استوقفني مؤخرا تصريح لنائب وزير الجيش الإسرائيلي متان فلنائي حول تمسك إسرائيل بالتهدئة المبرمة مع فصائل المقاومة الفلسطينية منذ عدة أشهر والتي توشك على بلوغ أجلها المسمى إضافة…
استوقفني مؤخراً، تصريح لنائب وزير الجيش الإسرائيلي متان فلنائي حول تمسك (إسرائيل) بالتهدئة المبرمة مع فصائل المقاومة الفلسطينية منذ عدة أشهر، والتي توشك على بلوغ أجلها المسمى، إضافة لحرص الأخيرة الظاهر على تمديد التهدئة التي يجمع الفلسطينيون على أنها لم تلب تطلعاتهم لكسر الحصار الجائر المفروض على قطاع غزة منذ نحو عامين.
ومرد التوقف حيال ذلك التصريح رغم مجيئه عقب عملية عسكرية نفذتها قوات الاحتلال وسط قطاع غزة مؤخراً، أنه صدر عن مصدر رفيع المستوى في عصا (إسرائيل) الغليظة، التي ما برحت ترفعها في وجه كل من يعاندها ويعاكس مشاريعها الاستيطانية في المنطقة الخاضع جلها للهيمنة الأمريكية المسخرة لخدمة المشروع الصهيوني؛ فمثل هذا التصريح مقبول ومستوعب صدوره من المستوى السياسي باعتبار أن السياسة فيها "أخذ وعطا"، وتحفل بالمتغيرات بين عشية وضحاها.
ويزيد العجب، الإدراك بأن (إسرائيل) اعتادت على العنجهية والصلف والتجبر والوحشية، وانتهجت على الدوام سياسة الإملاء وفرض الشروط على الخصوم، لكنها تبدو اليوم تستجدي التهدئة عبر التأكيد على التزامها بها، وكأنها قلقة من رد فعل فصائل المقاومة، وأنها تحسب ألف حساب لسيناريو استئناف المواجهة الضارية مع القوى الفلسطينية.
بالتأكيد أن ذلك التصريح لم يأت من فراغ، وإنما جاء بعدما بلغت أذرع المقاومة مستوى متقدماً من القدرة على إلحاق الأذى بالاحتلال الإسرائيلي، بحيث أصبحت مسألة شن حملة عسكرية واسعة النطاق على قطاع غزة المحاصر، أمراً يستحق التفكير ملياً في دوائر صنع القرار العسكري الإسرائيلي، والتي بات الإعلام الساحة المتاحة لعملها، وذلك في إطار التهويل والتخويف والردع المعنوي بأقل التكاليف.
ومن نافلة القول، إن ذلك لا يعني مطلقاً، أن (إسرائيل) عاجزة عن شن عدوان على قطاع غزة، فهي تمتلك ترسانة عسكرية عز نظيرها في الشرق الأوسط، بل يعني أن قادتها عاجزون عن تحمل تبعات مثل هذا القرار الذي تشي المعطيات أن نتائجه لن تكون وخيمة على الفلسطينيين فحسب، وأن الإسرائيليين عليهم الاستعداد لدفع ثمن قاس، فهذا ما تدركه المحافل الأمنية والعسكرية والسياسية الإسرائيلية، وتسعى لتقليص مخاطره من خلال الشروع في تحصين المباني في البلدات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة.
ويبدو أن الأجل المسمى للتهدئة الموشكة على الانتهاء لا يسعف حكومة الاحتلال لاستكمال تحصين المباني وتهيئة جمهورها الداخلي لتكبد خسائر لا مفر منها في سياق المواجهة اللائحة في الأفق المتوسط، الأمر الذي يصب أيضا في صالح الأجنحة العسكرية الفلسطينية التي تواصل الليل بالنهار من أجل الإعداد لذلك اليوم المحتوم.
وتعكس تصريحات فلنائي تسلل مشاعر الإحباط إلى نفوس صناع القرار في (إسرائيل)، لا سيما أنها تأتي بعد تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل ايهود اولمرت، أكد خلالها على ضرورة الانسحاب من الضفة الغربية في إطار أي اتفاق مستقبلي، عدا عن تأكيده على أفول حلم (إسرائيل) الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات.
إن المقاومة الفلسطينية التي نجحت في نثر مشاعر الإحباط في صفوف قادة الاحتلال العسكريين فضلاً عن السياسيين منهم، مطلوب منها إدراك طبيعة المرحلة، والتي تقبل فيها (إسرائيل) على انتخابات مبكرة، وتنشغل فيها الإدارة الأمريكية الجديدة في مواجهة الأزمات التي ورثتها من الرئيس جورج بوش، وفي مقدمتها الأزمة المالية العاصفة والورطة العراقية والأفغانية وغيرها من الملفات العالقة. وعليه لا ضير من دراسة تمديد التهدئة، لكن لا تهدئة كالتي تمضي أيامها الأخيرة، وهنا مربط الفرس.