عن زيارة الضيف الثقيل (1)

عن زيارة الضيف الثقيل (1)

رشيد ثابت
2008-01-11

زيارة بوش للمقاطعة لم تخرج عن فولكلور أمريكي وغربي عام في التعامل مع الحكومات الدائرة في فلكهم بشكل عام هذه الجمهوريات الموزية تحتاج لحفلات موالد سياسية وإعلامية تقام على شرفها…

زيارة "بوش" للمقاطعة لم تخرج عن فولكلور أمريكي وغربي عام في التعامل مع الحكومات الدائرة في فلكهم. بشكل عام هذه الجمهوريات الموزية تحتاج لحفلات موالد سياسية وإعلامية تقام على "شرفها" – وكلمة شرف كما ترون جاءت بين علامات تنصيص - لشد أزرها في مواجهة أممها وحقوق شعوبها؛ وأيضا في مواجهة ضغط المنطق الذي يقول أن استقبال قبلة أمريكا خطيئة كبرى. لا بد من "أنابوليس" تُدعى له خمسون دولة لشد أزر من يقرر بيع ثوابت شعبه وتجاهل إرادته. لا بد من عقد مؤتمرات في شرم الشيخ ومنتديات في "دافوس" لضمان ضخ الطاقة في مشروع الأمركة لأنه مشروع ضد الحركة الطبيعية للتاريخ وضد آمال الأمة ويفتقد لقوتها الدافعة.

لكن أهم من هذه المؤتمرات تأتي زيارات الرئيس الأمريكي أو المسؤول الغربي للبلد التابع. هذه الزيارات تمثل نهاية الأرب في دعم الزعيم التابع الذي دخل بيت الطاعة هو وحفنة المنتفعين حوله. يذكر التاريخ زيارة "كارتر" للسادات بعد أن مضى في طريق "كامب ديفيد"؛ ونذكر كيف توافد المسؤولون الأمريكيون والأوروبيون – بمن فيهم "توني بلير" – على لييبيا بعد أن قررت دخول درب "الاعتدال". ونحن في فلسطين لن ننسى زيارة "كلينتون" لنا لمباركة حلق كرامة حركةٍ كانت تعمل للتحرير الوطني. يومها شاهدنا على شاشات التلفزيون كيف جرى التصويت على إلغاء عروبة وفلسطينية فلسطين بطريقة مخزية. ولم يخفف من قبح ما جرى "استظراف" ياسر عرفات وهو يدير نقاش "الكتل" الحاضرة التي بصمت أكثرها على الموافقة بشرعية "الكوتة"؛ أو عارضت وهي متأكدة أن معارضتها كانت فقط لإكمال ديكور "ديمقراطية" مشهد إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني.

والآن زار "بوش" فلسطين لأهداف شبيهة؛ لكن "بوش" يفتقد رصانة وتصنع "كلينتون" المتقن؛ وعباس وحفنة مستشاريه يفتقدون "بالكشرة" التي تلف وجوههم ظُرْفَ ياسر عرفات. صحيح أن وجوههم كادت تتمزق وهم يضحكون ويبشون ويقبلون كل عضوات وأعضاء الوفد الأمريكي لكن بقي "ثقل الدم" يفرض نفسه على سِحَن القوم. بيد أن أهم ما يفتقده الحدث هذه المرة هو عنصر التشويق. فقط في المرة الأولى من عَرْضِ فُرَصِ السلام؛ وفقط عند توقيع الاتفاقية الأولى؛ وفقط في المرة الأولى التي يقال فيها أن هذه "فرصة تاريخية" لصنع السلام وتحويل فلسطين إلى "سنغافورة" الشرق – فقط في المرة الأولى من كل هذه المواعيد يمكن لبعض الناس أن يصدقوا أن هذا سيحدث فعلا. أما حين تتكرر "مواعيد عرقوب" هذه مرات عديدة ويكون حصادها في كل مرة هشيما ومرًّا وعلقمًا وخفضًا للسقوف فلن يصدقها إلا صاحب مرضٍ في عقله؛ أو صاحب غرضٍ في نفسه الخبيثة لنقل مثلا؛ شخصٌ عينه على حصة من مليارات باريس.

ومع ذلك تبقى أهمية الزيارة في اسناد المَزُورين – عباس وفريقه – و"عمرين أهل رام الله والخليل وغزة ما صدقوا" أن هناك فرصة للسلام. المهم أن يشعر فريق "اللا شرعية" بشيء من الاهتمام الدولي والتكريم. ألم تَرَوْ السجادة الحمراء الطويلة؟ أَوَلَم تَرَوْ حرس "الشرف" الفلسطيني؟ (راجع ملاحظتنا بخصوص الشرف أعلاه) فهل هناك شك بعد ذلك في أننا بدأنا إذًا في فرض أول ملامح سيادتنا؟

صحيح أن نسبة المسلحين الأمريكان إلى نظرائهم الفلسطينيين في المقاطعة كانت عشرة إلى واحد؛ وصحيح أن أمريكا تعاملت مع مواقع الزيارة كبيت بلا صاحب "فقامت وشالت وحطت" كما تحب؛ إلا أن هذا يبقى يسيرًا بجنب أن يزور "بوش" رام الله. الشيء الوحيد الذي لم أستطع أن أتقبله بسهولة كان ما ذُكِر عن استقدام الأمريكان خمسة عشر كلبًا "بوليسيًّا" مدربًا للمساعدة في إجراءات الأمن. كانت هذه طعنةً نجلاء في كرامة الكلاب "البلدية". هل الكلاب "الوطنية" الفلسطينية عاجزة عن حماية الزيارة خصوصًا وإنفاذ خارطة الطريق عمومًا؟ ألن يعقد أيٌّ من السيدين "جمال محيسن" و"عبدالله كميل" مؤتمرًا صحفيًّا يوضح للسادة "اليانكي" أن نقص ثقتهم في كلاب فلسطين ليس في محله أبدًا؟

وبعيدًا عن الهزل؛ لم تكن أجهزة حكومة فتح "قطروزًا" للأمريكان وحسب (احتل الأمريكان المقاطعة أثناء الزيارة وأجلسوا الكثيرين من رجال أقصد "ذكور" الأمن الفلسطيني في بيوتهم) بل شاركت "إسرائيل" في البازار الأمني على طريقتها وجمعت قادة أجهزة محمود عباس – إعلام فتح رفع القيمة المعنوية لهذا الاستدعاء وسماه اجتماعًا مشتركًا – وشرحت لكل واحد منهم حجم دوره في إنجاح الزيارة؛ وجمعت منهم تقارير عن عملهم ضد "المتطرفين" أعضاء حماس وزودتهم بتعليمات للمرحلة التالية. نعم فنحن الآن في "أفضل" سنوات التنسيق الأمني ومشروع السلام استعاد أهم مخرجاته قيمةً؛ وهي تحويل فريق من الفلسطينيين إلى عملاء ليس من عقيدتهم قتال "إسرائيل". هذا ليس افتراءً أو تَقَوُّلا؛ فوزير داخلية فتح قال بالحرف الواحد – لدى سؤاله عن سر عدم تصدي جحافل قواته لاجتياح نابلس – بأن قتال "إسرائيل" ليس من مهمات الأمن الفلسطيني. وأضاف الوزير عبدالرزاق اليحيى "للأمن الفلسطيني أربع مهام وهي حماية الشواطئ والحدود والدوريات الخارجية وحماية المنشآت الهامة". أرأيتم أن الحق كل الحق هو على حماس؟ لو أنها حفرت بحرًا عند نابلس وصارت جبل النار مدينة شاطئية لأمكن "لذكور" الأمن الفلسطيني الدفاع عن نابلس ولأمكنهم التهرب من مهمة مساعدة الاحتلال في اجتياحها والقضاء على آخر جيب شريف في كتائب الأقصى فيها وفي فلسطين كلها.

وإن كان كل هذا الذي سبق نبذةً عن الجانب الأمني في فعاليات مولد السيد "بوش"؛ فإن الجانب السياسي للتحضير للزيارة واستقبالها جديرٌ بالملاحظة أيضًا. هذه الأيام – من "أنابوليس وجر" – هناك لازمة تتردد في أفواه مسؤولي فتح عن ضرورة عدم "رفع سقف التوقعات" من هذا المؤتمر أو ذلك اللقاء. هذه الجملة المعترضة معنويًّا هي أفضل ما يحكي قصة العقل الرغبوي المتبع للهوى لمنظري فتح ومحلليها. بالنسبة لهم يمكن البحث في نوايا وماورائيات كل الأفعال الخيِّرة للآخرين وكشف أنها باطل دون سند من حق أو منطق واعتمادًا فقط على الرأي. ويحظر في الوقت نفسه كشف خطل وخطأ فتح من عين أفعالها وأقوالها واضحة الانحراف والضلال – كتسيير دوريات مشتركة مع المحتل وبيع السلاح وتجريم المقاومة – لأنه يوجد لذلك كله تأويلات وطنية مخلصة لم يسبر غورها إلا الراسخون في المفاوضات! لكن أمام إلحاح الفشل والخراب الذي تجلبه المفاوضات علينا كفلسطينيين فقد اخترعت فتح إطلاق هذه الكلمة (عدم رفع سقف التوقعات) لتستدعيها لاحقًا بعد خراب مالطا كشاهد زور على صحة رؤية فتح. "مش حكينالكم ما ترفعوا سقف التوقعات في أنابوليس" وأن المهم هو ما بعد أنابوليس؟" وما إلى ذلك من الهذر...

ومع هذا فإن الزيارة حركت عواطف القوم وجعلت النشوة تدب في أوصالهم وجعلت سقف آمالهم يرتفع. نبيل عمرو أحد أعمدة إعلام فتح كتب مقالا في جريدته ("جريدة اللي خلفوه كمان" إن لم يعجبك أيها القارئ...وهو يتقاضى عليها من "الوطن" مستقطعًا شهريًّا بعشرات آلاف الدولارات) وتوسل في مقاله هذا لبوش أن يعطيه دولة فلسطينية. كيف لسياسي "مثقف" – كما وصف نفسه وفريقه في نفس المقال - وإعلامي قديم في "الثورة الفلسطينية" في العقد الخامس أو السادس من عمره أن يتكلم مع "بوش" وكأنه طفل يستعطف "بابا نويل"؟ ويريد منه أن يضع له في ليل الزيارة البهيم دولةً في الجورب المعلق على الشجرة المضيئة؟ ولم يكن "نبيل عمرو" المتأمل والطامع الوحيد بكرم بوش. كثيرة كانت المقالات التي كتبها والتصريحات التي نطق بها فتحويون أو شبه فتحويين وتحدثوا فيها عما يأملونه من بوش. هل صارت الحقوق والرغبات تنتزع باستعطاف قادة القوى الكبرى؟ لكن ما دام سر السيد بوش "باتعًا" هكذا فأنا أنصح باقي مسؤولي فتح ورفاقهم أن يطلبوا ما ينقصهم هم أيضًا. مثلا يمكن لبعض قادة الأمن أن يسألوا بوش بعض الكرامة (يلزم آخرين منهم أن يسألوه كرامةً وشرفًا أيضًا) ويمكن لناطقي فتح أن يسألوه مساعدة في التغلب على مشكلة الكذب اللاإرادي المستمر في كل أقوالهم (أخشى أن يصابوا بعد تلقي هذه المساعدة بالخرس الدائم) ويمكن لمعالي مؤسسة ياسر عبدربه للمقاولة على الشعب الفلسطيني أن يطلب من "سانتا كلوز" أن يعطيه في العام الجديد فقط عشرة فلسطينيين يمكن أن يوافقوا على ما يقوله؛ شريطة أن تكون إرادتهم حرة سواء من الملاحقة الأمنية أو قطع الرواتب. عشرة فإن لم تستطع يا بوش فأربعة...المهم أن يخرج الرجل من لازمة "القردين والحارس"!!!

لكن نبيل عمرو لم "يتشحتف" على الدولة لأنه يريد الاستقلال والأرض والقدس وفلسطين؛ فهذه المفردات سقطت من خطابه وخطاب فتح وبالثلاثة. الرجل يريد الدولة لأنها بحسب فهمه "الوصفة المضمونة" لاستعادة غزة. فلسطين ليست محتلة منذ ستين عامًا. هناك فقط مقرات للأمن كانت فتح تمارس منها التنسيق الأمني والعربدة في غزة وهي خضعت لاحتلال حماس منذ أكثر من نصف عام؛ وحريتها وعودتها لفتح صارت هي قضية الشعب الفلسطيني!

بهذه العقلية المنكبة على أقدام بوش باع القوم كل شيء؛ ففرطوا في سيادتهم على أنفسهم في مقرهم المقاطعة؛ وفرطوا في شكليات من قبيل أن يزور بوش قبر عرفات (كأنهم لم يقتلوه ويتستروا على قتلته ليكترثوا بقبره زِيرَ أم لا!) مع أنه لن يغادر فلسطين حتى يمر على مقر تخليد المحرقة المزعومة لليهود في ألمانيا. وفي حين تظاهر "إسرائيليون" في القدس الغربية ضد الزيارة وسموا الضيف مجرمًا وقاتلا؛ فإن المظاهرة الضيقة التي خرج فيها أصدقاء فتح من فصائل المنظمة وأصدقاء آخرون لهم – هذه المظاهرة تعرضت للضرب والتنكيل والتفريق بالقوة. ولا تسأل عن معارضة حماس فهي خارجة على شرعية الخيانة ويتم تبادل اعتقال وملاحقة عناصرها بين أجهزة فتح وأجهزة الكيان.

أتوقف اليوم هنا مع وعد بالعودة غدًا إن شاء الله للحديث عن طرائف الزيارة؛ ونتائجها؛ والحديث عن جانب مهم فيها يتعلق بما سأسميه امتهان الكلمات أو "الاستهبال اللغوي" في المفاوضات؛ فإلى لقاءً قريب بإذن الله!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026