قبل أيام وأسابيع بذلت القاهرة جهودا كبيرة من خلال المحادثات مع الفصائل الفلسطينية البالغ عددها فصيلا أكثر من نصفهم لا يتجاوز حضورهم في الساحة الفلسطينية عدد الإفراد المفرغين…
ولكني أستغرب لأني لم أجد من يمثل سلطة الضفة الغربية ، فنجد سلطة غزة حضرت متمثلة في حركة حماس ونواب التشريعي ووزراء في الحكومة ، بينما على الجانب الآخر لم نرى من يمثل الضفة في هذا الحوار ، ولكن كيف سيكون الحل ؟
قد يستغرب البعض من تساؤلي هذا عن غياب ممثل لسلطة الضفة الغربية ؛ وقد يتراءى للبعض أني فقدت الصواب في الحديث عن هذه النقطة ؛ أو أني لا أريد حلاً للقضية الشائكة الآن أو أنني ضد الحل .
إن الذي يحكم الآن في الضفة الغربية هو سلام فياض _رئيس الوزراء المعين من قبل الرئيس محمود عباس_ والذي يدير الدفة الأمنية في الضفة هو الجنرال الأمريكي دايتون، ولكن هل حضر هذان الشخصان الحوار؟
لقد أصبحت الضفة الغربية الآن رهينة بيد هؤلاء ؛ لأن المال المقدم من قبل الأمريكيين و الأوربيين ليس عبثياً ولا لسواد عيون محمود عباس ؛ بل يقدم لرئيس وزراءه ولم نسمع أنه يوماً قد قُدم للرئيس عباس، وحتى لا نذهب بعيدا ً نجد الرئيس عباس في ناهية شهر سبتمبر قد توجه إلى واشنطن ووعده الرئيس الأمريكي بوش بتسليم ملف المفاوضات لمن سيخلفه ، وفي هذه الأيام توجه فياض إلى واشنطن ووُعد بدعم مالي جديد بقيمة 150 مليون دولار .
إن ما يجري الآن في الضفة لا يعد بمثابة ضربة موجهة لحركة حماس لما قامت به من الحسم العسكري في القطاع كما يقولون ، علينا أن نتحدث بوضوح إن ما يجري في الضفة الغربية هو تنفيذ للبند الأول من خطة خارطة الطريق وهذا الكلام ليس جديداً أو أن أحداً لا يعرفه ، فتواجد الجنرال الأمريكي في الضفة مبني على هذا الأساس ، وهذه هي المرة الأولى التي يعين مسئولاً أمنياً يتواجد في الأرضي الفلسطينية بشكل متواصل ومستمر لمتابعة أدق التفاصيل الأمنية اليومية ويقوم بالتنسيق مع الجانب الصهيوني ، بل قاموا بملاحقة جميع فصائل المقاومة في الضفة الغربية .
لقد أصدر الرئيس عباس قراراً بالإفراج عن معتقلي حركة حماس ؛ ولكن لم يتم الإفراج إلا عن عدد قليل جداً ، لأن الرئيس وبصراحة لا يملك القرار الأمني في الضفة الغربية ، وأصبح القرار الأمني هناك بيد من يقومون بتقديم الرواتب وبشكل شهري وهذا ما قاله المفوض الأوروبي للجنة الرباعية لأحمد قريع : إن الأوربيين يدفعون رواتب 500 جنرال في السلطة الفلسطينية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد من قبل سلام فياض ؛ بل قام بتبعية جميع السفارات ومكاتب التمثيل سواءً التابعة للسلطة أو للمنظمة ، وأصبحت الآن جميعها تتبع حكومة سلام فياض .
ولأزيد من الشعر بيتاً سمعنا قبل أشهر أن العديد من قيادات حركة فتح تتحدث عن تغييرات وزراية لوسائل الأعلام أو خلال المحاضرات التنظيمية ، ولكن سريعاً ما يخرج من يكذب هذه الأخبار .
حتى الجانب الصهيوني يعقد اجتماعات إعلامية مع الرئيس عباس، فيما يجتمع دايتون مع رجال الأمن بالجانب الصهيوني ويتفقوا على العمل الأمني في الضفة الغربية، ولا أريد التطرق هنا للمشكلة السياسية في الضفة الغربية واكتفي فقط بالشق الأمني فهو كفيل أن يفشل الحوار لوحده.
فلمن الآن الكلمة في الضفة ؟
إنها لفياض ودايتون ولا يوجد سلطة لحركة فتح على الضفة الغربية ، حتى نواب فتح تحدث بعضهم عن سيطرة فياض على مؤسسات السلطة ، وانتقدوا أداء الأجهزة الأمنية في الضفة وكان آخراهم النائب عيسى قراقع الذي وصف قيادات وعناصر الأجهزة بالأرانب .
إذن وبحسبة بسيطة وفي بند واحد من بنود المصالحة ألا وهو الشق الأمني في الضفة الغربية وغزة نجد التالي : نصف الفصائل لا تمثل إلا نفسها وحركة فتح لا تمتلك الكلمة الفصل في الضفة الغربية ؛ فهل هذه مؤشرات على نجاح الحوار ؟!
قد تكون الأجواء الآن إيجابية والجميع ينتظر نتائج للحوار في القريب العاجل ، ولكن كيف سيكون الحوار مع من لا يمتلك القرار! لم أسمع أحداً من فتح أو الرئاسة يعطينا تفسيراً واحداً لما يجري الآن من اعتقالات في الضفة الغربية وبالذات في منطقة الخليل؛ هل نقول فتح لا تريد الحوار أو فتح لا تمتلك قرار الحوار؟! من العيب أن نقول هذا ولكن ما نراه ونفهمه أن فتح تريد الحوار ، وهي تمتلك إرادة للحوار ومستعدة للتنازل في الحوار ولكنها لا تمتلك السلطة حتى تستطيع تنفيذ بنود الحوار، فهل من الممكن أن تنفذ فتح بنود الحوار؟
بالطبع لا؛ وإذا كان نعم أين يصبح مصير الجنرال دايتون ؟ هل سيغادر؟ ومن سيقدم الدعم بعده إذا غادر؟ العالم العربي الذي لا يمتلك قرار علاج مريض فلسطيني !!
علينا ألا نتفاءل كثيراً بجلسات الحوار والحلول المنتظرة منها ، على الأقل في هذه المرحلة بالذات فما زلنا بعيدين عن الحوار.
وقد يكون الحوار مجدياً في حال تغيرت القوى السياسية الحاكمة في العالم بعد الأزمة المالية ، أو انقلب الحال و أصبحت فتح تمتلك السلطة في الضفة ، وهذان الأمران لا يظهران خلال الأشهر القادمة.
ولكن الحوار يكون حقيقياً إذا قامت القاهرة بدعوة فياض ودايتون إلى الحوار ، ووافق الاثنان على حوار حماس ، بذلك يمكن أن تعود اللحمة بين الضفة وغزة .