من المعروف أن سياسة الاعتقالات كانت ولا زالت السلاح الصهيوني الأبرز لمواجهة المقاومة الفلسطينية ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إن حركة حماس هي الفصيل الأكثر عرضة للاستهداف بالاعتقال…
من المعروف أن سياسة الاعتقالات كانت ولا زالت السلاح الصهيوني الأبرز لمواجهة المقاومة الفلسطينية، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إن حركة حماس هي الفصيل الأكثر عرضة للاستهداف بالاعتقال والملاحقة، خاصة وأن تلك الاعتقالات التي تنفذها قوات الاحتلال في صفوف الحركة لا تقتصر على المقاومين بل تطال الناشطين في جميع مفاصل العمل دعوياً وسياسياً وعسكرياً وإعلامياً وطلابياً ونقابياً وخيرياً وأي مجال تخوضه حماس.
وهذا الأمر ليس جديداً على الحركة بل هو قائم منذ انطلاقتها قبل عشرين عاما، حين طالت موجة الاعتقالات الأولى المؤسس الشهيد أحمد ياسين وعدداً كبيراً من قادة وكوادر الحركة في الضفة وغزة بعيد اندلاع الانتفاضة الأولى وحين تبين أن لحماس بصمات واضحة ونوعية في توجيهها والمشاركة الفاعلة فيها.
وإن كان الصمود الأسطوري الذي سجله مبعدو حماس إلى مرج الزهور قد أغلق ملف الإبعاد الجماعي إلى الأبد، فإن سياسة الاعتقالات ما فتئت مفتوحة على مصراعيها، وهي منذ الاجتياح الصهيوني لمدن الضفة عام 2002 باتت تتخذ شكلاً استئصالياً مبرمجاً بحيث يضمن لقوات الاحتلال الإبقاء على حماس في الضفة في حالة شلل تجعلها رهينة لامتصاص الضربات الاعتقالية المتتالية التي تمس مفاصل العمل الحركي وتؤخر عملية النمو والصعود الطبيعي للحركة وتبقيها في حالة طوارئ دائمة.
والحقيقة أن هناك أبعاداً وأهدافاً عدة لهذه الحملة الشرسة بحق حماس في الضفة، والتي كما سبق وقلنا ليست مستجدة ولا حديثة في تاريخ الحركة، اللهم إلا أنها تزداد شراسة في ظل أجواء المصالحة والتفاهم الصهيونية الفلسطينية وفي ظل جلسات التفاوض العقيمة التي تفضي – على صعيد الأسرى – عن إفراجات عن نوعية معينة من الأسرى مقابل غض الطرف عن تعويض العدد المفرج عنه بالمئات من عناصر حماس الذي يشكل اعتقالهم مصلحة صهيونية فتحاوية مشتركة!
ومن أهم ما تشي به حملات الاعتقال الشرسة في صفوف حماس من أهداف ودوافع هو أن حماس محارَبة كفكرة وكمشروع وليس فقط كحركة مقاومة أو كتنظيم يحمل برنامجاً سياسياً مناوئاً للاحتلال، فحين تطال الاعتقالات الأئمة والعلماء وأعضاء المجالس البلدية ومحاضري الجامعات ورموز العمل الخيري والإغاثي المحسوبين على الحركة فهذا يعني أن الحرب التي تشن على الحركة شاملة وواسعة وترمي إلى استئصالها كفكر مؤثر وكمنهج فاعل له وزنه على الساحة وقادر على زعزعة أركان الأفكار والمناهج الأخرى ذات الأثر والامتداد المحدودين، والتي يكمن خطرها فقط في عناصرها المقاومة.
يضاف إلى ذلك أن الاحتلال وهو يشن حملاته المتواصلة على حماس في الضفة يضع نصب عينيه على الدوام التجربة الغزية التي أفضت إلى قوة وبأس شديدين في واقع الحركة حين تعذر استنزاف عناصر حماس في القطاع وعاشت فترة انتعاش على صعيد العمل وحرية التحرك دون خسارات بشرية كبيرة وخاصة منذ الانسحاب الصهيوني من غزة، الأمر الذي ساهم في إفراز كم كبير من القيادات السياسية والعسكرية على حد سواء، وساهم في تمكين حماس وزيادة قوتها واتساع نفوذها ودائرة تأثيرها.
ولذلك وجدنا أن طبيعة الضربات الموجهة لحماس في الضفة جزء كبير منها استباقي أو وقائي – وفق المفهوم الصهيوني – بحيث يهدف لإزالة كل عوامل وأسباب النهوض للحركة ويعمل على عدم إعطائها أية فرصة لالتقاط الأنفاس واسترداد العافية، خاصة وأن أي نهوض سريع للحركة سينعكس إيجاباً على الصعيد العسكري ويفضي إلى إعادة تشكيل الخلايا العسكرية لجهاز القسام في زمن قياسي كما حدث عشية انتفاضة الأقصى.
ولا شك أن ثمة هدفا جوهريا آخر أضيف حديثاً للأهداف السابقة وهو التطورات الأخيرة التي حدثت في القطاع وحرص كل من (إسرائيل) وفتح على عدم السماح لحماس بأن تعيش ظروفاً طبيعية تتيح لها إجراء علاج جراحي لأي مخطط استئصالي يستهدفها. ولهذا نجد هذا التبادل المكشوف للأدوار بين قوات الاحتلال وأجهزة عباس الأمنية في اعتقال كوادر حماس في الضفة، فما إن ينهي المعتقل محكوميته في السجون الصهيونية حتى تتخطفه مسالخ أجهزة عباس، وما إن يخرج معتقلو حماس من سجون السلطة حتى تكون له سجون الاحتلال بالمرصاد وهكذا.. في عملية استئصال بشعة وتنسيق علني بين الجانبين، خاصة وأن ثمن المليارات التي تتلقاها حكومة عباس بات يدفع من أعمار نشطاء حماس وقادتها المجمع على (أهمية) تغييبهم واستنزافهم فتحاوياً وصهيونياً.
غير أن عزاء حماس الدائم إزاء كل ما تتعرض له اليوم من هجمات مسعورة هو أن أثر حملات الإضعاف التي تواجهها سيبقى ظاهرياً في حقيقته، بمعنى أنه قد يمس نشاطها العلني وحراكها الميداني وحسب، لكن مكامن القوة الأصيلة تبقى سليمة، بل وتزداد صلابة كلما عاركت المحن، ذلك أن حماس اليوم لم تعد حزباً يقتصر وجوده وأثره على أفراده المنظمين بل إنها حاضرة على الدوام في وجدان شعبها وأمتها، وهناك قطاع عريض من الشارع الفلسطيني نفسه ونبضه مع حماس حتى وإن اقتضت المصالح المادية لجزء منه الانحياز لفتح، أو عدم المجاهرة بتأييد حماس والدفاع عنها.
وكلنا رأينا حجم الحضور الذي سجلته حماس عشية انتفاضة الأقصى سياسياً وعسكرياً، بعد أن كان زبانية الأجهزة الأمنية قد اطمأنوا إلى أنهم نجحوا في اجتثاث حماس وإنهاكها، وكلنا رأينا حجم الإنجاز الذي سجلته حماس في الانتخابات التشريعية والبلدية رغم أن قسماً كبيراً من مرشحيها وكوادرها كانوا في سجون الاحتلال ورغم أن الاعتقالات كانت تطال العاملين في حملاتها الانتخابية.
خلاصة القول إن حرب الاستنزاف المزدوجة هذه التي تتعرض لها حماس لن يكون مصيرها أفضل من سابقاتها حتى وإن تولى زمام قيادتها العالم بأسره، وسيكون لها ما بعدها بكل تأكيد من آثار إيجابية لن يجني ثمارها إلا صاحب الحق بعد أن يكون قد مر بمرحلة تمحيص وابتلاء كبيرة كفيلة بتأهيله ليسجل قفزات نوعية وواسعة ويصل أبعد مما كان يتوقع، فيما سيحصد أعداؤه وخصومه الشوك والخيبة واليأس.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع