مفتاح غزة.. حسم جديد..!

مفتاح غزة.. حسم جديد..!

لمى خاطر
2008-01-23

غزة هذه البقعة الصغيرة في مساحتها الكبيرة في فعلها وتأثيرها ألفت العيش مع إرادة التحدي واعتادت مسايرة أقسى الظروف وتطويع حياتها لتسير وفقها وغزة كانت على الدوام ترفض الاستسلام…

غزة.. هذه البقعة الصغيرة في مساحتها الكبيرة في فعلها وتأثيرها ألفت العيش مع إرادة التحدي واعتادت مسايرة أقسى الظروف وتطويع حياتها لتسير وفقها..

وغزة كانت على الدوام ترفض الاستسلام لواقع القهر والضيم إذا ما بلغ حده الأخير وتجاوز حدود التحمل وصار التعايش معه خنوعاً وقبولاً بالمهانة.

لن نتحدث طويلاً عن أثر غزة على مسيرة النضال الفلسطيني منذ اليوم الأول للاحتلال ولا عن زخم الفعل الذي رفدت به مسيرة الجهاد وكيف أنها كانت الأكثر تطويراً لوسائل المقاومة والأقدر على الإبداع النوعي في زمن قياسي رغم شح الموارد وتواضع الإمكانات.

يكفي أن نستعرض واقع غزة خلال الأعوام الأخيرة، أي منذ انتفاضة الأقصى وتحديداً بعد حدث الانسحاب الصهيوني من القطاع وتفكيك المستوطنات كلها من أراضيه تحت وقع ضربات المقاومة وحدها ودون ثمن سياسي يدفعه الطرف الفلسطيني من كرامته وحقوقه.

الحدث الأبرز الثاني كان بعيد فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي وما تعرضت له من عملية تقويض لتجربتها وإفشال لها، وصولاً إلى محاولة إقصائها عسكرياً بعد سلسلة دامية من عمليات القتل والخطف والتعذيب ومختلف أشكال الانفلات الأمني الخطير الذي عانت منه غزة ردحاً غير قليل، وظن معه أذناب الاحتلال أن كثرة الضغط وتركيزه واشتداد هجماته سيفرز نتيجة تصب في صالحهم، وإذا بحماس غزة تمتلك زمام المبادرة وتقطع الطريق على تلك النتيجة التي كان يجري الإعداد لها بتسارع خطير، فكانت عملية التطهير منتصف حزيران الماضي تطوراً مفصلياً في تاريخ القطاع وقفزة نوعية كبيرة أثبتت معها حماس وجمهورها في غزة أن سياسة فرض الأمر الواقع لن تجدي نفعاً مع حماس وأن الحركة تجاوزت بمراحل كثيرة كل محاولات التقويض والإقصاء مهما كان شكلها.

أعادت حماس بحسمها الأمور إلى نصابها واستعادت شرعيتها المسلوبة بقوة القانون، بينما انصرف الطارئون إلى خطوات متعثرة متخبطة ظنوا معها أن إخضاع حماس مسألة وقت قصير ليس إلا.

تمكنت حماس بعد الحسم من إعادة الأمن إلى شوارع القطاع ومن تطهيره من بؤر الفساد والإفساد ومن القضاء على أوكار المخدرات وتفكيك العصابات الجنائية والحد من سطوة العائلات التي كانت تستقوي بسلاحها وتتمرد على القانون.

ومن جهة أخرى حظيت المقاومة بجميع أذرعها بمساحة مريحة للتحرك وبغطاء ودعم سياسي، وغدت الأجهزة الأمنية وطنية ومبرأة من دنس التنسيق الأمني.

غير أن الحصار الخانق الذي فرض على القطاع ظل التحدي الأبرز لحكومته بشكل خاص ولسكانه بشكل عام، وكان طبيعياً ألا تظهر تداعيات الحصار بشكلها الحاد والخطير فوراً لكن آثاره على مناحي الحياة كافة ما لبثت أن تجلت في صور شتى للمعاناة وطالت الغذاء والدواء وقطاعات العمل والمواصلات والصحة والتعليم حتى وصل الأمر إلى الموتى والشهداء الذين ما عادوا يجدون أكفاناً أو أجداثاً في الوقت الذي صار فيه الموت شهادةً أو وفاة بفعل الحصار مادة إخبارية يومية الفت الآذان سماعها!

ومع قطع كهرباء غزة ورزوحها تحت ظلام ضرب جميع مفاصل الحياة وأصابها بالشلل انتبه العالم فجأة لحقيقة ما يجري فكانت حملة التغطية الإعلامية بارزة إلى حد ما هذه المرة رغم أنها لم ولن تكون على مستوى الحدث ومدى خطورته والحجم الكارثي له!

لكن كل هذه الأضواء الإعلامية المسلطة على ظلام غزة لن تحمل مفتاح الحل وستذهب أدراج الرياح كما هو حال التنديدات وفعاليات التضامن في كافة أرجاء العالم، غير أن حسنتها الوحيدة هي أنها ستضع العالم كله هذه المرة في صورة تفاصيل مأساوية الوضع في غزة، الأمر الذي يتطلب استغلالاً جيداً لهذا التفاعل والبناء عليه بما يبقي صور المعاناة حاضرة في أذهان الناس وبما يمهد لخطوة حسم جديدة باتت تقترب أكثر من أي وقت مضى مع نذر الانفجار التي تلوح في الأفق والتي يقول الواقع الغزي إنها قادمة لا محالة، خاصة وأن المزاج الشعبي الآن مهيأ لتفهم وتقبل أية خطوة حاسمة لكسر الحصار، أما بعد ذلك فسيتعود العالم كله على هذا الواقع وعلى ما هو أخطر منه أيضاً في حال لم يتم استغلال هذا الضخ الإعلامي والتجاوب الشعبي معه.

ليس ثمة وقت طويل أمام غزة يتيح لها استعراض خياراتها والمراهنة مجدداً على خيار الصبر بعد أن بلغت القلوب الحناجر، المطلوب الآن تحرك شعبي واسع عنوانه معبر رفح فقط لا غير ورفض أي بدائل مسكنة أخرى تضمن فقط سد الرمق الغزي بينما تستنزف صبر وطاقة وإرادة الغزيين يوماً بعد يوم. وكما فرض حجاج غزة إرادتهم وخيارهم وأجبروا محاصريهم على الرضوخ للأمر الواقع فليتم توسيع الدائرة الآن وتسيير قوافل المرضى والجرحى والجوعى نحو المعبر ليشهد العالم كله على معاناتهم، ثم لتترك الحرية لجماهير القطاع لتقول كلمتها وتفعل فعلها وليفسح المجال لسلاح المستضعفين ولورقتهم الأخيرة ليكسرون بهما حصارهم ما دام هذا العالم لا يجدي معه استجداء ولا مناشدة كون الحرب على مشروع المقاومة أكبر من إرادة العرب العاجزين المرتهنين للقمة الخبز التي تمن بها أمريكا عليهم.

يجب أن يعلم الجميع أن احتمال الغزيين له حدود هذه المرة أيضاً وأن من حسموا أمرهم قبل ذلك مرات عديدة لن يصعب عليهم تكرار تجربة اجتثاث الداء من جذوره بعد أن اكتفى الجميع من حولهم بالتفرج على لحمهم المحترق وتركوهم بين خيارين إما الموت البطيء أو اقتلاع الشوك بأيديهم وحدهم، وحينها لن يكون خياراً أمام منظومة الحصار سوى التعامل مع الواقع الجديد كما هو أو على الأقل التراجع خطوات كثيرة إلى الوراء بعد أن تكون قواعد جديدة قد أرسيت على الأرض!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026