بالتزامن مع التصعيد العسكري الميداني الإسرائيلي في قطاع غزة والذي أدى إلى استشهاد أحد عشر شهيدا من عناصر القسام يستمر القادة الإسرائيليون بالتهديد والوعيد فأولمرت يعتقد أن المواجهة…
بالتزامن مع التصعيد العسكري الميداني الإسرائيلي في قطاع غزة والذي أدى إلى استشهاد أحد عشر شهيداً من عناصر القسام، يستمر القادة الإسرائيليون بالتهديد والوعيد، فأولمرت يعتقد أن المواجهة مع حماس في غزة حتمية وأن الموضوع فقط متى وكيف، وباراك يطالب سكان الجنوب بالاستعداد للمعركة، وفلنائي يقول إن التهدئة تترنح بين الحياة والموت، وثلاثتهم بالإضافة إلى رئيس الأركان أشكنازي زاروا قواتهم الحيطة بقطاع غزة للاطلاع على مدى جهوزيته ولتوجيه رسالة مفادها أن إسرائيل جاهزة للمعركة. إن من يرغب في قراءة سريعة وغير متأنية يستنتج أننا أمام حرب قد تصل إلى حد إعادة احتلال إسرائيل للقطاع، وقد يستند هذا الرأي بالإضافة إلى ما ذكر سابقاً إلى تعثر الحوار الفلسطيني واستمرار حالة الانقسام وما يشكله هذا من عائق أمام التوصل إلى تسوية واقترابنا من أزمة أخرى مرتبطة بانتهاء ولاية الرئيس عباس، والحديث من قبل أكثر من طرف عن إمكانية اللجوء للحل العسكري لتذليل هاتين العقبتين.
لكن إذا ما أمعنا النظر نجد أن الأمر مختلف، وأن هذا التصعيد والتهديدات الإسرائيلية والتي بلا شك تشكل تمهيداً لاعتداءات قادمة، قد تكون أكثر قسوة ودموية، لكنها تأتي في سياق المرحلة السياسية الراهنة واستحقاقاتها، فنحن نعلم أن الانتخابات الإسرائيلية على الأبواب، ونعلم أيضاً أن القيادات الإسرائيلية الحالية قيادات مفلسة ومهزومة وليس لديها ما تقدمه لجمهورها، فكاديما قاد إسرائيل في حرب قاسية قبل عامين تعرض فيها جيشها إلى هزيمة مرة على يد المقاومة اللبنانية، وزعيمه تلاحقه قضايا الفساد وقد اجبر على الاستقالة من منصبه، وباراك رئيس وزراء سابق فشل فشلاً سياسياً ذريعا قاد إلى اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م، وهو وزير الدفاع الذي جاء إلى منصبه مزمجراً ومتوعداً للمقاومة الفلسطينية فإذا به يوقّع معها مرغماً على تهدئة في غزة. لذلك نحن قادمون على انتخابات إسرائيلية القيادات والأحزاب فيها مفلسة وهي بحاجة إلى رفع رصيدها، وفي هذا يشترك كاديما والعمل، ولأنهم يعرفون جمهورهم ومدى حبه للدم الفلسطيني المسفوح، ولأنه جمهور مشوّه نفسياً وثقافياً، لا يشعر بالراحة أو الرضا إلا عندما يرى أشلاء الأطفال والنساء الفلسطينيات في الأزقة والشوارع والبيوت والمزارع المدمرة، وعلى الفلسطينيين وبالذات في قطاع غزة الاستعداد لدفع فاتورة الانتخابات الإسرائيلية وتحضير ضريبة الدم الكافية لإشباع الرغبة الإسرائيلية، مع مراعاة أننا أمام مزاد علني سيتبارى فيه القادة الإسرائيليون على من لديه رغبة وقدرة أكبر على التدمير وسفك الدماء.
ومما يعزز القناعة بأننا أمام تصعيد محدود يخدم أهدافاً حزبية وشخصية إسرائيلية، ولن يصل إلى حد الاجتياح الواسع أو إعادة احتلال القطاع الاعتبارات الهامة الآتية:
1. إن الانسحاب من قطاع غزة، وإن جاء تحت ضربات المقاومة الفلسطينية، إلا أنه جاء أيضاً في سياق خطة إسرائيلية للانفصال عن الفلسطينيين من طرف واحد، أي الانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي لا تعتبرها إسرائيل ذات أهمية استراتيجية وترك الفلسطينيين يتدبرون أمرهم، وإنني اعتقد أن هذه الاستراتيجية لا زالت قائمة وإن كانوا استخلصوا العبر من كيفية الخروج من غزة ويبحثون عن صيغة أفضل لتنفيذها في الضفة الغربية. لذا فمن المستبعد أن تتخلى إسرائيل عن هذه الخطة وتعود لممارسة الاحتلال المباشر لغزة، وهذا ما صرح به عدد كبير من قادة إسرائيل، لأنه سيعتبر تراجع استراتيجي.
2. قطاع غزة منطقة غير مرغوبة إسرائيليا منذ فترة طويلة فهي مرهقة ومزعجة لهم منذ عقود، وكلنا يستذكر عبارة رابين الشهيرة حين قال: أنه يتمنى لو يصحو من نومه وقد ابتلع البحر غزة.
3. المقاومة في غزة والتي تم بناؤها خلال انتفاضة الأقصى، وبالذات كتائب القسام، أصبحت قوة يحسب حسابها وبالذات عن التفكير في دخول المناطق السكانية، فمعلوم أن هذه المقاومة أصبح لديها جيش جيد التدريب ولديه تسليح جيد نسبياً لمعركة داخل أحياء ومدن مزدحمة "حرب عصابات".
4. قطاع غزة هو المنطقة الأكثر كثافة في العالم، وأية معركة داخل أحيائه تعني بالتأكيد مجازر بشعة قد تزهق فيها أرواح الآلاف من المدنيين، وهذا ما لا تستطيع إسرائيل وحلفاؤها احتماله، وقد يدفع إلى تحركات جماهيرية عربية وإسلامية قد تشكل خطراً على الأنظمة الموالية والصديقة للغرب وأمريكا، وسيقوض ما بقي من آمال ضعيفة في نجاح العملية السلمية، وقد يقود إلى انتفاضة ثالثة لا أحد يمكن أن يتنبأ بنتائجها.
5. معركة من هذا القبيل تعني لحركات المقاومة في غزة وبالذات لحركة حماس معركة موت أو حياة، لذا فإن حماس ستقاتل حتى آخر مقاتل فيها، وفي كل مدينة وحي وبيت، مما يعني أنها ستكون قاسية إلى حد لا يمكن معه التنبؤ بالنتائج.
6. أخيراً وفي أكثر السيناريوهات الإسرائيلية تفاؤلاً وإذا ما استطاعت السيطرة على قطاع غزة فإنها لن تجد من الفلسطينيين من يحكمه أو من يستطيع أن يحكمه لأنه سيكون قد حكم على نفسه بالانتحار، كما أنني لا أظن أن إسرائيل معنية بإنهاء هذه الحالة من الانقسام حتى ولو كان لحساب أصدقائها من الفلسطينيين.