عدة عمليات دهس نفذت خلال مدة قصيرة عن طريق جرافات وسيارات في مدينة القدس ونفذها مقادسه من سكان القدس الشرقية لفتت هذه العمليات انظار المراقبين والمحللين للشأن الفلسطيني عبر استحداث…
لفتت هذه العمليات انظار المراقبين والمحللين للشأن الفلسطيني عبر استحداث الاداة وشخوص المنفذين على حد سواء، فاستخدام الجرافه والسيارة في الصراع مع الصهاينة من قبل الفلسطينيين امر جديد لم يعهد من قبل ، الا في بعض المحاولات المحدودة في الانتفاضة الاولى
بداية للجرافة دور كبير في الصراع مع الفلسطينيين ، فالصهاينة يستخدمونها لهدم بيوت الفلسطينيين وتجريف الاراضي الزراعية لبناء المغتصبات والجدار العنصري .
فمن ناحية الفلسطينيين كانوا وحتى فترة قريبة هم المفعول به من قبل الجرافة ، ولكنها انقلبت على الصهاينة واصبحت اداة فعالة في المقاومة الفلسطينية تهاجم الصهاينة في عقر دارهم حتى انهم اصيبوا بهوس الرعب من الجرافات واطلقوا على هذه العمليات (حرب الجرافات)!
طبعا الفلسطينيون استخدموا منذ بدايات القرن الماضي العديد من الاساليب للدفاع عن انفسهم وعن قضيتهم ، فقد استخدموا الاساليب الدبلوماسية ومناشدة القوى والمؤسسات الدولية، والاضرابات التجارية والمسيرات والمقاطعة الاقتصادية وانتقلوا الى المقاومة المسلحة باشكالها المتنوعة، فقد استحدثوا العمليات الاستشهادية، وصنعوا اسلحتهم وصواريخهم وقبل ذلك حاربوا عدوهم حتى بالحجر في الانتفاضة الاولى.
كل تلك الاساليب كانت على الاغلب الاعم منظمة من قبل منظمات وهيئات فلسطينية و كذلك بمبادرات فردية ، ولكن كان هناك عمليات قام بها افراد فلسطينيون بمبادرة فردية منهم وكانت لافتة وفاتحة لحرب من ذلك القبيل واصبحت ظواهر وجب دراستها بتعمق لتبيين دوافع الشخوص وابتكار الادوات وتوقيت العملية وسر النجاح.
بداية لا بد من الحديث عن عامر ابو سرحان من بيت لحم والذي كان فاتحا لحرب السكاكين في بداية الانتفاضة الاولى ، فقد هاجم الصهاينة في منطقة تل البيوت في القدس في فترة كان القمع شديدا على الفلسطينيين في الانتفاضة وكان الناس في ضيق شديد، واصبحت ظاهرة الطعن بالسكاكين تسمى ( حرب السكاكين).
اما الدهس في السيارات والباصات ، فقد بدأها شخصان هما راتب زيدان من قبيا الذي دهس مجموعه من الجنود كانوا ينتظرون على موقف سيارات ، وعبد الهادي غنيم الذي هاجم سائق حافلة وقلب الحافلة في وادٍ سحيق ، وتبعهم عدد كبير من الفلسطينيين امثال ساهر تمام و خليل ابو علبة سائق الحافلة في بداية الانتفاضة الحالية(انتفاضة الاقصى).
طبعا يتساءل المراقب لماذا هذه الادوات المستخدمة في العمليات ؟
طبعا من المعروف ان اغلب هؤلاء الاشخاص المنفذين هم افراد لا علاقة لهم باي تنظيمات على الساحه وهم اناس على الاقل متعاطفون مع المقاومة ولكن لا يظهر عليهم ذلك، فهؤلاء لا تتوفر لهم امكانيات الافراد المنتمين للمقاومة كالاسلحة النارية او المتفجرات مثلا، كذلك يخشى هؤلاء الافراد ان يبوحوا بسرهم حول نيتهم تنفيذ عملية لشخص في تنظيم فلسطيني ممكن ان يكون عميلا للاحتلال ويبلغ عنهم، ولذلك يميلون لاستحداث وسيلة مقاومة لا تكلف ولا تلفت النظر وتكون فاعلة ومتوفرة في مكان تنفيذ العملية.
اما توقيت العمليات، فاعتقد ان التوقيت له علاقة بأكثر من سبب، فالمقاومة الفلسطينية تقع تحت قمع شديد وعليها حصار خانق ويطعنها الصديق والعدو والقريب والبعيد، كما ان الشعب الفلسطيني في غزة يعاني الحصار والقتل وفي الضفة مصادرة الاراضي وبناء الجدار العنصري وبناء المستوطنات وتراجع وانعدام الامل باي انفراج سياسي ، والقدس تلتهم التهاما من قبل سياسة التهويد، والمقدسيون يعانون من البطالة وهدم البيوت وسحب الهويات والحفريات تحت الاقصى والضرائب الباهظة وانعدام الخدمات والعيش في شقق غير صالحة للاستخدام الآدمي وفوق كل ذلك العنصرية والقمع والتهميش والكثير من المشاكل .
فالعيش بوضع مذل كهذا يدفع الانسان الى زاوية الانتقام ، وخاصة الفرد الذي ليس له اي حسابات سياسية تقيده عن الفعل، فالفرد الذي يقع تحت كل هذا الضغط ليس بحاجة لا لتأطير تنظيمي ولا لترويج سياسي ولا ديني ليقوم بعملية، فكل شيء واضح امامه والاحتقان وصل الى حد لا يمكن ان يصبر عليه عامة الناس الذين لا يعلمون من اين يردون عن انفسهم الظلم والعدوان والعالم ينظر اليهم بلا اكتراث.
اما سر نجاح هذه العمليات فهو عائد لعدة اسباب، اهمها ان الدافع لتنفيذ العملية عند المنفذ طغى على كل ما عداه من التفكير بأن هناك حلولا اخرى مع من يحتلون ارضه، كما انه من الواضح ان هؤلاء المنفذين وصلوا الى نتيجة ان اسلم طريقة لتنفيذ العملية يكون بألا يخبروا احدا حول نيتهم، كما ان للوسيلة لتنفيذ العملية دور كبير في النجاح ، فهي وسيلة غير مشتبه بها الى وقت قريب ومتوفرة وحاضرة في مكان التنفيذ، ولا ننسى سهولة الوصول للمقدسيين حملة الهوية الاسرائيلية الى اي مكان في القدس بلا لفت للأنظار.
اعتقد ان المرحلة القادمة ستشهد العديد من العمليات على هذا النحو من الفردية والمبادرة، لأنه يوجد العديد من الاشخاص الذين يعانون امثال منفذي العمليات السابقة ولكن الذي كان ينقصهم ابتكار الوسيلة او من يقرع الجرس ، كما ان الافق السياسي منعدم والوضع الاقتصادي يسوء يوما عن يوم، والفلسطينيون يقتلعون بطريقة وحشية من أرضهم وبيوتهم ولا يجدون معينا على هذه الأرض الا الله.