لعل تعبير رئيس الوزراء الصهيوني أولمرت عن فخره لكون حكومته مستعدة لدفع ثمن باهظ مقابل عودة جنودها كان الشاهد الأبرز على انكسار الغطرسة الصهيونية وإخفاقها في التمسك باشتراطاتها…
لعل تعبير رئيس الوزراء الصهيوني أولمرت عن فخره لكون حكومته مستعدة لدفع ثمن باهظ مقابل عودة جنودها كان الشاهد الأبرز على انكسار الغطرسة الصهيونية وإخفاقها في التمسك باشتراطاتها القديمة التقليدية المتعلقة بصفقات تبادل الأسرى مع المقاومة.
فمن يستمع لأولمرت هذه الأيام لا يكاد يصدق أنه ذاته الذي خرج بعد عمليتي الوهم المتبدد ثم الوعد الصادق ليؤكد ألا مجال أبداً للرضوخ لمطالب الخاطفين مهما كلف الأمر!
من سوء حظ أولمرت أن صفقة التبادل مع حزب الله والتي نجحت في تحرير سمير القنطار قد حدثت في عهده، وهو الذي ما زال يلاحقه هاجس الهزيمة في حرب تموز منذ عامين، ولعله يحاول الآن مواساة نفسه واستغباء جمهوره بتصريحات من الطراز أعلاه يبدو أنها بمثابة بالون اختبار للتمهيد لتقبل ثمن كبير ستضطر حكومة الكيان لدفعه مقابل إطلاق سراح شاليط حيا.
ولعل عودة الجنديين اللذين أسرهما حزب الله أمواتا قد صب بشكل غير مباشر في صالح الصفقة المرتقبة بين حماس والكيان الصهيوني، فسيحاول الآن رموز الحكومة الصهيونية التركيز على أهمية أن يعود شاليط حياً وستساعدهم دون شك التحركات الميدانية التي يستعد رفاق شاليط لخوضها للمطالبة بعودته حيا وليس في تابوت.
وسيكون هذا الأمر بمثابة القشة التي ستتعلق بها (إسرائيل) في سبيل تسويغ التنازلات التي ستقدمها لاحقا لحماس التي ما زالت تصر على مطالبها بخصوص الصفقة، إذ سيكون النجاح في إطلاق سراح شاليط حيا بمثابة إنجاز حتى لو كان الثمن أليما وصعبا.
وفي المقابل على حماس ألا تبدو وكأنها متعجلة لإنهاء الصفقة، فهي عملياً قد تخطت أصعب المراحل المتعلقة بدفع ضريبة إقدامها على العملية، فكل عملية أسر نفذتها حماس ضد جنود صهاينة أعقبتها حملة شعواء على الحركة، مردها ليس فقط الرغبة الصهيونية بالانتقام ورد الاعتبار لنفسها، بل أيضاً السعي نحو التأكيد للمقاومة بأن أية عملية أسر لن تمر مرور الكرام وسيدفع الطرف المنفذ لها ثمناً قاسياً، حتى تصل المقاومة إلى الإقرار بأن عمليات من هذا الطراز بمثابة صفقات خاسرة!
وحماس الآن قد تجاوزت مثل هذه المرحلة، لسنا ننكر أن الحركة دفعت ضريبة باهظة جراء عملية الوهم المتبدد قوامها استشهاد المئات من مقاوميها واعتقال نوابها وإغلاق مؤسساتها وحصارها في غزة، لكن (إسرائيل) اضطرت في النهاية للتعامل مع حادثة الأسر كأمر واقع ومع حماس كند لها وطرف له مطالب جدية خاضعة للتفاوض، وهو أمر ما كان ليكون لولا صمود حماس الأسطوري على مر عامين من الاستنزاف المتواصل.
وصحيح أن الاحتفاظ بشاليط حياً كل هذه المدة مع ما يتطلبه ذلك من إجراءات أمنية في غاية التعقيد أمر لا يبدو سهلاً أبداً وخاصة في مكان صغير ومحاصر ومكتظ كقطاع غزة ومهدد بالاجتياح، لكن الثمن المأمول جنيه من هذه الصفقة والذي سيزيد حتماً بطول النفس والمزيد من الصبر يستحق أن تصمد حماس إلى أقصى درجة وأن تتمسك بمطالبها وأن تحاول قدر الإمكان الاستفادة من تداعيات صفقة الرضوان.
وعاجلاً أم آجلاً ستجد (إسرائيل) نفسها مضطرة لإنهاء ملف شاليط والخضوع لمطالب حماس أو لجزء كبير منها، خاصة مع علمها أنه كلما طال أمد احتجاز أسيرها لدى الحركة فإن ثمنه سيرتفع وستتعزز رمزيته داخل الكيان وسترتفع المزيد من الأصوات الداخلية المطالبة بعودته حياً وليس جثة هامدة كحال زميليه اللذين تم أسرهما بعده على يد حزب الله.
من جهة أخرى فإن تحرير سجناء بوزن سمير القنطار مقابل رفات جنديين يعني أن المقاومة في غزة والضفة على حد سواء سيكون بإمكانها المساومة على رفات جنود ومستوطني الاحتلال، ومع تعذر إمكانية الاحتفاظ بهم أحياء في الضفة فلعل المقاومة فيها تجد سبيلاً لقتل جنود وإخفاء جثثهم ونسيانها لحين تهيؤ الظروف لإنضاج صفقة تخرج المزيد من الأسرى وخاصة من ذوي الأحكام العالية.
وعلى كل حال فإن جملة المشاعر اليائسة التي سيطرت على الأوساط السياسية داخل الكيان عشية عملية الرضوان وما رافقها من تصريحات تعبر عن أزمة الحكومة الصهيونية، إضافة إلى جديتها في مساعيها لإنهاء ملف شاليط، كل ذلك ينبغي أن يشيع أجواءً من التفاؤل في أوساط حماس بالمقابل وأن يجعلها على يقين بأنها نجحت في لعبة عض الأصابع وتسببت بانتكاسة كبيرة في مواقف الكيان السياسية بإمكاناتها المادية البسيطة وقدراتها المعنوية الكبيرة في مجال الصبر والتشبث بالحقوق والإصرار على المواقف.
لم تعد (إسرائيل) تدخر سلاحاً تستطيع أن تلوح به في وجه حماس للضغط عليها نفسياً، وفي المقابل لم يعد ما يمكن أن تخشى حماس من خسارته إن هي رفعت سقف مطالبها وأصرت على صلابة موقفها، ولم يبق إلا أن يسجل التاريخ لحماس أنها كانت الفصيل الأول على مر تاريخ الثورة الفلسطينية الذي ينجح بأسر جندي والاحتفاظ به داخل حدود فلسطين ومبادلته بأسرى فلسطينيين، وهو ما نأمل جميعاً أن يتحقق سريعاً بإذن الله وتوفيقه.