تابعنا قبل أيام تصريحا لوزير الحرب الإسرائيلي السابق شاؤول موفاز يهدد فيه باغتيال قادة حماس بلا استثناء على الرغم من أجواء التهدئة التي يعيشها القطاع الذي تحكمه الحكومة الفلسطينية…
تابعنا قبل أيام تصريحاً لوزير الحرب الإسرائيلي السابق شاؤول موفاز يهدد فيه باغتيال قادة حماس بلا استثناء، على الرغم من أجواء التهدئة التي يعيشها القطاع الذي تحكمه الحكومة الفلسطينية وحركة حماس، وعلى الرغم من أن التهدئة مهترئة؛ إلا أنها حافظت على المقدرات البشرية للمواطنين الواقعين تحت حمأة النيران ووطأة الاجتياحات المتكررة؛ التي كانت تنفذها قوات الإحتلال الإسرائيلي، ولو أن هذا الإنجاز الوحيد للتهدئة لكفى.
لم يكن التهديد والتلويح بالاغتيال غريباً على منهج الاحتلال، فهو الذي اغتال معظم قادة حماس والفصائل الفلسطينية، والاحتلال هو الذي قرر اغتيال الشيخ المقعد الذي لا يقوى على تحريك اصبعه، وفعل ذلك على ملأ منه، وها هو اليوم يعيد الكرة بتهديد ووعيد، يواكب ذلك حملة اعتقالات شرسة، ومصادرة للأموال، وإغلاق للجمعيات الخيرية، وقتل واجتياحات يومية هذا في الضفة، أما في غزة " الكيان الجديد " فالحصار المفروض على المواطنين منذ عام 2006، يوم أن فازت حماس في الانتخابات التشريعية، ولم تُعط الفرصة لها لأن تقدم الأنموذج الإسلامي الفريد الذي وعدت به في برنامجها الانتخابي، وتبادل الاحتلال الدور مع أذنابه لئلا تلتقط حماس أنفاسها وأشغلتها في حل المشاكل وترميمها، فتخرج من معضلة لتدخل في أتون معضلة أخرى أكبر، وهكذا دون أن تمضي في برنامجها المعد مسبقاً، وكي لا يتركوا لها المجال في التفكير والابداع والتخطيط لإنجاح البرنامج المذكور، إلى أن وصلنا إلى هذا الحال.
فمنذ الحسم العسكري الأخير؛ ولا تزال الممارسات كما هي بل أشد وطأة؛ فالحصار الخانق الذي يرزح تحت نيره مليون ونصف في سجنهم الكبير المسمى غزة، فمُنع الناس من السفر إلى الخارج سواء للعلاج أو الدراسة أو زيارة ذوي القربى والعكس، بل طال الحصار أدق التفاصيل الحياتية للمواطنين في غزة، كما منع الاحتلال المؤسسات الأهلية ومنظمات حقوق الانسان من دخول غزة للاطلاع على الأحوال المأساوية فيه، ولم يكتفِ بذلك بل أعطى الأوامر لعملائه وأذنابه بالتحرك بين الناس؛ سواء بالتفجيرات هنا وهناك؛ أو بث الشائعات التحريضية المحبطة والمهبطة للمعنويات.
منطق الحرب لدى الاحتلال يعطينا تصوراً عن منطق القوى العالمية في محاربة الحركات الإسلامية، وأنه لن يدعهم يستقرّون في أي بقعة من الأرض، ولن يترك لهم أماناً في أي موقع، أو يدع لهم مجالاً لأن يسيطروا على مكان، لأنهم يعلمون أن قوة الإسلام لابد وأن تكتسحهم وتهزمهم أيما هزيمة، وهو ما درسناه وعلمناه من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم وقادة الحركات الإسلامية منذ القِدم.
وحماس في هذه الآونة بحاجة لأن يرسخ في ذهنها هذا المعنى، فلا تركن إلى الدعة، إن ابتعدت قليلاً - بحكم تهدئة أو ما شابه - عن أصل الصراع وموطنه، أو تحسب أن المعركة قد انتهت أو شارفت على الانتهاء، أو تٌلهي نفسها بعبء الحكم ومشكلاته فالواقع الذي تعيشه الحركات الإسلامية وحماس يؤكد ذلك بما لا يدع مجالاً للشك. فعندما ينشأ كيان إسلامي مستقل الحكم في منطقة مجاورة لمنطقة الطاغوت، فلا يتورع أن يتجاوز الحدود، ويغتال من يستطيع اغتيالهم أو يحاول ذلك بكل إمكاناته وقدراته، بل يلجأ إلى حشد ألوية كاملة على حدود هذا الكيان ليحاربه، هذا وللطاغوت المجاور لغزة من الجهة الجنوبية ألف حكاية وحكاية مع كيان غزة الجديد، فحصار خانق، وتهديد ووعيد عبر وسائل الإعلام، بل تجاوز ذلك إلى اعتقال عدد من قادة المقاومة في غزة، هو يتوسط بين حماس والاحتلال لأن يطلق سراح الأسرى مقابل الجندي المأسور، ألم يكن أولى به أن يطلق سراح المقاومين المعتقلين في باستيلاته وسجونه قبل أن " يدق على صدره " ويمضي بطريق التوسط؟!
المرضى يُقتلون والطلاب لا يستطيعون المغادرة لإكمال دراستهم، وأخيراً يُمنع معتمرو غزة من الخروج إلى الديار الحجازية للعمرة في شهر رمضان، حتى تلكم القوافل التي تأتي لإغاثة غزة يُوصد في وجهها الباب وتعود إلى أمكنتها بخفي حنين، كل ذلك لا يدع مجالاً للشك أن الطواغيت يرمون الكيانات الإسلامية عن قوسٍ واحدة حتى لا يتُرك لهم المجال لأن يؤسسوا لدولتهم التي وبقيامها ستنهار عروشهم وتسقط أنظمتهم وحكمهم، فالعالم كله يحارب الكيانات التي تؤوي أبناء الحركات الإسلامية وتهيء لهم الظروف للتدريبات والتحرك ويشدد الخناق عليهم ويتفنن في إيذائهم محاولاً وأد فكرتهم قبل أن تقوى ويشتد عودها.
إذن علينا أن ندرك جيّداً أنه لا خيار من المعركة معهم وعلى المقاومة الاستعداد لذلك كل حسب موقعه، فتهديد وزير الحرب السابق في تصريحاته الأخيرة، وما هددت به " الشقيقة " قادة حماس إن لم ينصاعوا إلى مطالب الاحتلال فيما يتعلق بالجندي الأسير في غزة واضحة جلية بهذا الخصوص وأن أمراً ما يُدار خلف الكواليس فالانسجام واضح بين " الشقيقة " والاحتلال في التصريحات والممارسات، فالحل الوحيد لهما هو الاستئصال التام لكيان حماس في غزة في أي مواجهة قادمة.
وعلى حماس أن تتفنن في التعامل معهما، وتحديد المعركة جيّدا، وطبيعة مصلحة الحركة من المعركة، وعلى الشباب المسلم أبناء الحركة الاستعداد والتعبئة الجيّدة والتروي في مثل هكذا أوضاع وأن يتركوا لقيادتهم حرية الحركة في هذه الأمور، فهي التي تضطلع بعبء المواجهة، وتعرف من تحارب، ومن تصالح، ومن تهادن ومن تحالف، ومتى تسالم ومتى تقاتل، ذلك أنها هي مناط المسئولية والحركة.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع