ازدياد وتيرة الحراك السياسي على صعيد الساحة الفلسطينية الإسرائيلية المتمثل في استئناف المفاوضات والتوصل للتهدئة المؤقتة والجزئية يثير العديد من الأسئلة الملحة فما الذي يدفع…
ازدياد وتيرة الحراك السياسي على صعيد الساحة الفلسطينية الإسرائيلية، المتمثل في استئناف المفاوضات، والتوصل للتهدئة المؤقتة والجزئية، يثير العديد من الأسئلة المُلحّة. فما الذي يدفع رئيس السلطة محمود عباس إلى استئناف المفاوضات مع ( إسرائيل)؟ رغم العهود التي قطعها على نفسه بتجميدها في أعقاب المجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال في قطاع غزة، وفي ظل قرارات الحكومة( الإسرائيلية) بتكثيف الأنشطة الاستيطانية والتهويدية في الضفة الغربية، والقدس.. وما سر الحماس الأمريكي غير المسبوق للتهدئة بين حركة حماس( وإسرائيل)، وحثها لمصر على تكثيف اتصالاتها بحماس من أجل إنجاز هذا الهدف؟ مع العلم أن الإدارة الأمريكية، كانت لا تتردد في توبيخ أي دولة عربية تقوم بإجراء اتصالات مع الحركة..
هناك أكثر من مؤشر على أن كلاً من تل أبيب وواشنطن تحاولان استغلال هذا الحراك؛ من أجل تحقيق أكثر من هدف. فصناع القرار في (إسرائيل) يروْن أن الظروف باتت مناسبة للتوصل لتسوية سياسية للصراع، تضمن تحقيق المصالح الإستراتيجية لإسرائيل، التي تدرك أن "أبو مازن" مستعد لتقديم أكبر قدر من التنازلات لها من أجل إضفاء مصداقية على برنامجه السياسي. ويعي أولمرت أن هذه ستكون آخر فرصة يمكن من خلالها التوصل لتسوية سياسية تستجيب للمصالح (الإسرائيلية)؛ لأنه في حال غياب "أبو مازن" عن الساحة، فلن يكون هناك زعيم آخر قادر على تبرير مواصلة التفاوض مع إسرائيل، حيث لا يمكن( للإسرائيليين) أن يحلموا بقيادة فلسطينية أكثر مرونة من تلك التي يمثلها أبو مازن. وفي ظل تهافت عباس، فإنه لن يكون من المستهجن أن يصل الجانبان إلى اتفاق يستند إلى وثيقة "أبو مازن" بيلين للعام 1995، ووثيقة جنيف التي كان عرابها ياسر عبد ربه، الرجل الثاني في الوفد الفلسطيني المفاوض، مع العلم أنه يتوجب على الفلسطينيين، وفق هاتين الوثيقتين، التفريط بقضية اللاجئين والقبول بضم التجمعات الاستيطانية اليهودية( لإسرائيل)، وغيرها من الشروط المجحفة.
أبو مازن يشعر أنه متحرر من أي رقابة تحول بينه وبين التوصل لمثل هذه التسوية، فتعطيل المجلس التشريعي الفلسطيني، وحقيقة أن منظمة التحرير هي مرجعية المفاوضات، مع العلم أن هذه المنظمة لا تملك أي قيمة تمثيلية للفلسطينيين، عاملان هامان يساعدان "أبو مازن" على تغطية تنازلاته (لإسرائيل).
من ناحية ثانية، فإن (إسرائيل) التي تحمست للتهدئة مع الفصائل الفلسطينية، بعد فشل حملتها على غزة، و سلسلة العمليات النوعية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية والهبَّة الشعبية في الضفة الغربية، ليس أمامها إلا أن تخسر في حال تواصُل التصعيد. ليس هذا فحسب، بل أن وسائل الإعلام (الإسرائيلية) أكدت أن (إسرائيل) تراجعت عن إسقاط حكومة حركة حماس. فالصهاينة باتوا يدركون أن إسقاط حماس يتطلب شنّ حملة عسكرية يتم خلالها احتلال جميع مناطق قطاع غزة، وهذه العملية ستكون مقترنة بسقوط عدد كبير من الجنود (الإسرائيليين). في نفس الوقت، فإن أحد أهم المعضلات التي تواجه إسرائيل في حال قيامها بإعادة احتلال قطاع غزة هو البحث عن جهة تتولى مقاليد الأمور في أعقاب انسحاب الجيش (الإسرائيلي)، حيث أن أحدًا في إسرائيل لم يعد يطرح بجدية، فكرة الاعتماد على عباس.
الجنرال جادي شماني، قائد قوات الاحتلال في الضفة الغربية، قال إن "أبو مازن" يواصل السيطرة على الضفة الغربية بفضل الجيش (الإسرائيلي)، مشددًا على أنه لولا الغطاء الذي يوفره الجيش (الإسرائيلي) لسيطرت حماس على الضفة في غضون ساعات. في نفس الوقت، فإن فكرة إرسال قوات من حلف الناتو إلى قطاع غزة في أعقاب انسحاب الجيش (الإسرائيلي) منه لم تعد مطروحة، بعد أن أبلغ مبعوث الاتحاد الأوروبي للمنطقة مارأوته( إسرائيل )بذلك.
ومع ذلك، وحتى لا يكون ثمة أوهام، فإن إسرائيل ستحاول صياغة بنود التهدئة بما يخدم مصالحها، ويسمح بوجود هامش مناورة كبيرة أمامها. و على ضوء التجربة السابقة، فإن التهدئة غير المعلنة التي تم التوصل إليها نهاية الأسبوع الماضي ستكون في مهبّ الريح، وسيكون اختبار الجهود المصرية المبذولة للتوصل للتهدئة متمثلاً في نجاح القاهرة بإقناع تل أبيب بوقف قمعها للفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث أن المتحدثين باسم الحكومة (الإسرائيلية) يؤكدون حاليًا أنه ليس ورادًا لديهم الموافقة على وقف عمليات جيشهم في الضفة. وعلى ذلك فإن كانت الفصائل الفلسطينية مستعدة لامتصاص بعض عمليات الجيش في الضفة لوقت محدد، فإنه لا يمكنها تبرير ضبط نفسها في حال تواصُل هذه العمليات، وستكون ملزمَة بالرد.
على الجميع أن يتذكر تجربة اتفاقيْ التهدئة في العام 2003 و 2005، حيث قامت (إسرائيل) وبشكل منهجي، بخرق الاتفاقين عبر تنفيذ عمليات التصفية ضد نشطاء المقاومة الفلسطينية، ومن ناحية ثانية فإنه في حال لم يتم رفع الحصار بكل صوره، فإن الفصائل الفلسطينية لن تكون ملزمَة بالتهدئة.
في نفس الوقت، فإن لكل من الإدارة الأمريكية والقوى الإقليمية العربية مصلحة في تسريع وتيرة التفاوض بين السلطة (وإسرائيل)، والتهدئة، وذلك للتأثير على نتائج القمة العربية المقبلة، ولتقليص هامش المناورة أمام كل من سوريا وحزب الله وحلفائه في لبنان، ودفعهم للموافقة على انتخاب رئيس جديد للبنان. في نفس الوقت، فإن مصدر قوة الدفع الكبيرة وراء تعاظم الجهود الأمريكية المبذولة للتوصل للتهدئة بين( إسرائيل) وحماس، كان التغير الدراماتيكي في الموقف الأمريكي إزاء حركة حماس؛ فالإدارة الأمريكية كانت تشجع( إسرائيل) على ضرب حركة حماس، على اعتبار أن هذه الخطوة تعزز الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنه بعد سلسلة عمليات المقاومة الأخيرة، تيقنت الإدارة الأمريكية أن هذا هدف مستحيل، وأن الحل الأمثل يكمن في التوصل لاتفاق تهدئة بين( إسرائيل) وحركة حماس.
من هنا، فإن على حركات المقاومة القيام بمَهمتين أساسيتين تمثلان خطوط حمراء يتوجب عدم تجاوزها، فمن جهة يتوجب الحيلولة دون السماح (لإسرائيل) بفرض إملاءاتها بشأن التهدئة، ومن جهة ثانية، يتوجب الانتباه إلى ما يجري من مفاوضات بين عباس (وإسرائيل)؛ لإحباط أي محاولة للتفريط في الحقوق الوطنية الفلسطينية.