مرة أخرى غزة تختار الحل الثالث

مرة أخرى غزة تختار الحل الثالث

رشيد ثابت
2008-01-24

أنا لا أعلم الغيب لكنني بحسب ما قرأت في الإعلام وبناء على تصريحات مسؤولي محمية المقاطعة استطيع الاعتقاد أن مشهدا كالذي سيلي قد حدث فعلا مسؤول أمريكي سياسي مخابراتي منتفخ يعتقد…

أنا لا أعلم الغيب؛ لكنني بحسب ما قرأت في الإعلام وبناءً على تصريحات مسؤولي محمية المقاطعة استطيع الاعتقاد أن مشهدًا كالذي سيلي قد حدث فعلا. مسؤول أمريكي سياسي مخابراتي منتفخ يعتقد أنه يعرف كل شيء عن كل شيء في هذا العالم يجلس في مكتبه ويفكر وسؤال واحدٌ يدور في ذهنه كيف أسحق غزة؟ كيف أخضعها وأركِّعُها كما أخضعنا غيرها؟ وفورًا تتداعى لذهنه أمثلة "النجاح" العظيم الذي حققه "اليانكس" في العراق. لنجوِّع هؤلاء الناس ولنضغط عليهم ولنقهرهم ولنذلهم حتى تنكسر نفوسهم؛ ثم لنلقي لهم بعظمة مجلس صحوات تقوده العشائر والعائلات في غزة؛ أو حتى تقوده تلك الحركة الرديئة التي عول عليها زميلي الجنرال "كيث دايتون" لإنجاز المهمة وفشلت فشلا ذريعا. يمكنني الإتيان "بدهلان" أو بأي شخص آخر من ذوي الأسماء الغريبة الأخرى لاستلام حطام غزة وبقايا سكانها بعد أن "أهررها" من الحركة الأصولية المتطرفة التي فازت بأغلبية الأصوات والمعادية في الوقت نفسه للديمقراطية و"آور واي اوف لايف"! أو يمكن عوضا عن "دهلان" الإتيان بحكومة "رجلنا" فياض. الرجل اقترح "كرييتف سولوشِن" أو حلاًّ خلاقا لوضع المعابر تحت سيطرة حكومته الموالية للاحتلال؛ ولتقنين وشرعنة إخضاع أهل غزة لتسلط "شايلوك" وأولاده؛ وهذا يبدو للأمريكي صفقة رابحة ومشروعًا ممكنا. هذا هو الطريق الأول إذا!

أما الطريق الثاني فهو ليس خيارًا مستقلا بحد ذاته؛ بل هو مرحلة مؤقتة تسبق الطريق الأول. إنها طريق ضرب الفلسطينيين وتركهم محشورين في الزاوية يعدون الركلات والصفعات الصهيونية. لا يكفي أن عليهم احتمال الموت الوحشي على يد جيش الأمة الأكثر نذالة والأكثر حقارة والأكثر حيوانية بين كل أمم الأرض؛ بل عليهم أيضا احتمال شماتة وسخرية اليهودي النجس رئيس حكومتهم. إن كان الشاعر العربي يقول اعترافا بثقل الشماتة على نفس الحر

ونظرة منها التفاتا * * * ألذ من الشماتة بالعدو

وفوق ذلك كانت النظرة الشامتة قادمة من أخس وأحط خلق الله حسب معلوماتنا النقلية والعقلية؛ فكيف تكون الحال؟ ألا يشعر الغزي وكل من كان في قلبه مثقال من ذرة من آدمية بالقهر والغليان حين يسمع الحقير "أولمرت" يقول "ليمشي أهل غزة" معرضًا بأنه لن يسمح بمرور شاحنات البنزين؟ أو حين نسمع "باراك" يقرر أن أهل غزة لا يجب السماح لهم باقتناء هواتف محمولة؟ أعتقد أن هذه المشاهد تعادل الموت تحت القصف بالأباتشي والإف ستة عشر!

فأي الطريقين اختارت غزة؟ هل اختارت الركون للصحوات والعملاء ومحمية المقاطعة وحلولها الاستخذائية المكرورة وغير الإبداعية؟ أم اختارت الركوع للصهاينة "منها لهم" والاستسلام؟ مرة أخرى قدمت غزة وقدمت حماس راعيتها دليلا جديدا على أن كل حجر صوان في هذه الدنيا مكتوب أسفله "صنع في غزة"! مرة أخرى لقنت الحركة الإسلامية شذاذ الآفاق الصهاينة ورعاتهم الأمريكان وعملاءهم الفلسطينيين درسا قاسيا؛ ونفذت باقتحام الحدود حسمًا جديدًا يضاف للائحة بدأت في حزيران الماضي ولن تنتهي حتى يتم انجاز المهمة تحرير فلسطين كاملة من النهر إلى البحر ومن أصبع الجليل إلى أم الرشراش!

لقد اختارت حماس أن ترد مزاح الخنزير "أولمرت" بمزاح أثقل منه؛ وهي تصر على ملء سلة غذائها رغم أنف هذا المجرم؛ وتصر على اقتناء الضروريات والكماليات حتى لو لم يرض "باراك"؛ وبثبات تعجز "خمايع" المقاطعة عن فهمه واستيعابه!

والآن يجب أن تفكر الحركة الإسلامية في الخطوة التالية؛ فبعد اجتياح "الفدائيين والقوات الخاصة" للميدان يجب ان تسارع القوات النظامية لملء النطاق الممكن شغله واقعيًّا؛ وتأصيل وتطبيع الأوضاع والانسحاب من النقاط البعيدة المكشوفة. وأنا أدعو ساسة الحركة للشروع في مفاوضات مباشرة مع الشقيقة مصر لتبديل حال الفتح الكامل للحدود بوضع يغدو فيه معبر رفح مفتوحا على الدوام لأغراض النقل المدني والتجاري؛ ليسافر الناس وتتحرك البضائع نظاميًّا وحسب الأصول المتعارف عليها؛ ووفق نظام تأشيرات وبجوازات سفر كما تجري العادة بين الدول المتجاورة. هذه الخطوة ستؤصل انتصار اليوم وستعززه وستقننه؛ وهي خطوة ممكنة بالنظر إلى حجم الورقة الكبيرة التي صار بوسع الحركة مقايضتها مع الدولة المصرية؛ خصوصا أن هذه الورقة – إنهاء وضع سيناء كساحة خلفية مفتوحة للفلسطينيين بدون ضوابط – يمكن للنظام المصري تسويقها اقليميًّا ودوليا كمبرر معقول لفتح معبر رفح بشكل رسمي واعتيادي.

ولتكن هذه بداية عهد استقلال غزة الاقتصادي وانقطاع أمل الصهاينة في الإفادة منها للأبد! يكفيهم ما نهبوه منا – إن شاء الله "سم الهاري عليهم" - على مدى أعوام الاحتلال ما بين أثمان بضائع وضرائب نقل وتخزين واستيراد وجمارك وخلافه!

ولا يمكننا أن نختم هذه العجالة قبل أن نقول مبروك لغزة وللحركة الإسلامية خيارها الثالث؛ خيار العزة والكرامة والحل على طريقتنا نحن وبما يحقق النكاية في نفوس إخوان القردة. ولا عزاء لمسؤولي محمية المقاطعة وهم يتقمَّلون حلولهم الخلاقة ويكرعون فضيحتهم المدوية مرة أخرى جديدة!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026