قمة شرم الشيخ لماذا الآن؟

قمة شرم الشيخ لماذا الآن؟

أ. منير شفيق
2005-02-19

السؤال ما الذي تغير حتى أمكن عقد القمة الرباعية في شرم الشيخ يصعب أن يجد المرء متغيرا واحدا في السياسات المصرية أو الأردنية أو الفلسطينية غاب حتى أمكن عقد القمة أو استجد فسمح بعقدها…

السؤال ما الذي تغير حتى أمكن عقد القمة الرباعية في شرم الشيخ؟

يصعب أن يجد المرء متغيراً واحداً في السياسات المصرية أو الأردنية أو الفلسطينية غاب حتى أمكن عقد القمة، أو استجد فسمح بعقدها. وإذا احتج أحد بغياب، أو في الأصح بتغييب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، فيرد عليه بأن مثل هذه القمة عقدت بوجوده، مع تخطيه، من قبل. هذا إذا افترضنا أنه كان العقبة أو عقبة في طريق عقدها أو في التوصل للنتائج نفسها.

أما السياسة المصرية فمنذ ثلاث سنوات وهي تسعى سعياً حثيثاً من أجل التوصل إلى هذه النتيجة، وعلى أرض شرمالشيخ. وهو ما ينطبق أيضاً على الموقف الأردني. وينطبق أكثر على موقف السلطة الفلسطينية دائماً كذلك.

 وباختصار المتغير يجب أن يبحث عنه في الموقف الإسرائيلي - الأمريكي. فما هو؟

بداية يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن استراتيجية شارون، والمؤيدة من الإدارة الأمريكية، تأييداً كاملاً فشلت في تحقيق أهدافها، وهي القضاء على الانتفاضة والمقاومة وإخضاع الشعب الفلسطيني والمجيء بقيادة فلسطينية على المقياس الإسرائيلي، (وهذا غير ما حدث من تغيير في القيادة الفلسطينية بعد رحيل ياسر عرفات (المغيب على يد شارون بالقتل سماً). هذا الفشل هو ما عبرت عنه استراتيجية الجدار وخطة شارون، وما تلا ذلك من تصعيد عسكري فاق كل ما سبقه من أجل إخفاء ما يحمله هذا التغيير في الاستراتيجية من معنى الفشل والتراجع، بالرغم من خطورة خطة شارون وتثبيت واقع الجدار. لكن مع ذلك ما كان من الممكن أن يرضى شارون وبوش بعقد قمة رباعية من أجل إعلان وقف إطلاق النار (أسموه وقف العنف وهي تسمية فيها مساواة غير عادلة بين المقاومة والانتفاضة من جهة وبين عنف الاحتلال الإسرائيلي الذي يرقى إلى ارتكاب جرائم حرب). والسبب هو المحافظة على الهيبة وإعطاء فرصة لاستراتيجية التصعيد الجديدة، عساها تحقق ما لم تحققه الاستراتيجية السابقة. وهو بالطبع لم يحصل بالرغم مما تضمنته من اغتيال للشهيدين الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبدالعزيز الرنتيسي، ومؤخراً اغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات شهيداً كذلك.

ومن هنا يجب البحث بعد هذا التمهيد عن سبب خارج ساحة الصراع الفلسطينية. وهو ما يمكن استنتاجه من تحول أولوية الاستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية في المنطقة لموضوع الملف النووي الإيراني، وما يقتضيه ذلك من ضرورة التخلص من وجود حزب الله، بقوته العسكرية، في جنوبي لبنان.

صحيح أن هذا التركيز برز منذ صائفة العام الماضي، في الأقل، لكن التحرك الثلاثي الأوروبي (الفرنسي - الألماني - البريطاني) دبلوماسياً، والتوصل إلى اتفاق أولي مع إيران، أضعفا من زخم الاندفاع للوصول بالملف النووي الإيراني، كما تريد أمريكا، إلى مجلس الأمن، وذلك تمهيداً لإطلاق عملية التحضير للعدوان العسكري إن لم تحقق الدبلوماسية والضغوط الأخرى الهدف وهو إنهاء علاقة إيران بالنووي، ولو للأغراض السلمية البحتة، ولو تحت المراقبة الدولية المشددة للغاية. ويمكن أن يضاف إلى التأجيل المذكور عاملاً الانتخابات الرئاسية الأمريكية والانتخابات العراقية.

أولوية النووي الإيراني في الاستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية هي التي تفسر اعتبار إنهاء المقاومة (حزب الله) في لبنان جزءاً رئيسياً منها. الأمر الذي يفسر تفاقم الأزمة مع سورية وإدخالها في الأولوية نفسها ما لم تقم هي بإنهاء الوجود العسكري لحزب الله في لبنان، فهذه بالضبط، هي المشكلة الأولى، في هذه المرحلة، بين أمريكا وسورية، حتى أكثر من وجود القيادات الفلسطينية، لاسيما حماس والجهاد في دمشق. ومن هنا فان الذي يحكم وسيحكم الوضع في المنطقة من الزاوية الأمريكية - الإسرائيلية هو محاصرة إيران وفرض إنهاء علاقتها بالنووي من خلال دبلوماسية القوة أو عن طريق القوة المباشرة.

إذا صح هذا التقدير فإن قبول شارون أن يأتي إلى شرم الشيخ ويعلن إنهاء أعمال العنف يكون هو المتغير الذي دفعه إلى ذلك، وبمباركة أمريكية. فالتهدئة على الساحة الفلسطينية وإشاعة مناخات توهم بأن الأمور تسير في اتجاه تحقيق تسوية، مطلوبتان لخدمة الحشد العربي والإسلامي والأوروبي ضد إيران وسورية. بل جاءت جولة كوندليزا رايس إلى أوروبا وفلسطين لأجل الحشد الدبلوماسي ضد إيران أو التهيئة له. على أن قمة شرم الشيخ حملت لشارون مكسباً رئيسياً وهي إخراجه من عزلته التي فرضتها عليه الجرائم التي ارتكبها خلال الأربع سنوات بحق الشعب الفلسطيني. فشارون يريد الآن أن يمحو تلك الصورة البشعة ليبدو "رجل سلام"، لكن إلى جانب ذلك، واستتباعاً، فإن إعادة السفيرين المصري والأردني إلى سفارتي البلدين في تل أبيب سيعطي الكيان الصهيوني دفعاً قوياً للضغط عربياً وإسلامياً من أجل التطبيع وإقامة علاقات دبلوماسية.

فكما تكشف تصريحات سلفان شالوم بعد قمة شرم الشيخ والإعلان عن عودة السفيرين المصري والأردني أن الضغوط ستشتد على دول في المغرب العربي والخليج للقيام بفتح سفارات ومكاتب واتخاذ خطوات تطبيعية. وبهذا يكون شارون قد حصد من قمة شرم الشيخ مقابل لاشيء عملياً، لأن إعلانه عن "وقف العنف" أو تطبيق خطوات هي في خطته كانا حاصلين بلا حاجة إلى قمة شرم الشيخ.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026