من يتحمل وزر ما يجري في الضفة؟

من يتحمل وزر ما يجري في الضفة؟

لمى خاطر
2008-08-19

دأب كثير من المتابعين للشأن الفلسطيني على تقزيم حقيقة حرب الاستئصال التي تتعرض لها حماس في الضفة الغربية ورد أسبابها إلى عملية الحسم في غزة والتي يعتقدون أن حماس عبرها قد جنت على…

دأب كثير من المتابعين للشأن الفلسطيني على تقزيم حقيقة حرب الاستئصال التي تتعرض لها حماس في الضفة الغربية ورد أسبابها إلى عملية الحسم في غزة، والتي يعتقدون أن حماس عبرها قد جنت على جناحها في الضفة وتركته مكشوف الظهر أمام عربدة الأجهزة الأمنية في حملة تصفية حساب طويلة الأمد ومحاولة رد الاعتبار لنفسها ولحركة فتح بعد المصير الذي حل بها في غزة.

 

وهناك من يذهب إلى أبعد من هذا حين يتهم الحركة في غزة بالتفرد والأنانية لحظة اتخاذ قرار الحسم لأنها برأيهم تجاهلت آثاره التي ستترتب لاحقاً على ساحة الضفة!

 

إن من يقيم التجربة في غزة والضفة من هذه الزاوية يعاني من قصر في النظر برأيي، لأنه يتعامل مع النتائج الآنية بمعزل عن السياق الذي أدى لها، وعن الخلفية الحقيقية لمشهد القمع والاستهداف لحماس الضفة.

 

فحماس في الضفة لم تعايش على مر تاريخها ظروفاً طبيعية أو مريحة، وفترة الانتخابات التي شهدت هدوءاً وراحة نسبيين لم تدم طويلاً وما لبثت حرب الاستنزاف أن عادت لتوجه نحو الحركة وبتنسيق وتواطؤ فتحاوي صهيوني، وهو الأمر الذي لا يعد مستجداً على تجربة الحركة.

 

صحيح أن ما واجهته الحركة منتصف التسعينيات كان أخف وطأة مما هو عليه الآن، غير أن الحركة سبق وجربت التعايش مع استهداف مزدوج كالذي تتعرض له الآن وتعلمت كيف تؤقلم نفسها مع تبعاته.

 

وما دامت الضفة خاضعة للاحتلال الصهيوني فليس لأحد أن يتوقع أن تحظى حماس فيها بالراحة، وكل ما في الأمر أن الحرب عليها ستتخذ أشكالاً عدة من حين إلى آخر، وهي اليوم قد وصلت ذروة التصعيد وتكبدت الحركة جراءه خسائر جسيمة مادياً، ولكن في المقابل فإن الرصيد المعنوي للحركة يتعاظم حتى وهي تكابد أقسى الظروف وتخوض حرب استنزاف على عدة جبهات، مع ما يعنيه كل هذا من تمحيص للصفوف وتدريب عملي مكثف للنفوس التي ما زالت متشبثة بموقعها في بنيان الحركة.

 

ومن هنا كان ينبغي فهم حقيقة الحرب المعلنة على حماس في الضفة، لأن كل من يغض الطرف عنها هو شريك غير مباشر في هذه الحرب، والأمر ينسحب على كل من ركز مجهره على الساحة الغزية وافترض أن أي فعل، فيها حتى لو كان ضد قطعان المجرمين والعابثين بالأمن، من الطبيعي أن يواجه بردة فعل في ساحة الضفة تطال المقاومين والدعاة والإعلاميين، حتى غدا كل ما يجري في الضفة متفهماً ومتوقعا لدى المتابعين والسياسيين، بل وحتى لدى المراكز الحقوقية التي كان تعاملها مع جرائم الأجهزة الأمنية في الضفة خجولاً وحذراً رغم أنها تتم بالتوافق والتنسيق المكشوف مع الجانب الصهيوني!

 

وقد أدى تجاهل هذه الحقيقة الصارخة إلى تمادي هذه الأجهزة في حملاتها الإجرامية بحق كوادر حماس ومؤسساتها وكل مظاهر وجودها الميداني.

 

ولعل جزءاً من المسؤولية تتحمله بعض رموز حماس السياسية في الضفة التي حسبت أن مبادرات حسن النية تقتضي منها خطاباً عائماً ميع الكثير من الحقائق دون أن تجني الحركة منه أية فائدة على صعيد التخفيف من حدة استهداف كوادرها، في الوقت الذي كان مطلوبا فيه أن تكون صلابة المواقف في الخطاب الإعلامي لهذه الرموز متوازية مع صلابة الصمود على الأرض الذي تبديه الحركة في مواجهة آلة القمع والإقصاء التي تواجهها.

 

وفي كل الأحوال فما من خيار أمام حماس الآن في الضفة سوى أن تواصل التمسك بخيار الصبر والثبات، وهي إذ تواجه محنتها الجديدة بصلابة واحتساب إنما تتطلع للغد وكلها يقين من حجم التغيير الذي سيفاجئ الجميع حينها بعد أن تكون الحركة قد كسبت جولة جديدة في كل الساحات، في الوقت الذي يكون فيه خصومها قد استنفدوا كل أسلحتهم القذرة وهزموا في آخر جولاتهم

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026