ومـشـوا فــي جـنــازته!!

ومـشـوا فــي جـنــازته!!

د. صلاح البردويل
2004-11-23

كان ذلك قبل عشرين عاما بالتمام كنت امامها اعد رسالة الماجستير في القاهرة حينما شعرت بالملل فخرجت ماشيا من بيتي الى بيت صديقي في امبابة وكان بيته ملاصقا للمستشفى المركزي هناك صعدت…

كان ذلك قبل عشرين عاما بالتمام ،كنت امامها اعد رسالة الماجستير في القاهرة ،حينما شعرت بالملل فخرجت ماشيا من بيتي الى بيت صديقي في امبابة، وكان بيته ملاصقا للمستشفى المركزي هناك .صعدت الدرج الايل للسقوط ،وكأنني صعدت الى الهاوية ،كل شيء في نهاية الدرج يهتز ،ولا يصل الواحد الى قمته حتى يدب الاعياء في جسده ،ويداهم الغروب ، جلست في شرفة المنزل المواجهة للمستشفى أتأمل غروب الشمس من ركام البيوت وملايين البشر وقد توشحت بغبار الطريق الذي يحمل الى انفي روائح تذكرني برائحة تراب القبور !

"عزيزة ماتت "!! فاجأتني الصرخة العالية واخرجتني من حساباتي الفلسفية التى كنت قد شرعت باستحضارها ،وانا ارى كل شيء من حولي يتهاوى ،التفت بانقباض الى جهة الصوت لابحث عن ام تبكي او اخت فقدت اختها ،او بنت فقدت امها الحنونة عليها ،فما وجدت سوى امرأة تتوشح السواد ،مملوءة الجسد ،نشيطة الحركة ،قد عصبت رأسها باحكام ،لا يبدو عليها اي اثر للحزن،تمضغ اللبان ،توسطت مجموعة من النساء الاقل منها بدانة ،واقل حيوية .قلت اللهم اجعله خيرا !! ،ترى من هي عزيزة التى ماتت ؟!لا شك انها اسم على مسمى ،لهذا اعلن عن موتها بصرخة مدوية كان صديقي في المطبخ يعمل الشاي ناديته مستعجلا فهم الامور التى بدأت تتطور سيارة فارهة تتوقف بالقرب من باب المستشفى ،امرأة شقراء الشعر ،تضع على عينها نظارات سوداء ،ويحيط بها الحراس الذين يلبسون نظارات سوداء ، ايضا ينزلون محيطين بها ويدخلون باحة المستشفى بهمة عالية .

مع وصول صاحبي يحمل الشاي كانت سيارة اخرى ،وسيارة ثالثة ،وسيارة رابعة تصل الى المكان ،قلت يا فرحتك اليوم يا بائع النظارات السوداء !! ،كلهم يحيط بهم حراس مستنسخين من وكر واحد ،وبالطبع فليس لسواد العيون ولا لسواد النظارات اجتمعوا ،ولكن في الامر لغز لن يفسره لي سوى صديقي الذي وضع الشاي وسخر من متابعتي للامر ،وقال تفضل اشرب الشاي ،ولا تنتبه لهؤلاء الناس ،كل يوم يمر علينا من امثالهم الكثير ،كانت كل سيارة من سيارات النظارات السوداء ترسل مندوبا الى جماعة النساء المتشحات بالسواد اللاتي صرخت ابدنهن قبل قليل "عزيزة ماتت ،قلت ما الامر يا صديقي ؟ومن هي عزيزة ؟ وما هذه الوفود ؟!! نظر بنصف عين الى المشهد وابتسم ،ثم قال حسب خبرتي ،بان عزيزة كما يبدو امرأة فاحشة الغنى ، وان هؤلاء الوفود من اقربائها ،وورثتها واصدقائها وكلهم جاء للمجاملة او لطرق الحديد وهو ساخن ،وحضور المولد قبل ان ينتهي الحمص .قلت وما هذه الكتلة السوداء من النساء ؟ ولماذا يرسلون اليها بالوفد بعد الوفد ؟قال يبدو انك ضعيف الخبرة يا عزيزي؟ الا تعرف الندابات ؟! قلت اسمع .قال هذه الفرقة من  النساء لا عمل لهن سوى تشييع جنائز الاغنياء ،بالصراخ والتعديد ،ومن ثم يقبض الاجرة من الورثة الذين يدفعون ،حسب قدرتهن على تلميع اسمائهم ضمن جمل التقدير !! قلت بالفعل ،ها انا اراهن يبدو ان الصراخ بعد ما اتفقن مع احد الوفود على السعر .قال لقد فازلانه دفع لهن اكثر ،وها انت ترى كيف شمخ وارتفعت هامته .قلت لا احد منهم يبكي الفقيدة !! قال ولماذا يكلفون انفسهم عناء البكاء المصطنع ،وهم يجدون من يؤجر دمعه وحنجرته مقابل المال !! بل فتات المال الذي سيقبضونه هم بالملايين

كانت الشمس توشك تماما على دفن نفسها بين البيوت الكئيبة الصامتة ،وكانت الحسرة تملأ نفسي على ما ارى لماذا استحضر المشهد اليوم بعد عشرين عاما ،وانا اتابع اخبار صحة الرئيس عرفات ؟! هل من الممكن ان تتحول وفود باريس الى ذوي النظارات السوداء ؟وهل من المعقول ان يرضى احد من شعبنا ان يتولى دور الندابات ،مقابل العطاءات والامتيازات ،تمهيدا لما هو آت ؟! هل بالفعل ستطرح  في سوق النخاسة الولاءات ؟ اهذا هو مختصر القضية ؟! اليست هذه خيانة للرئيس عرفات ؟! اغاية الامر ان يتحول شعب مرابط الى حفنة من الندابات لصالح حثالة من السادات ؟! الذين يفرشون درب المفاوضات  بالعطاءات ؟! اما انا فاقول ان ذلك من عاشر المستحيلات .

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026