأخذ بالتوصيات الأمنية الإسرائيلية التي تسربت مؤخراً وحذرت من إجراء انتخابات فلسطينية حرة نظراً لأن إمكانيات فوز حماس مجدداً لا زالت قائمة، ولهذا يحاول فريق المقاطعة البحث عن مخارج لتحجيم أثر أي تمدد جديد ومفاجئ لحماس قد يكتسح السلطة كلها ويمكن الحركة من إحلال رؤيتها السياسية مكان مشروع التسوية الذي لم يعد ثمة قكاك من اعتماده خياراً أوحد لذلك الفريق.
منظمة التحرير كانت قد غيبت تماماً عن التأثير في الواقع الفلسطيني منذ قيام السلطة، وأنهي دورها بعد اعترافها بإسرائيل وتغيير بنود الميثاق الوطني الفلسطيني، غير أنها عادت لتستدعى كمرجعية عليا مهيمنة على القرار الفلسطيني بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، وظل الأمر يتكرر كلما واجه فريق المقاطعة مأزقا دستورياً أو استحقاقاً سياسياً محرجاً يتطلب استقواءً على حماس، حتى لو كان هذا الاستقواء بهياكل متداعية فاقدة للشرعية بحكم انتهاء صلاحيتها وقصورها عن التمثيل الحقيقي للشعب الفلسطيني، ولهذا لم يكن غريباً أيضاً تجاوز وثيقة الوفاق الوطني (الأسرى) والعودة لوثيقة الاستقلال والتعامل معها كمرجعية مفروضة على الجميع وغير قابلة للنقاش!
بل إن عباس وفريقه لا يقيمون وزناً من أي نوع لمعنى عدم تمثيل المنظمة لفصائل أساسية ومهمة تفوقهم حضوراً وثقلاً وتأثيرا كحماس والجهاد الإسلامي، وهو قد قطع الطريق على (أحلامها) بمنازلته في ميدانه الأخير بقوله إن من يريد الدخول للمنظمة عليه أن يقبلها كما هي بقراراتها وسياساتها، ومن بينها كما هو مفهوم ضمناً قرار الاعتراف بإسرائيل، وقد تكرر هذا الطرح الغريب بصيغة أخرى على لسان سليم الزعنون في اجتماعات مركزي المنظمة الأخيرة حين قال إن ما نص عليه اتفاق القاهرة 2005 هو إعادة تفعيل المنظمة وليس إعادة بنائها! وهذا لا يعني فقط أن فتح يراد لها أن تظل المهيمن على المنظمة حتى لو دخلتها حماس بل إن قرارات المنظمة التفريطية يجب ألا تمس وفقاً لهذا الفهم الفتحاوي الجديد لنصوص التوافق الفلسطيني التي تخص المنظمة!
وعباس يعتقد بذلك أنه يضيق على حماس خياراتها ويكبل يديها، ولذلك فقد خيرها بين الحوار والانتخابات، والحوار بطبيعة الحال وفق الرؤية العباسية انتقائي وغير شامل ومحكوم بجملة من عوامل الإفشال، أما الانتخابات فمعروف أن حماس لا يمكنها الموافقة على خوضها في ظل الواقع الحالي ودون أجواء ممهدة لها على صعيد العلاقة الفلسطينية الداخلية وملفاتها الشائكة، إضافة لتغييرات على الأرض توقف على الأقل حملات التصفية الممنهجة التي تطال وجود الحركة في الضفة، فكيف حين يكون عباس غير معترف أصلاً لا بحملات الاعتقال السياسي ولا بمحاربة حماس والعمل على إضعافها؟! بل إن عباس ذهب إلى أبعد من كل هذا حين ألمح إلى أن خيار إعادة الانتخابات والاحتكام للشارع سيظل وارداً إذا (اختلفنا)، واختلفنا هذه تعني بكل تأكيد: إذا لم توافق النتيجة الهوى الإسرائيلي والأمريكي، مما يعني أن المطلوب من حماس فقط الخضوع لرؤية فريق المقاطعة بالكامل أو الاستسلام والخروج من النظام السياسي ليخلو بعدها الجو لعباس لإنفاذ أية تسوية دونما عقبات قانونية أو سياسية.
كل هذا يحتم على حماس المزيد من الثبات في مواقعها السياسية، وليشبع كل المزاودين تنظيراً حول الكراسي والمناصب وبريق السلطة، فحماس لم تعد فقط اللاعب الأبرز على الساحة والمؤثر الحقيقي في المشهد الفلسطيني؛ وفي المقاومة كما في السياسة، بل هي صمام أمان حقوقه وثوابته، وتكفينا نظرة على كيفية إدارة الحركة في الساحات الخارجية لملف حق العودة وتفعيله على نحو خلاق وإبداعي، وفي هذا التوقيت الذي يشهد حراكاً خفياً لتصفية هذا الحق وتغييبه بالتدريج.
أما تلويح عباس بسيف المنظمة حيناً والانتخابات حيناً آخر فهي أوهن من أن تخشاها حماس، فأي كيان فلسطيني رسمي لا تمثل فيه حماس هو كيان منقوص، كما أن أي انتخابات فلسطينية لا يفرزها توافق فلسطيني ولا تشارك فيها الأطراف الرئيسة على الساحة هي انتخابات فاقدة للشرعية بل غير ممكنة أصلاً، وحتى لو أجريت في نيسان القادم كما يروج ياسر عبد ربه وبالمقاس الذي فصله نمر حماد فإنها لن تكون سوى مسرحية مكشوفة سينقلب سحرها على مدبريها حتى لو ظن هؤلاء أنها ستخلصهم من حماس وتقيهم (شر) شرعيتها التي اكتسبتها بطريق مشروع وبإرادة شعبية حرة.