عندما استطاعت حركة حماس حسم الصراع في غزة لصالحها في شهر يونيو عاد الحديث مجددا عن نشر قوات دولية حول القطاع لكن اللافت في ذلك الوقت كان أن المطالبة بذلك لم تقتصر على رئيس السلطة…
عندما استطاعت حركة حماس حسم الصراع في غزة لصالحها في شهر يونيو 2007، عاد الحديث مجددا عن نشر قوات دولية حول القطاع، لكن اللافت في ذلك الوقت كان أن المطالبة بذلك لم تقتصر على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، بل إنها جاءت أيضا من رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود اولمرت الذي كانت حكومته تعترض على المشروع من أساسه عندما طرح في السابق.
فتل أبيب ترى أن من شأنه الحد من قدرة قواتها على متابعة ومهاجمة المقاومين الفلسطينيين، وقد يكون تمهيدا لإلزامها بتنفيذ القرارات الدولية وخاصة القرار 242 ويؤدي إلى تدويل الصراع ودخول الأمم المتحدة طرفا فيه. الموافقة الإسرائيلية تقلصت بعد ذلك التاريخ تدريجيا بعدما حذرت مصادر أمنية واستخباراتية متعددة من أن هذا سيحمي عمليا المقاومة، ويضر بخطط تل أبيب لفرض أمر واقع خاصة عندما يطلب تطبيقه في الضفة، كما سيعيد الروح الى قرارات الأمم المتحدة ويعرقل تعديل حدود عام 76 عبر قضم 50 في المائة من أراضي الضفة الغربية والقدس لصالح المستوطنات الصهيونية.
فكرة إرسال قوات دولية للفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين ليست وليدة اليوم بل تعود الى ما بعد حرب الأيام الستة سنة 1967 عندما حاولت بعض الأطراف عبر الاقتراح إجبار تل أبيب على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها، وقد رفضت إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة المقترح ليستمر احتلالها حتى الآن. وعندما فرضت المقاومة الفلسطينية على حكومة شارون خيار الانسحاب من غزة سنة 2004 وتفكيك المستوطنات بها، طالب المبعوث الدولي تيري رود لارسن في اطار تقريره الشهري إلى الأمين العام للأمم المتحدة بنشر قوات دولية لتقوم بالإشراف على الانسحاب الإسرائيلي، وقد سارعت السلطة الفلسطينية إلى إعلان قبولها غير ان رفض إسرائيل له أدى إلى عدم إبصاره النور.
في افتتاح مؤتمر الجهات المانحة للفلسطينيين يوم الاثنين في باريس اقترح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تشكيل قوة دولية تكلف "في الوقت المناسب" بمساندة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وأضاف ان "على مؤتمر باريس ان يواكب بناء دولة حديثة تدريجيا، وأن السلطة الفلسطينية تعهدت بضمان احترام القانون والنظام ويجب إصلاح الأجهزة الفلسطينية وإعطاؤها طابعا احترافيا، وفي موازاة ذلك، على الأسرة الدولية ان تساعد على تحقيق هذا الهدف الصعب".
الواضح أن هذا الاقتراح جاء كمخرج للإشكالية الإسرائيلية تجاه القوة الدولية حيث أن هذه القوة المقترحة ستكون سندا لقوات السلطة وإسرائيل في التصدي للمقاومة التي تحارب الاحتلال ولن تكون بأي شكل أداة لحماية الفلسطينيين أو تطبيق واحترام ما يسمى بالشرعية الدولية. ويفترض منها ان تعد قوات الأمن التابعة لسلطة رام الله لفرض سيطرتها علي قطاع غزة وبعض المناطق الأخرى في الضفة الغربية، التي توجد فيها تجمعات للمقاومة، وخاصة كتائب شهداء الاقصى التابعة لحركة فتح والرافضة لتعليمات رئيس السلطة بوقف المقاومة واعتماد الخيار التفاوضي كأسلوب وحيد للوصول الي تسوية سلمية لن تكون إلا على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.
ولا يظهر ان الاقتراح الذي طرحه الرئيس الفرنسي هو منتوج فرنسي صرف بل شاركت في إعداده وصقله إسرائيل وواشنطن ليكون مكملا لما تم رسمه في مؤتمر أنابوليس وفي إطار الحرب المعلنة على الشعب الفلسطيني وعلى حركة حماس. وهو مخطط جديد لدعم أمن المحتل الإسرائيلي.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع