جرت العادة أن يحيط أي تحرك أمريكي سياسي في المنطقة هالة وجلبة إعلامية كبيرة تحاول الإيحاء بأن ثمة تغيرا إيجابيا حقيقيا على صعيد التسوية السلمية في منطقة الشرق الأوسط في طريقه للإنجاز…
جرت العادة أن يحيط أي تحرك أمريكي سياسي في المنطقة هالة وجلبة إعلامية كبيرة تحاول الإيحاء بأن ثمة تغيراً إيجابياً حقيقياً على صعيد التسوية السلمية في منطقة الشرق الأوسط في طريقه للإنجاز، ومن الواضح أن مثل هذه الدعاية لازمة للإدارة الأمريكية لتجميل مواقفها السياسية الخارجية والتغطية على إخفاقاتها في كثير من الملفات ولتحصيل إنجازات سياسية داخلية في نهاية ولاية الرئيس الأمريكي.
وقد تابع الجميع حجم الضجة التي رافقت مؤتمر أنابوليس الذي رعته الإدارة الأمريكية رغم أن سيل الوعود التي قطعها كل من بوش واولمرت حينها أمام الوفود العربية المشاركة وفريق التسوية الفلسطيني تم إسقاطها أسرع مما كان متوقعاً بعد أن أعلنت إسرائيل عن استئناف نشاطاتها الاستيطانية بمجرد أن انفض سامر المؤتمر!
والأمر ذاته يتكرر الآن مع زيارة بوش المرتقبة للمنطقة والتي بات ملاحظاً أن الأطراف العربية وخصوصاً فريق المقاطعة وحدهم من يعول عليها (كالعادة).
ولهذا نجد أن سلطة رام الله تجهد نفسها كثيراً في استباق هذه الزيارة بخطوات (حسن نية ) كثيرة على الأرض يبدو أنها تأمل من خلالها أن تثبت لبوش – عبر ما سيقدمه له وكيله دايتون من تقارير - أنها ماضية في تنفيذ التزاماتها الأمنية على أكمل وجه، وقد كان ملاحظاً خلال الأسبوع الفائت أن وتيرة التصريحات التي رافقت الخطوات الأمنية لسلطة عباس على الأرض بلغت حداً غير مسبوق من الانحراف الوطني وبات أقل ما يقال فيها إنها عمالة مكشوفة، ومن ذلك تأكيد وزير داخلية حكومة فياض عبد الرزاق اليحيى بأنه ما عاد هناك شيء اسمه كتائب الأقصى على الأرض، وقبله تفاخر فياض والمالكي بإلقاء القبض على عدد من منفذي عملية الخليل وإعلانهما تسليم سلاح الجنديين القتيلين للجانب الإسرائيلي، وكذلك تصريح المدعو عبد الله كميل مدير مخابرات نابلس بأن حرب أجهزته الأمنية على فصائل المقاومة وتحديداً حماس أنجع من تلك التي تشنها عليها قوات الاحتلال، وأنه ليس هناك حاجة لتدخل إسرائيل و (إحراج السلطة) ما دامت الأخيرة تقوم (بالواجب) وزيادة!
وكان ملاحظاً تركز الاعتقالات التي تشنها الأجهزة الأمنية في صفوف نشطاء حماس والجهاد في منطقة رام الله مؤخراً حتى وصل الأمر إلى اعتقال القياديين في حماس حسين أبو كويك وفرج رمانة وتعذيبها لساعات طويلة ثم إفساح المجال أمام إسرائيل لتكمل المهمة باعتقالهما، الأمر الذي يبدو أنه لرفع الحرج عن عباس في حال تمت مطالبته بإطلاق سراحهما من خلال قيادات الفصائل الأخرى، أو أنه لسحب الذرائع من حماس بما يحول دون وضعها شروطاً مقابلة لشروطه التعجيزية لاستئناف الحوار.
وفي الوقت ذاته نجد فيه أن الإجراءات الصهيونية التصعيدية لا تعبأ بأي حراك سياسي في المنطقة، وما كانت إسرائيل لتقدم على كل خطواتها الأمنية والاستيطانية بعد مؤتمر أنابوليس لولا ثقتها بأنها ممنوحة مسبقاً ضوءاً أخضر للمضي حتى آخر حد في تطبيق سياسات الأمر الواقع، بغطاء أمريكي وباطمئنان إلى أن هشاشة موقف الفريق الفلسطيني المفاوض أعمق من أن تغير شيئاً من موقفه من العملية السياسية ومسار التسوية، وبعد أن بات أكيداً أن خيار التسوية هو الوحيد المتاح أمام فريق المقاطعة مهما كانت مهينة ومجحفة.
ولا شك أن أكثر ما يطمح له طاقم المفاوضات البائس لسلطة المقاطعة من زيارة بوش أن يخرج الأخير برزمة تصريحات إعلامية تتعلق بوعود وهمية حول تجميد الاستيطان وتطبيق خارطة الطريق واستئناف المفاوضات، ومثل هذه المسكنات لازمة جداً لفريق المقاطعة لأغراض التسويق الإعلامي وتجنباً للحرج الذي توقعهم فيهم دائماً إجراءات إسرائيل على الأرض من اغتيالات واجتياحات واستمرار في الاستيطان، وخاصة مع غياب (شماعة) المقاومة حالياً وتحديداً العمليات الاستشهادية التي كانوا دائماً يعلقون عليها أسباب فشلهم وتنكر إسرائيل لوعودها لهم.
أما إسرائيل فهي تدرك أن التزام بوش الحقيقي والتاريخي بمصالحها أكبر من أن يدفعه لحملها أو على الأقل للطلب منها بأن تغير من سياساتها شيئا، فالعلاقة العضوية بين الجانبين تجعل من هذه الزيارة مصلحة صهيونية بحتة تماماً كما كان حال مؤتمر أنابوليس الذي مررت معه لافتات خطيرة جديدة كأمر واقع، وكما سيكون حال أي تصعيد أمريكي أو دولي فيما يخص الملف الإيراني بشكل خاص ومختلف عناصر محور الممانعة في المنطقة بشكل عام.
أما بخصوص الحوار بين حماس وفتح فالمتوقع أن تنعكس زيارة بوش سلباً على أية إمكانية جديدة للتقارب وستجد السلطة أن من العسير عليها التضحية بوعود بوش (الوهمية) على الصعيد السياسي مقابل إحداث تقارب مع حماس أو أن تغامر بخسارة المليارات الموعودة بها بغض النظر عن الثمن الباهظ المطلوب منها أمنياً وسياسياً.
لن نقول إنه لن يمضي وقت طويل قبل أن تدرك سلطة المقاطعة حجم الوهم الذي تم بيعه لها، وكيف أنها كانت ولا زالت مجرد مطية لتصفية القضية وحماية أمن الكيان الصهيوني، وذلك لأن هذا الفريق قد وعى دون شك من تجاربه السابقة حقيقة الأرض التي يقف عليها وطبيعة الدور المنوط به والثمن الذي جناه مقابل بيعه القرار الفلسطيني الوطني الحر، وفي ظل هذا الإخلاص الهستيري للإملاءات المفروضة عليه فلا يتوقع من هذا الفريق سوى الإمعان في الجرائم الوطنية والسياسية حتى يلاقي النهاية المحتومة التي كانت جزاء من ارتضى القيام بدور شبيه بدوره عبر التاريخ.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع