إن الحركات والجماعات الثورية عادة تتسم بالاعتماد التام والكامل على بعض الأشخاص القيادية والتنظيمية والفكرية في الحركة وتتفكك هذه الجماعات وتنهار بمجرد موت هذا القيادي أو غيره…
إن الحركات والجماعات الثورية عادة تتسم بالاعتماد التام والكامل على بعض الأشخاص القيادية والتنظيمية والفكرية في الحركة وتتفكك هذه الجماعات وتنهار بمجرد موت هذا القيادي أو غيره وينتهي تاريخها وتصبح أثرا بعد عين , لكننا الآن بصدد الحديث عن حركة من نوع آخر وجماعة لم أشهد لها مثيلا , ألا وهى حركة المقاومة الإسلامية حماس التي قتل أربعة من كبار قادتها ومؤسسيها في عام واحد فقتل الشيخ إبراهيم المقادمة في مارس 2003وإسماعيل أبو شنب في اغسطس 2003وأحمد ياسين في مارس 2004وعبدالعزيز الرنتيسى في أبريل 2004 , إن هؤلاء القادة لم يكونوا مجرد أشخاص أو قيادات عادية بل هم من حملوا مسؤولية الحركة على مدى سبعة عشر عاما منذ تأسيسها وحتى قبل تأسيسها , فهذه الحركة المجاهدة العظيمة التي تلقت الفاجعة الكبرى باغتيال قائدها ومؤسسها الشيخ ياسين ولم تكد تلملم جراحها و تعيد تنظيم صفوفها وتختار قائدها الجديد حتى تلقت الضربة الأخرى والفاجعة الأخرى في مقتل الشيخ عبدالعزيز الرنتيسي رحمه الله رحمة واسعة , لو كانت حركة أخرى غير حماس لما قامت من نكستها ولا لملمت جراحها .
لقد راهن العدو الصهيوني على أن اغتيال وتصفية قادة المقاومة سيقضي على تلك الروح الفتية التي تسري في نفوس هؤلاء الرجال , وأنه بمجرد غياب ياسين والرنتيسي والشقاقي وغيرهم من قادة المقاومة الفلسطينية ستتوقف هذه المقاومة وستنهار هذه الحركات المجاهدة وتصبح حريكات صغيرة يسهل القضاء عليها والتخلص منها , ولكن الفرق بين حماس وأخواتها وغيرها من الحركات الثورية يتمثل في أمور عدة منها على سبيل المثال لا الحصر
أولا / إن حركة المقاومة الإسلامية حماس ( كونها جزءا من جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنا ) هي حركة قامت من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه وتحكيم شريعته , قامت من أجل نيل رضا الله عز وجل , وما كان الله عز وجل ليترك رجالا قاموا من أجل نصر دينه فريسة سهلة في يد العدو بل تعهد الله عز وجل بأن ينصر من يطيعه فقال الله تعالى في كتابه العظيم ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) ** , فهذا وعد من الله عز وجل أن ينصر عباده المخلصين وأن يقويهم على أعدائهم وإنا والله لنحسب حماس قادة وكوادر من عباد الله المخلصين ولا نزكيهم على خالقهم , والله عز وجل لا يخلف وعده , في حين تقوم معظم الحركات الثورية الأخرى على هدف الوصول إلى السلطة ومقاليد الحكم ومعاداة الله عز وجل ومعصيته ومحاربة عباده بل وتقوم أيضا على القتل والتخريب والتدمير .
ثانيا / إن حركة المقاومة الإسلامية حماس تدرك أن النصر لها ولأخواتها من حركات المقاومة الإسلامية وفقط الإسلامية وليس غيرها وذلك لأن الحرب مع اليهود ليست مجرد حرب على أرض لا بل هي حرب عقيدة لأن العدو الصهيوني لا زال يعيش في وهم أن اليهود هم شعب الله المختار، وهكذا المجاهدون يقاتلون أيضا من أجل عقيدتهم الإسلامية ويثقون في نصر الله عز وجل لهم وليس عندهم أدنى شك في ذلك فلقد روى البخاري في صحيحه ( حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ تُقَاتِلُكُمْ الْيَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَقُولُ الْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ ) , وكذلك يعرفون حجم المسؤولية الملقاة على ظهورهم فلا يتنازعون المهام والمسؤوليات بل يتعاونوا جميعا من أجل تحقيق الهدف الأسمى الذي قاموا من أجله جميعا .
ثالثا / إن قادة حماس وقادتها يعرفون جيدا أن من يختار أن يسير في هذا الطريق طريق الجهاد وتحرير الأرض والمقدسات والدفاع عن العرض والدين فإنما قد اختار الشهادة والموت في سبيل الله وعليه أن ينتظر الموت في لحظة وعليه أن يربي أبناءه وأتباعه على الاعتماد والتوكل على الله وحده وعدم التأثر بوجود القائد أو عدم وجوده لهذا كان يقول الشيخ ياسين رحمه الله تعالى "إننا طلاب شهادة , لسنا نحرص على هذه الحياة، هذه الحياة تافهة رخيصة، نحن نسعى إلى الحياة الأبدية" , وقال الشهيد الرنتيسي رحمه الله تعالى ( إن كل فرد من حماس هو مشروع شهادة ونحن لا نخاف من الموت فالموت هو الموت سواء كان بالأباتشي أو بالسكتة القلبية ) , على هذا الأساس نشأت حركة حماس ولهذا لا عجب أن تكون هذه الحركة حركة ولودا تنجب العظام من القيادات والكوادر السياسية والعسكرية على حد سواء فكما أن الحركة لم تنهر وتتفكك مع اغتيال قادتها ومؤسسيها فهي أيضا لم تتأثر باغتيال قادتها العسكريين وعلى رأسها الشهيد يحيى عياش وصلاح شحادة .
رابعا / تعتمد حركة المقاومة الإسلامية حماس الشورى منهجا داخليا للحركة نزولا على أمر الله عز وجل ( وأمرهم شورى بينهم ) وقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ( يد الله مع الجماعة ) فأي قائد في الحركة مهما كان لابد وأن يخضع لهذه الشورى وإن خالفت رأيه , لهذا نجد أنه لا توجد هناك أي انشقاقات ولا تشققات في جدار الحركة وبنيانيها المتين بعكس بعض الحركات الأخرى والتي قد تتفكك في وجود مؤسسها وقائدها الأول .
هذا الفارق بين حماس وأخواتها من حركات المقاومة الإسلامية وغيرها من الحركات الثورية الأخرى , ولهذا ستبقى حماس قوية إن شاء الله , وعلى الانكسار أبية , وفى المقاومة فتية , وعلى طريق الله سباقة إلى الخير إن شاء الله.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع