على خلفية الأحداث الأخيرة على الساحة اللبنانية تبرز جملة من المقاربات ما بين الساحتين الفلسطينية واللبنانية بدأت تتجلى في العامين الأخيرين ولو نزعنا مواقف وخطاب الفريقين المختلفين…
ولو نزعنا مواقف وخطاب الفريقين المختلفين في لبنان من سياقها لوجدناها تطابق الحال في فلسطين وتمس طبيعة الإشكالية القائمة فيها بين فريقي المقاطعة وحماس.
غير أن الأمر في حقيقته هو أكبر من مجرد تشابه شكلي في الحالين الفلسطيني واللبناني، وهو وإن كان يحمل جملة من الاختلافات والخصوصيات لكل بلد إلا أن فيه سمات التشابه ذاتها في الصراع ما بين المشروعين القائمين في كل بلد؛ مشروع المقاومة ومشروع الارتهان لأعدائها بل والعمالة المكشوفة أو المقنعة لهم.
هذا الصراع وإن كان في فلسطين قد عمي على طبيعته نظراً لأن الطرف المواجه لمشروع المقاومة يتقنع بإرثه الوطني وينجح بسببه في تضليل قسم لا بأس به من الرأي العام عبر تبني خطاب ومواقف مزدوجة ومتناقضة، إلا أنه بدا في لبنان أكثر وضوحاً وتمايزاً، ليس فقط لأن عدداً من أطراف ما يسمى بالموالاة لا تبالي بالمجاهرة بعدائها للمقاومة وبالتخندق في صف أمريكا وإسرائيل، وليس فقط لأن تاريخها ينتفي منه أي إرث إيجابي يمكن أن يشفع لها في إظهار وطنيتها، بل أيضاً لأن الخطاب السياسي والإعلامي لحزب الله نجح في تعرية خصوم المقاومة وإظهارهم على حقيقتهم للأمة بأسرها وليس فقط للداخل اللبناني، ذلك أن الحزب ومنذ حرب تموز تبنى لهجة صريحة غير مواربة تجاه كل من ثبت أنه تآمر على مشروعه المقاوم خلال الحرب وقدم أدلته على ذلك، ولم يمنعه استعداده للتوافق الداخلي من شن حرب إعلامية مدروسة على خصوم المقاومة وضعتهم في مكانهم الصحيح على الدوام. ولذلك بدا جمهور المقاومة في كل مكان بشكل عام متفهماً لخطوة حزب الله الأخيرة التي تحمل بوادر اتجاه نحو الحسم العسكري أو على الأقل مواجهة كل من يحاول المساس بسلاحه أو يهدد وجوده، بينما في حالتنا الفلسطينية وجدنا أن كثيرين من جمهور المقاومة اختلط عليهم الأمر في البداية وانطلت عليهم كذبة الحرب الأهلية أو اقتتال الأشقاء وشركاء الدم! ولعل بعض أسباب هذا الأمر تعود إلى الخطاب السياسي لحماس على مستوى القيادة والذي شابه بعض التردد والزهد في كشف الحقائق بوضوح لجماهير المقاومة مكتفياً بما يكشفه إعلام الحركة ويسربه من حقائق قد لا تصل لكثير من الناس. صحيح أن الحقائق بدأت تظهر فيما بعد الحسم شيئاً فشيئاً لتدلل على مدى صوابية نهج حماس في تعاملها الجراحي مع مشروع دايتون وأدواته، إلا أن غياب آلية الخطاب السياسي الممهد لذلك كانت لها آثارها السلبية أيضاً.
مما يحسب لحزب الله أيضاً نجاحه في إقامة تحالفات مع تيارات من مختلف الطوائف والمذاهب على الساحة اللبنانية، الأمر الذي حال دون أن تتطور المواجهة إلى معركة طائفية على نحو ما جرى خلال الحرب الأهلية في لبنان، فكلا الفريقين يضمان قوى وتيارات من مختلف الطوائف والمذاهب، ولعل هذا يشكل صمام أمان سيحول قدر الإمكان دون الانزلاق إلى حرب طائفية تغيب المعالم الحقيقية للمواجهة أو تحرف بوصلتها عن اتجاهها الصحيح.
والمفارقة هنا أن حزب الله المتهم على الدوام بالطائفية أظهر حرصاً غير مسبوق على استبعاد أي نَفَس طائفي عن المواجهة وحرص على تمتين علاقاته مع جميع القوى المناصرة لنهج المقاومة بغض النظر عن خلفيتها الدينية أو الطائفية.
بينما نجد أن التيارات العلمانية المقابلة - وخصوصاً تيار المستقبل - تصر على إقحام الصراع المذهبي وتصوير الحرب على أنها تستهدف الوجود السني لصالح الشيعة أو المشروع الإيراني في المنطقة، ويساند خطابها المضلل هذا للأسف عدد من القيادات السنية التقليدية التي ارتضت أن يكون تيار المستقبل ممثلا لها ومعبرا عنها!
وحقيقة فإن مواقف حزب الله حتى الآن لم يبد معها ما يشير إلى أن الحزب يرمي إلى تغيير التوازنات الطائفية لصالحه أو أن هناك على أجندته مثل هذا الاعتبار، فخطاب الحزب واضح بما فيه الكفاية سواء فيما يتعلق بدوره كحزب أو مقاوم أو حقه كحزب سياسي بأن يكون له كما لبقية حلفائه حضور فعلي ضمن النظام السياسي.
قضية التحالفات الداخلية هذه لم تنجح في التجربة الفلسطينية، وفي هذا المقام لا يمكن توجيه اللوم لحماس، إذ إن هناك اعتبارات عديدة ومتنوعة أجبرت بقية الفصائل على الوقوف على الحياد ووسمت مواقفها بالضبابية، منها اعتبارات تتعلق بالمصالح الخاصة التي سيخل بها اصطفاف بعض القوى مقابل فتح والتصدي لدورها في إنفاذ خطة دايتون وما تلاها من خطط أمنية مشبوهة ما زلنا نرى تجلياتها في الضفة، ومنها اعتبارات تتعلق بضيق أفق بعض القوى وتغليبها نزعة المنافسة على المصالح الوطنية، وتخوفاتها غير المبررة من مؤازرة حماس في حربها على أعداء المقاومة.
ثمة موقف جدير بالانتباه في الحالة اللبنانية وهو موقف الجيش وقوى الأمن الذي ظل حتى الآن على الحياد وأظهر مواقف مسؤولة تجاه التعامل مع تداعيات الأزمة رغم أنه محسوب بروتوكولياً على جناح السلطة، أما في الحالة الفلسطينية فقد كانت قوى الأمن أداة التخريب والعبث الرئيسية في كل أحداث الفوضى والفلتان وكانت عناصرها غير المنضبطة أو النظامية هي المضطلعة بمعظم أعمال القتل والإجرام، رغم أنه كان يفترض بها أن تخضع لسيطرة الحكومة المشكلة من طرف حماس صاحبة الأغلبية التشريعية، لا أن تجير لصالح المنقلبين على هذه الشرعية!
أما الموقف الأمريكي من الأزمتين اللبنانية والفلسطينية فهو واحد تقريباً، إذ إن الإدارة الأمريكية اكتفت في الحالتين بدعم عملائها وتدريب عناصرهم ووضع خطط المواجهة لهم، ونأت بنفسها عن خوض هذه المواجهة بنفسها مع قوى المقاومة، ولعل تصريحات المسؤولين الأمريكيين وقولهم إن أمريكا لن تتدخل عسكرياً في لبنان في حال طلبت منها القوى الموالية لها ذلك، تشير إلى حقيقة الأهداف الأمريكية في المنطقة وإلى أي حد ترمي أن تدفع بالأحداث، فهي تريد – وخصوصاً في لبنان- دفع الأمور نحو الحرب الطائفية وتطورها إلى منزلقات مذهبية خطيرة على يد وكلائها هناك، بينما تدرك أن تدخلها المباشر لصالح حلفائها سيؤثر سلبياً على هذا الهدف وسيؤدي إلى إجلاء حقيقة الأزمة واصطفاف العديد من القوى وكل جماهير الأمة خلف فريق المقاومة، بينما الاستراتيجية الأمريكية يناسبها بيئة غارقة في الفوضى والتضليل وتغييب الحقائق.
والغريب أن عدداً غير قليل من الجهلة أو السذج أو من أعماهم الهوس الطائفي يساهمون في الترويج للرؤية الأمريكية من حيث لا يشعرون، ويرتضون أن يكونوا جزءاً من وقود معركتها الشاملة على الأمة ومحاور الممانعة فيها!