وترجل أبو أيمن حامل الأمانة

وترجل أبو أيمن حامل الأمانة

رياض الأشقر
2008-10-05

تعرفت عليه عن قرب منذ فترة قصيرة لا تتجاوز الأربعة أشهر ولكنها كانت كافية لمعرفة هذا الرجل الذي لم اشعر لو للحظة واحدة انه يتعامل معنا من منطلق انه وزير ونحن موظفين في وزارته حيث…

تعرفت عليه عن قرب منذ فترة قصيرة لا تتجاوز الأربعة أشهر، ولكنها كانت كافية لمعرفة هذا الرجل، الذي لم اشعر لو للحظة واحدة انه يتعامل معنا من منطلق انه وزير ونحن موظفين في وزارته .. حيث تواضعه الجم، وأخلاقه العالية، وأدبه في الحديث، وإنزال الناس منازلهم، وشكره للمجتهد، وسماحته مع المخطئ، وتفانيه في عمله، وإخلاصه لوطنه، ومحبته للجميع بدون استثناء .. كل ذلك جعل منه مثالاً يحتذي به، انه أبو أيمن د. احمد دياب شويدح وزير العدل وشئون الأسرى الراحل.

 

عرفته بحكم عملي كمدير للدائرة الإعلامية بوزارة الأسرى والمحررين التي كلف أبوأيمن  بتوليها بجانب وزارة العدل، وكنت على تواصل مباشر معه، كان يحمل هم الأسرى،وأمانة المنصب الذي كُلف به، وكان يشغل باله كيف يمكن لنا أن نخدم هؤلاء الأسرى بما أننا لا نستطيع إطلاق سراحهم فأقل القليل أن نقدم لهم ما نستطيع من خدمات يمكن أن تخفف عنهم وتهون عليهم سجنهم، وان نرعى أهلهم بحيث تكون قلوبهم مطمئنة على أولادهم وزوجاتهم وآبائهم وأمهاتهم ، كان يصل إلى مكتبه مبكراً وأحيانا قبل حضور الموظفين، ويطرح علينا سؤال الصباح المعتاد (ماذا ستفعلون اليوم؟) ، (وماذا ستقدمون لقضية الأسرى ؟)  كان سؤاله هذا يدفعنا باستمرار إلى استنفار كل طاقاتنا لإيجاد عمل نقدم من خلاله انجاز لهذه القضية الهامة ، ويجعلنا نتسابق لتنفيذ فعالية أو نشاط لتفعيل تلك القضية سواء على الصعيد الإعلامي أو الخدماتي ، وكان يسعد ويطيل الابتسام إن استطعنا أن نقدم شيئاً للأسرى أو لذويهم أو المحررين .

 

كان أبو أيمن بحق يصون الأمانة التي ألقيت على عاتقه بهذا التكليف وليس التشريف ، لم يهدأ له بال حتى استطاع أن يقر قانون الأسرى والمحررين ، لكي ُيشَّرع ويثبت لهم حقوقهم ، ولا يجعل أحد يمن عليهم بأنه قدم لهم خدمة أو مساعدة ،واذكر جيداً هذا اليوم الذي اقنع فيه الوزراء وأعضاء التشريعي بضرورة التوقيع على هذا القانون لتنفيذه حيث اتصل بى هاتفياً وقال لي " بدى أبشرك عندي خبر رائع" قلت له وما هو؟ قال " قبل قليل تم التوقيع على قانون الأسرى" وكانت الفرحة تقفز من كلماته وكم كان سعيداً كأنما تم التوقيع على تعيينه رئيساً أو ملكاً على دولة ما، وكم كنت سعيداً أبا أيمن بتبني دعوتك للمسلمين جميعهم بالدعاء للأسرى في ليلة القدر حين اتصلت بى وأخبرتني بان رئيس الوزراء أوعز للجميع بالدعاء للأسرى بان يفرج الله كربهم، وبدأت هذه الدعوة تعمم على باقي المساجد ليلة السابع والعشرين من رمضان . 

 

رحمك الله أبا أيمن كم كنت حريصاً على أن تلقى ربك وقد أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ولا زالت أذكرك وأنت تتنقل بين أهالي الأسرى، تحادثهم، وتمازحهم وتستمع إليهم، وتقربهم إليك، وكنت توصينا بان لا نجعلهم ينتظرون على أبواب مكتبك بل ندخلهم بدون استئذان وفى أي وقت، ولم يسبق لوزير أن جمع أهالي الأسرى في رحلة ترفيهية ليوم كامل ليسعدهم ويخفف عنهم ،وحرص فيها على حضور رئيس الوزراء ليقول لهم بان أبنائكم أمانة في أعناقنا، وأننا لن نتخلى عنهم مهما طالت المعاناة وكبر الألم.

 

وكم لهجت ألسنة أهالي الأسرى بالدعاء لك يوم أن تسلموا مكرمة رئيس الوزراء المالية التي كنت من الراعيين لها ، ويوم أن كرمت أهالي الأسرى الذين أتموا حفظ القرآن الكريم داخل السجون، ويوم أن أفطرت مع المحررين في أول أيام رمضان، ولم ينتظرك الموت أبا أيمن حتى توزع الحلوى كما كنت تنوى في عيد الفطر على أبناء الأسرى وتمسح على رؤوسهم وتجفف دموعهم، ولم ينتظرك الموت حتى تزور أهالي قدامى الأسرى في بيوتهم وتواسيهم وتخفف الألم عنهم.

 

رحلت أبا أيمن وأنت تحمل هم الأسرى .. ولكن عزاؤنا الوحيد انك كنت خير من خلف غازياً في أهله برعايتك لاهالى الأسرى فجزاك الله عنا وعن الأسرى وذويهم وعن الشعب الفلسطيني بأكمله كل خير وأسكنك فسيح جناته مع الصديقين والنبيين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026