خطاب بوش وخيارات عباس!

لمى خاطر
2008-05-31

مما لا شك فيه أن زيارة الرئيس الأمريكي الأخيرة للمنطقة كانت أكثر من مجرد زيارة علاقات عامة هدفها مجاملة الكيان الصهيوني ومشاركته احتفالاته في الذكرى الستين لتأسيسه على أنقاض الحق…

مما لا شك فيه أن زيارة الرئيس الأمريكي الأخيرة للمنطقة كانت أكثر من مجرد زيارة علاقات عامة هدفها مجاملة الكيان الصهيوني ومشاركته احتفالاته في الذكرى الستين لتأسيسه على أنقاض الحق الفلسطيني.

فبوش بدا من خلال خطابه المتصهين أمام الكنيست كواحد من أكثر رموز هذا الفكر تطرفاً وسفوراً في التنكر لحقيقة اغتصاب فلسطين، أو إقامة أي اعتبار لوجود شعب شرد من أرضه أو حتى مراعاة مشاعر من كان يعدهم جزءاً من محوره المعتدل على المستويين الفلسطيني والعربي.

هذا الاستهتار بـ (شركاء أمريكا) في المنطقة لم يأت من فراغ بطبيعة الحال، وهو يلخص حقيقة النظرة الأمريكية لكل من ارتضى من العرب والفلسطينيين أن يسير في ركبها ويصدق فعلاً أن واشنطن ترى فيه حليفاً يستحق الدعم والمساندة، فيما هي في الحقيقة لا تعده أكثر من مجرد تابع وعبد تستخدمه كأداة لتنفيذ مآربها الإجرامية ولحمل عبء مواجهة قوى المقاومة فيها وعلى رأسها حماس وحزب الله اللتان يمني بوش نفسه والمجتمع الصهيوني بأن تكونا قد مسحتا عن الوجود بعد ستين عاماً أخرى من عمر الكيان! الأمر الذي يشي بطبيعة النفسية والعقلية اللتان تسيطران على المحافظين الجدد داخل البيت الأبيض وتوجهان سياساته.

الأمر الآخر هو أن بوش كان متيقناً وهو ينحاز كل هذا القدر إلى جانب شركائه الحقيقيين في مشروعه ويتنكر في المقابل لوعوده للفلسطينيين في أنابوليس قبل أن يجف حبرها بأن هذا الانحياز لن يسفر عن انقلاب في الموقف الفلسطيني لدى فريق المقاطعة، أو يتمخض عن ردة فعل احتجاجية عملية تزعج واشنطن أو تصب خارج دائرة سياساتها، فهو ببساطة مدرك جيداً أنه يمسك هذا الفريق من يده التي تؤلمه، وأن حسابات الدعم المادي والاتكال الكامل على صدقات الإدارة الأمريكية والقبول بإشرافها على تسليح وتدريب أجهزة أمن عباس ستجعل الأخير وفريقه يفكرون ألف مرة قبل إحداث أي تغيير في مواقفهم ما دام هناك ما يرغمهم على تقبل كل السياسات الأمريكية مهما كانت سافرة ومهينة لهم. وتبعات الإحراج الذي تسببه مواقف أمريكا للجانبين الفلسطيني والعربي هو آخر ما يفكر به بوش أو يقيم له وزناً ما دامت القيمة الحقيقية لكل هؤلاء في اعتباره لا تتجاوز القدر الذي يستحقه العبد المطيع الذي لا يملك خياراً سوى الاستمرار في تنفيذ ما يملى عليه من سيده.

ومن هنا فليس لنا أن نتوقع أن يحدث هذا الخطاب الذي يعبر عن الرؤية الحقيقية للإدارة الأمريكية مع ما تضمنه من مواقف مستهترة بالحق الفلسطيني أي موقف فلسطيني مضاد من قبل فريق المقاطعة، صحيح أنهم مجبرون الآن على الاحتجاج على لهجة بوش وتهيئة الوعي الفلسطيني لنسيان وعد إقامة الدولة قبل انتهاء العام الحالي، لكن ذلك لن يحملهم على إحداث أي تغيير جذري على خياراتهم السياسية بعد أن وصلوا مرحلة اللاعودة في التعويل على خيار المفاوضات العقيمة وإدمان اللقاءات العبثية وتسديد فاتورة الحساب المطلوبة منهم كلها دون توقع المقابل، اللهم إلا من ضمان تدفق صنبور المال بحده الأدنى على سلطة المقاطعة تلبية لمصالح صهيونية أمريكية بالدرجة الأولى.

وحتى على صعيد التقارب مع حماس من جديد، فإن هذا الخيار بات يبدو مستحيلاً على المدى المنظور وطريقه معبدة بأشواك كثيرة أقلها استدعاء غضب أمريكا وإسرائيل على هذا الفريق مع كل ما سيترتب على ذلك، عدا عما سيتمخض عنه هذا الخيار من خلخلة في بنيان سلطة المقاطعة في شقها المدني وكذلك فيما يتعلق بأجهزة أمنها التي بات يتم تجهيزها وإعداد كوادرها والإشراف على جميع تحركاتهم ومتابعة نشاطهم تحت سمع وبصر ووصاية جنرالات أمريكا في الضفة، وهو الأمر الذي سيصطدم مباشرة مع مطلب أساسي لجميع القوى الفلسطينية بإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية على أسس وطنية إذا ما حصل أي توافق فلسطيني داخلي.

على كل حال جيد أن فريق المقاطعة لن يفلح هذه المرة في التسويق لأكذوبة أن حماس وسياساتها هي السبب وراء فشل المفاوضات  وتعثر المسار السلمي، صحيح أن هذا الفريق لن يكف عن عادته البائسة في رمي حماس بكل أمراضه وتحميلها وزر فشله الدائم على كل المسارات، إلا أن هذه ستبدو حجة سقيمة جداً لا يمكن أن تصمد أمام نزعة التصهين الواضحة التي باتت تطغى على البيت الأبيض والتي سيستحيل معها إقناع أي عاقل بجدية أية إدارة أمريكية مقبلة في معالجة الأزمة الفلسطينية أو الانحياز ولو بالحد الأدنى لحقوق الفلسطينيين الشرعية.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026