إلــى هــويتـــي ...

إلــى هــويتـــي ...

د. عطا  الله ابو السبح
2004-12-05

لست أدري بماذا أحييك ولكن دعيني أقول السلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعد تعيدني الذكرى إلى عبارة قالها ذات يوم صديق ليس لي هوية مع أن دود الأرض صار له هوية كان لكلمته ساعتئذ رنين…

لست أدري بماذا أحييك، ولكن، دعيني أقول السلام عليك ورحمة الله وبركاته!! وبعد

تعيدني الذكرى إلى عبارة قالها -ذات يوم- صديق ليس لي هوية، مع أن دود الأرض صار له هوية، كان لكلمته ساعتئذ رنين، وأخذت أبحث ، ولكن بلا جدوى، فقد ضاعت هويتي، وهنا ابتسمت وقلت متى كان لي هوية ؟ من بين الأوراق التي -طالما- احتفظ بها أبي (1900-1981) هويته التي تحمل صورة لشاب، يكاد يقرأ بصعوبة، ويتابع واقعه بصعوبة ، واللافت للنظر أنها مكتوبة باللغة الانجليزية التي لا يكاد والدي يعلم منها شيئا، وقد أصدرتها حكومة الانتداب البريطاني للفلسطينيين ، ولست أدري إن كانت قد أصدرتها -أيضا- لساكني فلسطين، ولست أدري إن منحت تلك الهوية لحاملها حقوق المواطنة، والجنسية، لست أدري إن كان لحاملها الحق في أن يملك ويتصرف، ويختار مسؤوليه ورؤسائه ، لست أدري إن كان له الحق في التنقل والحركة والعمل والموافقة والرفض، ولست أدري إن كان له الحق في أن ينطق بما يعتقد ويبدي رأيا أو يشارك في تقرير مصير، ولست أدري إن كان يتمتع بالحصانة والاحترام إن كان في بلد غير فلسطين، وتعطيه تلك الهوية الحق في أن تكون له سفارة أو ممثلية تقدم لها الخدمات التي تقدمها كل هويات الأرض لحامليها، ولست أدري إن كان لأبي بموجب حمله لتلك الهوية الحق في الاعتقاد والتدين، وفي الدفاع عن وطنه إذ تعني الهوية في أبسط الدساتير أن لحاملها (وطناً) ولست أدري إن كانت هوية أبي -فقط- بطاقة تعريف عليه إذا ما استوقفته دورية انجليزية للتحقق إن كان من (الثوار) أو من عوام الناس، أو ليبرزها عندما يريد اجتياز الحاجز للوصول إلى (سوق العبيد) حيث يتهافت أبي وصحبه عسى أن يختاره (السيد) -انجليزيا كان أو خواجة ليعمل في معسكر أو بيارة، وكنت أسأل أبي ماذا كنت تعمل؟ فيجيب بابتسامة حزينة سيرفنت، علمت أنها تعني -خادم هذا عندما كبرت، ولست أدري كيف لفظ هذه الكلمة العالقة في ذهن أبي!! ومن الأوراق التي احتفظت بها طويلاً هوية لأخي (1931-1978) هي أخت هوية أبي، كان أقرب إلى الصبا منه إلى الشباب، وقد حملته إلى بيت لحم من قريتنا، وهناك (تشعلق) أخي في إحدى عربات الجيش الإنجليزي التي حملته إلى مركز الشرطة ليخرج منه شرطياً، سنة 47، كان ، بعد في السادسة عشر من عمره، وشفع له رجاؤه ، واستعطافه للضابط بأنه يريد أن يطعم أباه وأمه وأخواته، فاستجاب له، وإن هي إلا أشهر حتى طرد اليهود أهلي، وفقد أخي شرطيته ، كما فقدوا (الوطن) ليحملوا هوية مصرية -فلسطينية، باعتبار قطاع غزة آلت إدارته للحكومة المصرية، وكانت فلسطين مجرد اسم تسلل إلينا -صغارا- الوعي ، بأننا فلسطينيون، لاجئون، لا جنسية لنا، ولا وطن، وطني هناك، علينا أن نسترده حتى تكون لنا هوية، وإلا فليس لنا أدنى حق مما تمنحه الهوية لحاملها، حتى إذا أراد أبي أو أمي تأدية فريضة الحج (فالوثيقة) لا هي هوية ولا جواز سفر، مجرد إشعار لحاملها أن يتحرك في اتجاه واحد ليعود منه، وإذا عومل ، فمعاملة خاصة، لا يعامل بها طلاب السائحين، فالكلاب تحمل هوية محترمة ولكن الوثيقة لم تكن لتحترم حتى من الجهة التي تصدرها، كانت لعنة بما تمثل من إزعاج وتوقيف ومنع، واستجواب وحجز، وما تمثله من دلالات على الشك في حاملها أو الشفقة أو الإنكار، شيء أزرق غامق كوجوه أهل النار، وعندما وقعت النكسة علمنا أن أخواتها الصادرة من بقية العواصم أتعس حظا منها، حتى أن إحداها تمنع صاحبها من العمل في خمسة وسبعين مجالا أو عملاً ، وليس له إلا أن ينبش في الحاويات ليلتقط (الفتافيت) ليقتات وبقية عياله، وليس له إلا الأسمال ليكسو بدنه، وأبدان عياله، وإلا فليعمل قاطع طريق أو مهربا أو حراميا أو تاجراً للمخدرات أو النزول إلى الدرك الأخلاقي الأسفل، ثم الملاحقة من قبل (الشرعية) وأهل الوطن، في الوقت الذي تصدح فيه وسائل الإعلام صباح مساء، بالغناء لفلسطين والتغني ببطولات شعب فلسطين!! نفس الوثيقة وكأن قادة العرب قد تواصلوا بما تمنع وبما تمنح، حتى وصل إلى أن تكون الوثيقة بنداً في لائحة اتهام يحاكم صاحبها بموجب القانون الذي أصدرها، إنها اللعنة، وفي أحسن الأحوال تمنح صاحبها .. حاملها التمتع برحلة الحج وقد انتهت بعبارة (صالحة لمرة واحدة!!) ، ولعل ما أصدرته حكومة الاحتلال سنة 68 من هويات واحدة في هذه السلسلة ،و التي بدأت (بإحصاء) لأهلي، ودخل قاموسنا مصطلح جديد (نازح) وانشطرنا الانشطار الأصعب والأنكى، فالهوية الإسرائيلية هي الهوية التي تشير إلى فلسطينيتي، ومن يحمل سواها فليس فلسطينيا، تعمق البعد الحقوقي والسياسي لها، كان مسجلا فيها عند إصدارها في خانة مكان الميلاد اسم القرية أو المدينة الفلسطينية ما فتئت حتى تغيرت لتصبح (إسرائيل) ولم نلتفت كثيراً لذلك، رغم ما يمثل ذلك من إقرار منا بأن أرضنا تحمل اسم إسرائيل، سواء قبل سنة 48 أو بعدها، وكأن يقينا قد استقر في الوجدان اليهودي بأن م.ت.ف ستعترف بذلك، بل بما هو أبعد من ذلك، وهو الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وأما نحن فبلا هوية، أقصد بلا وطن!! مجرد اعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، ولست أدري إن كان هذا الأمر يستحق المراجعة لما ترتب عليه من مخاطر، وضياع حقوق، وتهميش وفقدان للذاكرة، والتاريخ فضلا عن الجغرافيا، لم يكتف يهود بذلك بل أصدروا هويات أمنية بلون الحشيش القاتم لمن وقع عليهم غضب (الشاباك) تعطي أمرا لكل جندي صهيوني بتعذيب حاملها وإهانته وإذلاله في أي وقت أو مكان يجده فيه، كانت الهوية الخضراء مصدر شقاء وعذاب، كما كانت مصدر عز وفخار وتقدير واحترام، ينظر شعبنا لحاملها نظرة إكبار وتوقير، إنه شعبنا! حتى كانت أوسلو، التي أصدرت لنا جواز السفر، المسكين، كسيف البال، مهيض الجناح، لا يختلف كثيرا عن (الوثيقة) إلا أنه يكرس الإقرار بوجود الدولة العبرية على أرض فلسطين، ولم يعط صاحبه الحق في أن يكون له وطن، أو دولة، وحرم الملايين من شعبنا من أن يكون له وطن، وبدأت تتردد نغمة (التوطين) بقوة وقد خبت لسنوات طويلة، لم يعط صاحبه الحق في الذود عن بقايا أرضه التي تنهشها المستوطنات، ولم يعط صاحبه حرية التنقل فالمعابر لهم، فلا يمر أحد إلا بإذنهم أو رضاهم حتى وإن كان رئيس السلطة التي أفرزتها أوسلو، ليس لصاحبه الحق ما يعتبره يهود حقا، الأمن، الاقتصاد، التعليم، الصحة، الدفاع، الشرطة، التوالد، العمل... ترى هل رحم بعض منا الآخرين ، لا ، فإن هناك هوية أخرى لها أنياب حادة ومخالب، إنها هوية الحزب الحاكم التي تطرد أي هوية أخرى من أي مجال للعمل أو تكاد، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إننا في حاجة إلى هوية إذ ليس لنا هوية... فمتى ، لست أدري.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026