د أحمد يوسف المستشار السياسي لرئيس الوزراء إسماعيل هنية وإنا على فراقك يا حسام لمحزونون جاء خبر استشهاد حسام نجل الدكتور محمود الزهار على مسامعي كوقع الصاعقة لم أصدق أن حسام الذي…
د. أحمد يوسف
المستشار السياسي لرئيس الوزراء إسماعيل هنية
* وإنا على فراقك يا حسام لمحزونون
جاء خبر استشهاد حسام نجل الدكتور محمود الزهار على مسامعي كوقع الصاعقة، لم أصدق أن حسام الذي اعتدت رؤيته بجانب والده يرعى ضيوفه على مدار الساعة، سيكون لديه متسع من الوقت ليلحق بالمقاومة ويشارك مع المجاهدين في عمليات التصدي للاجتياح الإسرائيلي على قطاع غزة، وأداء واجب الدفاع عن الوطن ببسالة وشجاعة.
يا لله كم كان حسام قريباً إلى قلبي؛ أحببت فيه هدوء الطبع والخلق الحسن، وسرعة البديهة، والحس الأمني المميز.. كان أميناً على لقاءات أبيه، ساهراً على ضيوفه، خفيف الحركة وفياً وواعيًا بكل ما يدور ـ أمنيًا ـ حول المربعات التي يتحرك فيها والده، كان بحق نِِعم الولد الصالح البار بأمه وأبيه.
وداعاً يا حسام.. لقد غادرتنا إلى عليين في مشهد لن يفارق حافظة الذكريات، لن تغيب عن عيني مشاهد جسدك المسجى مُقطع الأطراف داخل ثلاجة مستشفى الشفاء بغزة، وأن قسمات وجهك الذي اعتدت على رؤيته بشكل دائم في وزارة الخارجية أو داخل صالون البيت الذي امتد ساحات لها لن تفارقني، ستظل يا حسام تسكن مواجع قلبي، وستبقى عنوانًا للحظات تجلي الشهادة التي نتطلع إليها.
لا أحد يا حسام بعيداً عنك، فكلنا طلاب هذا المجد الذي سبقتنا إليه، وكل ما يفصلنا عن جنانك ربما ساعات أو أيام، فلا أحد منا يرى في نفسه غير شهيد حي، والمسافات التي بيننا هي مساحات القدر التي تأتي مع الأجل.. فهنيئاً لك يا حسام هذه الشهادة حيث تلقى اليوم أخاك خالد وأحمد زوج أختك في الجنان.
آه يا قلم.. ماذا عساك أن تكتب عن عائلة الدكتور محمود الزهار (أبو خالد)، هذه الأسرة التي جسدت في عطاءاتها من الشهداء مسيرة فخر لفلسطين وأهلها.. فلقد قضى خالد ـ الابن الأكبر ـ نحبه تحت أنقاض البيت الذي ألقت عليه طائرات ألـ(إف 16) حمم صواريخها، وينجو (أبو خالد) حيًا من تحت أعمدة الركام، وكذلك (أم خالد) التي كتب لها القدر عمرًا جديدًا، ولكن بإصابة تجعلها لا تنسى فظاعة الجريمة التي استهدفت منزل العائلة وخلفته كتلة من الرماد.
لقد نظرت إلى وجه أبي خالد بعد ثوانٍ من رؤيته لولده الشهيد عصيّ الدم صابر محتسب، روحه وثّابة، ماردٌ لا ينكسر.. لله درك يا أبا خالد، فما أجمل أن يحتسب المرء فلذات كبده أمانة عند بارئها، وما أعظم السكينة يلقيها المولى (عز وجل) على قلوب الآباء والأمهات في لحظات تمتلئ فيها الأحداق بالدمع والمواجع.
لن يمروا بعدك يا حسام إلى أرضنا إلا على أشلائنا ودمائنا، ولن نمنح لهم هدأة ينعمون بها، وستأتيك يا أولمرت بالأخبار من لم تزودِ.
* المقاومة واجب وحق مشروع
في كل مكان على هذه البسيطة تحظى مقاومة الاحتلال بالدعم والتأييد والشرعية الدولية، ويلقى رجال المقاومة الإعجاب والتقدير والاحتضان من شعبهم، حيث تحاصرهم عواطف الشباب والأطفال باعتبارهم المثل الأعلى في الرجولة والتضحية والفداء، وترتسم لهم في الخيال الجمعي للوطن أسمى معاني الكرامة والعزة والفخار، تلاحق شهداءهم أكاليل الغار، وتطيب مواكبهم برائحة المسك والعنبر وصيحات ألله أكبر، فهؤلاء هم الذين على أكتاف تضحياتهم ترتفع الهامات، وتتعاظم بهيبتهم آمال النصر وأحلام التمكين، ومهما تطاول المحتل في عدوانه وبطشه وآلته العسكرية المدمرة، يبقى هؤلاء الأشاوس هم الرد الذي يُشفي صدور قومٍ مؤمنين.
اليوم سقط شهداء، ليغذوا بدمائهم نبت آلافٍ على دربهم، يعاهدون الله أن لن تسقط البيارق، وستظل قافلة الجهاد ماضية في طريقها حتى تحط رحالها في رحاب المسجد الأقصى وأكناف بيت المقدس، ويتحقق وعد الآخرة ليسيئوا وجوه الصهاينة المحتلين.
لاشك أن المقاومة الفلسطينية المحاصرة إسرائيليًا وعربيًا ودوليًا استطاعت بإمكاناتها الذاتية أن تطور قدراتها العسكرية القتالية والأمنية بطريقة أصبحت تقض مضاجع الإسرائيليين، فهم يتخوفون من شبح ذلك اليوم الذي قد تفجأهم فيه المقاومة بأسلحة جديدة لم تكن تخطر على بال أجهزتهم الأمنية وقادتهم العسكريين، كما حدث في لبنان في حرب ألـ 33 يومًا، حيث تلاعب بهم مقاتلو حزب الله، واستدرجوهم إلى مقاتل وهزائم لم تكن تخطر على بال أحد منهم.
* وعلى خطاهم يُقتفى الأثر
إن تجربتي في الحياة أخذتني إلى بلاد بعيدة عايشت فيها شعوبًا قاتلت من أجل استقلالها، فقد شاهدت في أفغانستان كيف استطاع المجاهدون بقلة عددهم وبساطة عتادهم أن يواجهوا الاتحاد السوفيتي الدولة العظمى في العالم، وينجحوا في تكبيد جنود السوفيت الخسائر الفادحة في جبال الهندوكوش وبكتيا وقندهار، حتى لم يمض عقد على هذه المواجهات المسلحة والملاحم حتى خسرت الدولة العظمى الحرب وخرجت صاغرة، وشهد العالم سقوطها وتفككها بعد أقل من سنتين على انسحابها من أفغانستان.. وهذا المشهد تكرر في فيتنام، حيث خسرت أمريكا الحرب بعد أن دفعت فاتورة باهظة من جنودها وعتادها، حيث لم يستسلم مقاتلو الفيت كونج، وظلوا يلاحقون الجنود الأمريكيين الفارين إلى عقر دارهم، حيث كانت طائرات الهيلوكبتر العسكرية تحط على ظهر السفارة الأمريكية في سايجون لنقلهم إلى السفن التي كانت بانتظارهم في عرض البحر.. مشهد دراماتيكي لم يغب عن ذاكرة الأمريكيين، وشكل لهم ما يسمى بـ"عقدة فيتنام".
مثل هذه الانتصارات التي تمثل غلبة "الفئة القليلة" على "الفئة الكثيرة" شاهدناها على طول المسيرة النضالية للشعوب قديمًا وحديثًا، وقد عبر عنها أرنولد تومبي بجدلية التحدي والاستجابة، حيث الإرادة تغلب القوة، والدم يعلو فوق السيف، ويتطاول الكف على المخرز.. شاهدناها في المغرب العربي عندما هتفت جبهة التحرير وشعب الأوراس " وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر"، وشاهدناها في جنوب أفريقيا في المسيرة النضالية لنلسن منديلا وفي أيرلندا الشمالية لمايكل كولنز، وفي لبنان لحزب الله والشيخ حسن نصر الله.. هذه الشواهد كلها تجسد انتصار جهد الاستطاعة على القوة القاهرة، وإن قوة الحق أطول نَفسًا وأشد عزيمة من حق القوة.. ولذلك، فنحن لن نقول في المقاومة وإمكانياتها إلا ما قالته بلاغة الشعراء يومًا ما إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.. فالمقاومة ستنتصر بقوة الحق والعزيمة، وسيهزم جمع بني صهيون برغم كل ما لديهم من قوة ظالمة وجبروت.
إن هؤلاء الشهداء والمجاهدين في القوى الوطنية والإسلامية هم الأكرم منا جميعًا، وهم الوجه المضيء لشعبنا في الداخل والخارج، فالمقاومة ستبقى هي الظاهرة النبيلة في المشهد الفلسطيني المشرق، حيث إن هذا الشعب لم يتخل يومًا عن المطالبة بحقه في استعادة حريته ووطنه السليب، وبقى رجاله على درب الكفاح ونهج المقاومة ما وسعتهم ساحات المجد والوغى.. ففي عشرينيات القرن الماضي تصدوا لقوات الانتداب البريطاني، ثم للعصابات الصهيونية قبل النكبة، ثم انخرطوا في العمل المسلح والمنظم في الخمسينيات والستينيات حتى وقعت النكسة، وبعدها أخذ النضال الفلسطيني أشكالا مختلفة تراوحت بين الكفاح المسلح والعمل السياسي حتى يومنا هذا، ما وهنوا وما استكانوا لأن مطلب الشهادة كان يسري في دمائهم، وهم يتوارثونه جيلا بعد جيل.
فهنيئًا لشهداء غزة وجباليا وخانيونس والمغازي والبريج ورفح، فدماؤكم عطر رؤوسنا، وتاج العزة والشرف لكل من يأتي بعدكم.. الكل يرحل ويدركه الموت، ولكنَّ موت الكرام بالشهادة حياةٌ في مواطنهم.
وداعًا يا حسام، وداعًا يا صناديد القسام، ولكن إلى لقاء.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع