التهدئة الإسرائيلية... حاجة ومعركة تكتيكية

التهدئة الإسرائيلية... حاجة ومعركة تكتيكية

محمد الهباش
2008-03-13

في سياق تصريحات وزيرة خارجية الكيان الصهيونى تسيفى لفني أمام كبار الباحثين والمتخصصين بالشرق الاوسط وكبار المسؤولين السابقين في الإدارة الأمريكية في واشنطن بالأمس القريب والتي…

في سياق تصريحات وزيرة خارجية الكيان الصهيونى تسيفى لفني أمام كبار الباحثين والمتخصصين بالشرق الاوسط وكبار المسؤولين السابقين في الإدارة الأمريكية في واشنطن بالأمس القريب والتي أكدت فيها أن اسرائيل لن تمنح حماس حق الاختيار متى تهاجم ومتى تتوقف لتعزيز قوتها، وان اسرائيل ليست على استعداد للمساومة على مبدأين أساسيين أولهما إقامة دولتين قوميتين كل دولة تتمتع بالحل القومي الكامل لشعبها، وثانيهما هو ضمان أمن اسرائيل ومطالبها الأمنية.

إن هذه التصريحات تظهر النوايا الاسرائيلية الخبيثة إزاء التهدئة وسرعة التعاطي معها بما يلبي حاجاتها الأمنية والسياسية في المنطقة والتي تندرج جميعها في إطار تكامل الجهد الاسرائيلي الدبلوماسي والعسكري لفرض شروط تريدها على الارض يكون من الافضل لها لو تم تحقيقها بلغة السياسة الدبلوماسية.

والسؤال المطروح هنا ما هي الحاجات الأمنية والسياسية التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها من هذه التهدئة؟؟

وفى محاولة للفهم والتحليل والاجابة عن هذا السؤال يمكن قول الآتي

أولا على صعيد الحاجات الأمنية والعسكرية

-   تهدف اسرائيل الى لملمة الجرح الاسرائيلي والحفاظ على هيبة جيشها من خلال الإبقاء على النظرية الاسرائيلية القائلة  بأن لدى اسرائيل جيشاً لا يقهر، خاصة بعد الانكسارات المتتالية التي مني بها الجيش الصهيوني -سواء على الجبهة الشمالية- من حزب الله -أم على الجبهة الجنوبية- من قوى المقاومة الفلسطينية.

-   المحافظة على أمن اسرائيل وحدودها مع قطاع غزة من مرمى الصواريح الفلسطينية التى باتت تؤرق الاحتلال الاسرائيلي وتشكل عبئاً اضافياً على ساسته بعد التطور النوعي الحادث فى مداها بحيث أصبحت تهدد مدن أسديروت وعسقلان.

-   تهيئة اسرائيل لأجواء أمنية مناسبة على الجبهة الجنوبية من أجل توسعة عدوانها على الجبهة الشمالية بما يشمل لبنان وسوريا خاصة وان حزب الله بات يشكل خطراً حقيقياً على أمن اسرائيل من ناحية الحدود الشمالية، فيما أصبح قوة أساسية فى الساحة اللبنانية يصعب تجاوزه وكسره ويشكل عائقاً أساسياً أمام قدرة اسرائيل وأمريكا على تطبيق سياستها فى لبنان وفق رؤية بوش الجديدة والقائمة على تغيير معالم الخارطة السياسية في لبنان والمنطقة وايجاد زعامات تعمل وفق الاجندة الامريكية والاسرائيلية في المنطقة.

-   المحافظة على الأمن والاستقرار داخل الكيان الصهيونى خاصة بعدما أثبتت قوى المقاومة أنها قادرة على زلزلة أركان الكيان فى عقر داره ولعل عملية القدس الأخيرة جاءت رسالة واضحة ودرساً فهمه قادة الكيان الصهيوني العسكريون والسياسيون جيداً.

-   تفرد اسرائيل بقوى الممانعة والمقاومة فى المنطقة، من خلال السعي إلى تهدئة الأجواء في جبهة وإشعالها فى جبهة أخرى.

ثانيا على صعيد الحاجات السياسية

-   تسعى إسرائيل إلى تكريس سياسة ممارسة الفصل بين الضفة الغربية وقطاع عزة من خلال اجراء مفاوضات غير مباشرة عبر وساطة مصرية مع حركة حماس ومفاوضات مباشرة مع السلطة الفلسطينية في رام الله الأمر الذي ينظر إليه على انه مفاوضات حول الضفة فقط دون غزة  تعزيزاً لمؤتمر أنابوليس.

-   تهدف إسرائيل إلى تكريس مبدأ تجزئة المجزأ من خلال السعي إلى تهدئة مع طرفين فلسطينيين يعانيان من أزمة حقيقية وحالة انقسام داخلي مما يزيد ويكرس من حالة الانقسام ويتيح المجال لظهور أطراف فلسطينية رافضة لشروط التهدئة وساعية إلى أن تكون طرفاً جديداً في المعادلة السياسية.

-   تسعى إسرائيل إلى إظهار نفسها أمام العالم بأنها الطرف الذي يسعى إلى قبول التهدئة حتى مع الاطراف الداخلية ذات الصراع في المجتمع الفلسطيني، تحسيناً لصورتها العالمية التى فُقدت أثناء المحرقة التى نفذتها في قطاع غزة والتي راح ضحيتها مئات الشهداء والجرحى.

-   إظهار أن السعي الإسرائيلي للتهدئة ما هو إلا ضغط أمريكي وليست حاجة إسرائيلية للحفاظ على أمنها القومي الذي أصبح مهدداً بفعل عمليات المقاومة الفلسطينية.

-   إجراء أي اتفاق مع أطراف فلسطينية بصورة غير مباشرة يكون غير ملزماً لإسرائيل مما يتيح لها حرية التنصل من تلك الاتفاقيات في أي وقت تشاء وممارسة ما يحلو لها من عدوان على الشعب الفلسطيني.

-   الحفاظ على السلطة الفلسطينية في رام الله كطرف معتدل للاستفادة من حالة الانقسام الداخلي والتباين في المواقف السياسية لممارسة الضغط على الرئاسة الفلسطينية وحكومتها من أجل تقديم المزيد من التنازلات والقبول بأية حلول نهائية وإن كانت على حساب الثوابت الفلسطينية.

-   الحد من التطورات التي حدثت في الضفة الغربية نتيجة للهبة الشعبية والتعاطف الجماهيري الذي ظهر أثناء العدوان الاسرائيلى على قطاع غزة والذى أوشك أن يؤدي إلى انتفاضة ثالثة تزعزع استقرار السلطة الفلسطينية في رام الله وتُسقط كل المحاولات الساعية الى تطبيق الشق الامني من خارطة الطريق بجعل الضفة الغربية محمية أمنية مغلقة للاحتلال.

-   الحد من النمو الشعبي المتزايد والمتعاطف مع قوى المقاومة والتي أثبتت أنها قادرة على الصمود والتصدي لكل محاولات القمع والبطش الإسرائيلي وتغيير معالم الخارطة السياسية في المنطقة.

مما سبق يتضح لنا معالم الحاجة الاسرائيلية الى هذه التهدئة، وأن هذه التهدئة ما هى الا معركة تكتيكية تسعى اسرائيل من خلالها الى تحقيق حاجاتها السياسية والامنية، لذلك فإن المرحلة القادمة تتطلب من كافة قوى المقاومة تكثيف عملياتها والاستمرار فى الفعاليات الشعبية القادرة على فك الحصار عن الشعب الفلسطيني والعمل على اسقاط أية مشروعات تصفوية هادفة الى ضرب المقاومة وتقويض دورها ومواجهة أي قوى تهدف الى التفريط بالحقوق الفلسطينية.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026