الاستشهاديون قرار واع وعمليات مؤثرة هيثم أبو الغزلان كاتب وصحافي فلسطيني يقيم في لبنان تقرير صحفي يسعى الإنسان للحفاظ على حياته بكل الأساليب والطرق وهذا الأمر ليس استثناء بل القاعدة…
الاستشهاديون قرارٌ واعٍ وعمليات مؤثرة
هيثم أبو الغزلان
كاتب وصحافي فلسطيني يقيم في لبنان
تقرير صحفي
يسعى الإنسان للحفاظ على حياته بكل الأساليب والطرق، وهذا الأمر ليس استثناء بل القاعدة، وما سوى ذلك من قتلٍ للنفس أو إلقائها في التهلكة هو الاستثناء من القاعدة. وبما أن المجاهدين الاستشهاديين يختارون الموت الشهادة فهم بهذا الأمر يسيرون وفق قاعدة الاستثناء. وهنا يطرح السؤال نفسه لماذا يختار الاستشهاديون الاستشهاد؟ وهل هو قرار واعٍ أم مجرد رد فعل على وجود عدو مدجج بأحدث الأسلحة الفتاكة؟ ولماذا الحديث الآن عن هؤلاء الاستشهاديين الذين أرعبوا الكيان الإسرائيلي وقادته ومستوطنيه؟ وما هو الهدف من هذا الحديث؟ وبماذا يختلف تناوله اليوم عما تناوله به الآخرون في كتاباتهم؟!
لماذا يختار الاستشهاديون هذا الطريق ؟؟
في هذه العجالة سنحاول إضاءة جوانب على هذه الأسئلة علها تكون فاتحة لعمل أكثر عمقاً وأوسع وأشمل بإذن اللَّه تعالى، فلقد أضاء العلماء الجانب الفقهي الشرعي لهذه المسألة وأعطوها بذلك حقها. ويبقى السؤال الذي يتردد لماذا يختار الشهداء الاستشهاديون هذا الطريق؟ وهل الشهداء يحبون الموت ويكرهون الحياة؟! هذا ما سنحاول الإجابة عليه.
وجود الاحتلال.. ننطلق في الإجابة على ما تقدم من أسئلة تتمحور حول نقطتين رئيسيتين هما
- أن الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين هو السبب المباشر في وجود المقاومة، وعلى هذا فإن استمرار الاحتلال يعني وبكل بساطة استمرار الشعب الفلسطيني بالمقاومة بكل أساليبها وأشكالها بما فيها العمليات الاستشهادية التي حققت توازن رعب مع احتلال يقتل الفلسطينيين ليلاً ونهاراً ولا يجد من يردعه أو يوقفه... فضلاً عن أن المقاومة حق مشروع كفلته كل الشرائع والمواثيق السماوية والوضعية...
- إن الاحتلال الصهيوني نفسه يقدس القوة والعنف، ولا يستطيع العيش بدونهما، ولا يستغني عنهما، وما مجازر كفر قاسم، ودير ياسين، والطنطورة، وصبرا وشاتيلا، وقانا، والنبطية الفوقا إلا أمثلة على ذلك، ويقوم أيضاً بارتكاب المجازر بشكل يومي بحق الشعب الفلسطيني...
مقاومة الاحتلال أمر طبيعي ؟؟
وعلى ما تقدم فإن مقاومة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال أمر طبيعي، والعمليات الاستشهادية هي إحدى الوسائل التي تُستخدم في سبيل إيقاع الخسائر الكبيرة في صفوف العدو. منطلقين في مواجهة العدو من القوة العقدية والفكرية، والإيمان الواعي بضرورة المقاومة حتى دحر العدو عن الأرض المغتصبة كلها. ففي معركة الحق ضد الباطل لا يربح الضعفاء المعركة لمجرد أنهم أصحاب حق متمسكين بالمبادىء، بل يجب امتلاك أسباب القوة والمنعة، ونعرف من خلال السنن والقوانين أن العدو قد يربح المعارك إذا امتلك القوة حتى وإن كان على باطل. ولعل العمليات استشهادية هي إحدى أدوات القوة التي بات يمتلكها الشعب الفلسطيني في مواجهة آلة الحرب الصهيونية، فهي صنعت توازن رعب وصفه أريئيل شارون رئيس وزراء الكيان الصهيوني ب«الرعب الإسلامي»، مطالباً بإيجاد نوع من «الرعب الإسرائيلي» للرد عليها، وهذا ما يبرر عدد المجازر التي ترتكبها قواته بحق الشعب الفلسطيني في محاولة لثنيه عن مواصلة مقاومته.
قلق الأجهزة الأمنية الصهيونية ؟؟
وقد أصبحت ظاهرة الاستشهاديين تثير حيرة وقلق مختلف الأجهزة الأمنية الصهيونية من جانب، وتبث الرعب في صفوف المستوطنين من جانب آخر، ورغم عشرات بل مئات الأبحاث والتقارير والمعلومات الاستخبارية التي جمعت حول الاستشهاديين إلا أن الأجهزة الأمنية الصهيونية أعلنت أكثر من مرة عجزها عن مواجهة هذه الظاهرة، والدليل هو نجاح الاستشهاديين في عملياتهم.
وقد توصل مركز «السياسة المضاد للإرهاب» إلى أن عدد الصهاينة الذين قتلوا في العام 2002 قد تضاعف عن العام الذي سبقه (2001). وبحسب بحث أعده المركز المذكور فإن سنة 2002 كانت الأشد فتكاً من سابقتها، فقد بلغ عدد القتلى الصهاينة 436 قتيلاً، مقابل 198 قتيلاً في العام 2001.
وبحسب البحث نفسه فإن عدد القتلى الصهاينة الذين عُرّفوا كمحاربين بلغ 21 شخصاً في عام 2001، وقد وصل في العام 2002 إلى 10% من مجموع قتلى ذلك العام، مما يعني أن عدد الجنود القتلى قد تضاعف خمس مرات، إذ بلغ 104 جنود، وبلغ عدد القتلى الصهاينة منذ بداية الانتفاضة المباركة نحو 730 قتيلاً والاف الجرحى منهم 130 قتيلاً في شهر اذار من العام الماضي. وأكثر من 390 قتيلاً منذ بداية ما أسماه العدو بعملية السور الواقي في 28-3-2002.
انخفضت نسبة المستجلبين للكيان ؟؟
وبسبب تأثير العمليات الاستشهادية انخفضت نسبة المستجلبين إلى الكيان الصهيوني بنسبة 23% عام 2002، وقالت دائرة الإحصاء المركزية الصهيونية أن 33 ألفاً و500 مستجلب صهيوني إلى الكيان الصهيوني في العام 2002، أي أقل بعشرة الاف من العام الذي سبقه مما يعني انخفاضاً بنسبة 23%.
ويفيد استطلاع للرأي أن 50% من المستوطنين الصهاينة لم يعودوا يدخلون إلى المجمعات التجارية الكبرى في المدن (القدس، تل أبيب...)، ولم يعودوا يقفون على مفارق الطرق خوفاً من العمليات الاستشهادية، أو انفجار عبوات ناسفة، كما أنهم لا يسمحون لأولادهم بفعل ذلك، فيما قال (16%) يسمحون لأولادهم بدخول المجمعات التجارية، (يديعوت أحرونوت، 30 7 2001).
ويظهر استطلاع للرأي نشر في صحيفة «جير وسالم بوست» الصهيونية أن (60%) من الصهاينة يعتقدون أن الانتفاضة الفلسطينية قامت على أساس واحد هو معارضة الكيان الصهيوني في الوجود.
ويفيد استطلاع اخر نشرته صحيفة معاريف أن 49% من الصهاينة المستطلعة اراؤهم يخشون العمليات التي ينفذها المجاهدون الفلسطينيون أكثر من خشيتهم صواريخ سكود العراقية (معاريف، 5-10-2002).
وفي هذه الفترة، نقلت صحيفة معاريف عن مصادر عسكرية في الجيش الصهيوني قولها أن 260 جندياً اعتقلوا منذ تفجر انتفاضة الأقصى على خلفية تأدية الخدمة العسكرية، وقد قامت قيادة الجيش الصهيوني بتأهيل هؤلاء من خلال برامج خاصة أشرف عليها أطباء نفسيون مختصون، وكشفت الصحيفة نفسها أن وزارة الحرب الصهيونية قد أعدت تقريراً قالت فيه أن (1800) جندي وضابط يتلقون العلاج إثر الصدمات النفسية التي تعرضوا لها.
ولا يقتصر الأمر على الجيش الصهيوني بل تعداه إلى المجتمع الصهيوني نفسه، فقد كشف بحث صهيوني أعد مؤخراً، وأجراه البروفيسور موشي زايدنر من جامعة حيفا أن (62%) من المستوطنين الصهاينة يعانون من القلق، وأن (42%) يعانون من الاحباط لعدة مرات في الأسبوع.
تأثير الانتفاضة على المجتمع الصهيوني ؟؟
هذا البحث درس تأثير الانتفاضة على المجتمع الصهيوني، وأشار إلى أن (5.81%) من الصهاينة لا يستطيعون أن يكونوا هادئين، وأنهم ينتابهم الشعور بالغضب والخطر والحزن وقلة الحيلة، وأفاد (68%) أنهم يعانون من آلام في الرأس والإحباط والتعب وتغيرات في الاستعداد لتناول الطعام، وصعوبات في النوم بسبب الأوضاع الأمنية.
ضربات قاسية ؟؟
ووجه المجاهدون الفلسطينيون ضربات موجعة وقاسية للاحتلال في كل فلسطين، بدءاً من عمليات إطلاق قذائف الهاون على المستوطنات الصهيونية، مروراً بمهاجمة جيش الاحتلال والمستوطنين والآليات العسكرية بالأسلحة الرشاشة أو العبوات الناسفة، إضافة لاستخدام سلاح العمليات الاستشهادية وعمليات تفجير السيارات في مناطق كان يعتقد الاحتلال أنها آمنة... مما حدا بصحيفة هتسوفيه الصهيونية لمهاجمة شارون في افتتاحيتها عقب عملية الخضيرة الاستشهادية واعتبرت أنه «ركب موجة الوعي الإسرائيلي الذي يستدعي خطوات صعبة لا يقدر عليها سواه، وقد انتخب على هذا الأساس، ولكن بدل أن يقضي على أوسلو قرر الانسحاب من العملية السياسية... يبدو أن هذه الحكومة لا تقودنا إلى قرارات حكيمة...» (هتسوفيه، 29-10-2001).
إحصائيات رسمية ؟؟
وقد دلت الإحصائيات الرسمية الصهيونية أن نحو 20 ألف يهودي تنازلوا عن جنسيتهم الإسرائيلية وهاجروا إلى دول الغرب خلال عام 2002، وأن نسبة اليهود في الدولة العبرية آخذة في الانخفاض، ووتيرة الانتقال للعيش في المستوطنات في المناطق الفلسطينية المحتلة انخفضت بنسبة (63%) (4-9-2002).
وجاء في كتاب الإحصائيات السنوي أن (600.43) جاءوا إلى إسرائيل بانخفاض (28%) عن السنة السابقة (2001). أما في الهجرة المضادة، فقد هاجر نحو (20) ألفاً، وعاد (7000) ممن هاجروا في السابق، ومن بين المهاجرين الذين استقروا في الخارج
ـ ارييل ابن الوزير روني ميلو الذي أصبح من مواطني نيويورك هو وشقيقه أوفير.
ـ تالي ابنة وزير الحرب السابق بنيامين بن اليعازر استقرت في الولايات المتحدة.
ـ يوفال بن إسحاق رابين، استقر في واشنطن.
ـ أوريت حفيدة مناحيم بيغين.
ـ ميخال ابنة إيهود باراك.
ـ ايغال بن موشي ارنس (ابن وزير الحرب السابق).
ـ يوئيل حاييم هرتزوغ، استقر في جنيف...
ـ الون حفيد ديفيد بن غوريون... وغيرهم كثيرون. (يديعوت أحرونوت شباط - فبراير 2002).
أما المستوطنون الموجودون في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 فوضعهم لا يقل سوءاً عن هذا الأمر، فقد أفاد استطلاع صهيوني نشر في أول تموز عام 2002، أن (68%) من المستوطنين يوافقون على ترك المستوطنات والانتقال إلى داخل الخط الأخضر، و(24%) قالوا بأنهم سيلجأون إلى القضاء إذا ما أجبروا على الرحيل، و(6%) فقط قالوا بأنهم سيقاومون ترحيلاً إذا قامت به حكومتهم.
ارتفاع الميزانية العسكرية ؟؟
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد نشرت دائرة الإحصاء الصهيونية المركزية الرسمية تقريراً جاء فيه «إن الميزانية العسكرية الصهيونية قد ارتفعت بنسبة (2.4%) في العام 2001، وهذا الرقم لم تعرفه الميزانية العسكرية منذ العام 1993، فقد أصبحت هذه الميزانية تعادل ضعفين، أي ستة أضعاف الميزانية العسكرية في الدول الصناعية المتقدمة، إذا ما قورنت نسبتها بالناتج القومي.
وقد شهدت الميزانية العسكرية الصهيونية سابقاً ارتفاعاً ملحوظاً إلا أن هذا الارتفاع كان يشهد زيادات كبيرة خلال فترات الحروب، ففي السنوات ما بين (1956-1975) ارتفعت هذه الميزانية بمعدل (15-16%) في السنة مع زيادة كبيرة في سنوات الحروب بشكل خاص. فخلال العدوان الثلاثي على مصر سنة (1956) ارتفعت بنسبة (40%)، وفي عدوان 1967 ارتفعت بنسبة (77%)، وفي حرب تشرين أول (أكتوبر) 1973 ارتفعت بنسبة (64%). إلا أنها عادت وهبطت بمعدل (2-3%) في السنة خلال الفترة الممتدة بين الأعوام (1976-1995). وأعادتها حكومة بنيامين نتنياهو إلى نظام الارتفاع بمعدل (1-2%)، وفي عام 2002 وصلت إلى (2.4%) لتصل إلى أكبر معدل لها منذ عام 1993.
الأمن لم يتحقق ؟؟
وعلى ذلك فإن أياً من أهداف الحكومة الصهيونية في مجال تحقيق الأمن لمستوطينها لم يتحقق، فرغم هول المجازر التي ارتكبها الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني وقياداته وكوادره ورموزه إلا أنه لم يستطع إنهاء الانتفاضة أو وقف العمليات الهجومية والاستشهادية ضد كيانه ومستوطنيه. ولعل مجازره في جنين ونابلس وبقية المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية لخير دليل على ذلك. وبالرغم من ذلك فإن المقاومة الفلسطينية سددت أشد الضربات وأقساها ضد جنود العدو والمستوطنين كعمليات مجدو، وحيفا، وكركور، وتل أبيب، والخليل، وعمليات غزة البحرية مما يدل على تطور في أداء المقاومة.
ولعل كلام شلومو بن عامي (وزير الخارجية الأسبق) عقب مقتل الارهابي زئيفي على يد مجموعة من المقاومين خير دليل على ذلك، حيث يقول «إن التوغل الجارف في مدن الضفة الغربية ولغة الخطاب المرافقة له تذكرنا بمنطق اجتياح لبنان عام 1982. فانذاك لم تكن الحكومة اللبنانية الموازية للوهلة الأولى للسلطة اليوم الهدف بل كان الهدف هو المخربين.
وحينها كانت النتيجة الغرق في الوحل والدم لمدة 20 عاماً واستبدال نوع من المخربين م.ت.ف بنوع اخر أقسى منه بكثير حزب اللَّه، وهذه النتيجة ستتكرر هذه المرة أيضاً حماس والجهاد الإسلامي والسلطة».
ويضيف «... من سياسة الأرض المحروقة في المناطق، ومن داخل الفراغ السياسي الذي سينسجم مع انهيار السلطة، ستظهر بانتصار، المنظمات الاجتماعية والميدانية لحماس والجهاد الإسلامي وعناصر من التنظيم» (يديعوت أحرونوت، 22-10-2001).
إقامة جدار فاصل ؟؟
وعاد الصهاينة من جديد يطرحون إقامة جدار فاصل، معتبرين إقامته بالحل الأفضل والأمثل على المدى البعيد، لأنهم يتصورون أن إقامة مثل هذا الجدار سيقيهم العمليات الاستشهادية. ويقول الكاتب الصهيوني روني شاكيد في يديعوت أحرونوت (29-10-2002) «الجدار الأمني حول الضفة الغربية هو الحل الأمثل على المدى البعيد. فصحيح أنه لن يحل مشكلة الإرهاب ضد المستوطنين، إلا أنه سيقلص جداً الإرهاب داخل إسرائيل»...
الاستشهاديون يتحدثون.. هل يحب الشهداء الموت حقاً؟! إن بعض الذين يترعون من كأس الخوف حتى الثمالة يخيفهم الشهداء، ويرعبهم صدى أصواتهم المنتشر في فضاء الحرية، فإذا كانت الحياة هي الثواني والدقائق والساعات... ورحلة الألم والفرح والتماهي المطلق مع الزمان، فإنالموت هو الحد الفاصل، والانتقال المريع نحو حياة أخرى لها خاصيتها ومميزاتها، فعمر البعض يسقط عند تخوم الشهوة الجامحة، وبعضهم يُنهي قهره بخلاصٍ موهوم يعيده إليه كلما حاول التخلص منه، والبعض يفقد الأمل حتى يُنهي حياته دون جدوى، فيصبح عمره متشرداً، ويغدو قعيداً ومتسولاً بلا ثمن. أما الشهداء فإنهم يصطدمون بقدر جبروت العدو ليحققوا توازن الأمل للأمة حين ينقطع الرجاء، ويواجهون الموت بأجسادهم لينتقلوا بالاخرين إلى ضفة الحياة الكريمة. فهم بهذا المعنى يكرهون الحياة القصيرة المحدودة والممزوجة بالقهر والظلم والطغيان، ويطمحون لحياة جميلة ومستمرة يتجاوزون فيها العالم المحدود الفاني.
أسمعوا دعوة الموت ؟؟
وهنا لا يسعني في هذا المقام إلا أن أنقل كلمات فيلسوف إسلامي «أسمعوا دعوة الموت اذانكم قبل أن يُدعى بكم. إن الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم وإن ضحكوا، ويشتد حزنهم وإن فرحوا، ويكثر مقتهم أنفسهم وإن اغتبطوا بما رزقوا. قد غاب عن قلوبكم ذكر الاجال، وحضرتكم كواذب الامال، فصارت الدنيا أملك بكم من الاخرة، والعاجلة أذهب بكم من الاجلة، وإنما أنتم إخوان... ما بالكم تفرحون باليسير من الدنيا تدركونه، ولا يحزنكم الكثير من الاخرة تُحرمونه، ويقلقكم اليسير من الدنيا الذي يفوتكم»...
ولا يجد الإنسان أفضل من كلمات الشهداء الاستشهاديين للتعبير عن خيار كتبوه بدمهم ولحمهم لحن وفاء وأنشودة حرية...
استشهاديون يتحدثون ؟؟
يقول الاستشهادي أكرم النبتيتي، منفذ عملية التلة الفرنسية في القدس المحتلة (17-3-2002) «إنني لم أقدم على هذا العمل الاستشهادي إلا بدافع الانتقام لدماء شعبنا الطاهرة والزكية التي تراق كل يوم بل كل ساعة بفعل الحقد الشاروني والجيش الصهيوني الذي لم يرحم نساءنا، ولا شيوخنا، ولا أطفالنا، ودفاعاً عن حقنا في العيش بحرية وكرامة فوق أرضنا الطاهرة... إننا لا نهوى الموت، ولكن دفاعاً عن شرفنا، وعن أرضنا ومقدساتنا نقدم أرواحنا رخيصة في سبيل الحصول على أمن وحرية وسلامة أرضنا وشعبنا وأطفالنا... وبه فقط بالعمل الاستشهادي نجعل المحتل يفكر ألف ألف مرة قبل أن يعتدي على أي محرم من محرمات شعبنا، وأي مقدس من مقدساتنا الإسلامية والمسيحية».
ويقول الشهيدان مقتحما مستوطنة (رفح يام) بقطاع غزة (6-4-2002) أيمن زكي الجزار وطارق سليمان أبو حسنين في وصية مشتركة «... نقوم بعمليتنا هذه ابتغاء مرضاة اللَّه عزَّ وجلَّ وانتقاماً لحرمات اللَّه ورسوله (ص) وللمسجد الأقصى المبارك، وانتقاماً للأرامل والثكالوالأيتام والأسر التي شردت والمنازل التي دمرت والأشجار التي قطعت»...
أما الاستشهادي محمد فتحي فرحات فيقول في وصيته (1-3-2002) «... إن الحياة بجوار رب العزة لهي الأفضل... لبئس حياة يتحكم بها الطغاة المستكبرون، واللَّه إنها لشهادة لا تنتهي... ولا يصل الحبيب إلا شريداً أو شهيداً...».
وفي وصية الشهيد حاتم طلال شعبان أبو القمبز، منفذ الهجوم على حاجز بيت حانون بغزة (22-4-2002)، فيقول «... قد اخترت هذا الطريق إيماناً مني بأن هذا الطريق هو الطريق الوحيد الذي من خلاله سنحرر أرضنا... أدعو الأمة الإسلامية أن تسير على درب الجهاد في سبيل اللَّه، وتنسى طريق المفاوضات والمساومة على الأرض».
أما الاستشهادي راغب أحمد عزت جرادات منفذ العملية الاستشهادية في حيفا (10-4-2002) فيقول في وصيته «في الوقت الذي يتصاعد فيه الإجرام الصهيوني في كل مكان مستهدفاً كل ما هو جميل في حياتنا... وفي الوقت الذي يعلن العالم المستكبر والجبان بصمتٍ انحيازه المطلق لهذا الإجرام... يمكنهم أي اليهود أن يقتلوا الشيوخ والنساء والقادة... ويمكنهم أن ينشروا الدمار والخراب... يمكنهم أن يحرقوا الأرض ويقلعوا الزرع، لكن المقاومة ستستمر وحتماً ستنتصر...».
ويقول الشهيد محمد هزاع الغول منفذ عملية القدس الاستشهادية (18-6-2002) «... ما أجمل أن أكون الرد لتكون عظامي شظايا تفجر الأعداء ليس حباً في القتل ولكن لنحيا كما يحيا الناس... فنحن لا نغني أغنية الموت بل نتلو أناشيد الحياة... ونموت لتحيا الأجيال من بعدنا».
للاستشهاديات دور ؟؟
ولم يقتصر أمر تنفيذ العمليات الاستشهادية على الرجال في فلسطين بل نفذ عدد من الاستشهاديات عمليات منهن وفاء إدريس، ايات الأخرس، دارين أبو عيشة التي قالت في وصيتها (27-2-2002) «... لأن دور المرأة المسلمة الفلسطينية لا يقل في شأنه متانة عن دور إخواننا المجاهدين... فأهب نفسي رخيصة في سبيل اللَّه سبحانه وتعالى انتقاماً لأشلاء إخواننا الشهداء، وانتقاماً لحرمة ديننا ومساجدنا، وانتقاماً لحرمة المسجد الأقصى وبيوت اللَّه التي حولت إلى بارات يمارس فيها ما حرم اللَّه نكاية في ديننا وإهانة لرسالة نبينا (ص)... إن دور المرأة الفلسطينية لم يعد مقتصراً على بكاء الزوج والأخ والأب، بل إننا سنتحول بأجسادنا إلى قنابل بشرية تنتشر هنا وهناك، لتدمير وَهْم الأمن للشعب (الإسرائيلي)... وأتوجه إلى كل مسلم ومناضل عشق الحرية والشهادة أن يبقى على هذا الدرب المشرف؛ درب الشهادة والحرية».
ويقول الشهيد خالد عوض شحادة منفذ عملية حولون الاستشهادية (5-3-1993) «هذا هو قدرنا... قدرنا أن نقوم بواجبنا المقدس، وهذا القدر الرباني الذي نحياه لا يعني إلا استمرار تواصلنا الحضاري الذي انقطع منذ عدة قرون، واستمرار جهادنا نحو وجه اللَّه... وقدرنا أن نكون من أهل وأبناء هذا الوطن المنكوب الذي تمكن فيه العدو الصهيوني وأعوانه من اغتصاب كل شيء، فإذا ما تأملنا حولنا ماذا نجد؟ إنسانيتنا مداسة، حريتنا مصادرة، إرادتنا مسلوبة، ولا نملك من أمرنا شيئاً باللَّه عليكم ما الذي يجبرنا على هذه الحياة، وما الذي بقي لنا حتنحرص عليه...».
الكأس المرة ؟؟
على الرغم مما تمتلكه إسرائيل من ترسانة عسكرية حديثة ومتطورة إلا أن أجهزتها الأمنية المختلفة وقفت عاجزة عن منع استشهادي من تنفيذ عمليته، وذلك على الرغم من المجازر اليومية التي ارتكبوها بحق الشعب الفلسطيني. ففي انتفاضة الأقصى الحالية انتقلت حالة القتل اليومي التي يمارسها الجانب الصهيوني لحالة أكثر همجية؛ في العام 2002 سقط (1350) شهيداً فلسطينياً، أي بمعدل أربعة شهداء يومياً، بينهم (400) فتى دون سن السادسة عشرة وعشرات النساء وأطباء وممرضون وصحفيون وعمال ومزارعون...
هذه الجرائم أعطت المقاومة الفلسطينية حافزاً أكبر على المواجهة واجتراح المعجزات بعملياتٍ تنوعت بين مهاجمة الدوريات واقتحام المستوطنات وعمليات التفجير والعمليات الاستشهادية والطعن بالسكاكين... وقد أحصت إسرائيل خلال عام 2002، مئة وستين (160) عملية استشهادية نفذت بالفعل، وأعلنت عن مئة وأربعين (140) محاولة لم يوفق فيها المجاهدون، وذلك يعود لسببين
الأول اكتشاف منفذ العملية قبل انطلاقه.
الثاني خلل فني في إعداد العبوة.
وكانت حصيلة هذه العمليات الاستشهادية الناجحة (550) قتيلاً صهيونياً خلال العام 2002 وحده، وهذه الحصيلة تقارب ما فقدته إسرائيل في حرب 1967 والتي خاضتها على ثلاث جبهات، وقد ارتفع هذا العدد ليصل مع بداية العام الحالي إلى (617) قتيلاً صهيونياً.
وتميزت عمليات المقاومة في العام 2002 بأنها جاءت على الرغم من قيام جيش الاحتلال بعمليات عسكرية وحشية ضد المواطنين الفلسطينيين بهدف كسر شوكة المقاومة، وحملت أسماء عديدة كالسور الواقي، والسبيل الحازم، وقريباً من بيتك، وفارس الليل... ورغم وحشية الاحتلال وهمجيته واستخدامه أبشع أساليب الإرهاب، إلا أن ذلك لم يثن الشعب الفلسطيني ومقاومته عن توجيه أقسى الضربات لجيشه ومستوطنيه في حيفا والعفولة ومجدو والخليل وبحر غزة... بالإضافة أنها لم تردع المواطنين الفلسطينيين عن تأييدهم لمواصلة هذه العمليات رداً على مجازر الاحتلال، فأشار استطلاع أجرته شركة «JMCC»، ونشر على موقع يديعون أحرونوت الصهيوني بتاريخ (18-12-2002)، إلى أن (80%) من الفلسطينيين يؤيدون استمرار العمليات، وأنهم يعتقدون أنه يوجد ما يبررها، وقال نحو (80%) من بين الفلسطينيين الـ(1200) الذين شملهم الاستطلاع إن الانتفاضة يجب أن تستمر.
وحاولت قوات الاحتلال ثني الفلسطينيين عن المقاومة واستخدام أسلوب العمليات الاستشهادية بكل الوسائل الإرهابية إلا أنها لم تفلح في ذلك، فشرعت بتطبيق سياسة جديدة تقوم على هدم منزل ذوي الاستشهادي واعتقال ذويه.
وقد ذكر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بغزة في تقرير له صدر بداية العام الحالي إلى أن «قوات الاحتلال هدمت مئة وأربعين (140) منزلاً لعائلات استشهاديين في الضفة الغربية وقطاع غزة».
وأشار التقرير إلى أن «سياسة هدم المنازل هذه قديمة قدم الاحتلال، غير أنها تنفذ بوتيرة أسرع منذ عدة أشهر، وكما هو الحال في جرائم أخرى، فإن مثل هذه الجرائم تحظى بمباركة أعلى المستويات السياسية والقضائية داخل إسرائيل التي أعلنت في الأول من آب (أغسطس) 2002، عن تبنيها لسياسة هدم المنازل كسياسة رسمية وبمباركة ما يسمى محكمة العدل الصهيونية».
الظاهرة المقلقة..
تحولت ظاهرة الاستشهاديين إلى ظاهرة قلق لإسرائيل، فيما ثبت حالة من القوة والثقة بالنفس في صفوف المجتمع الفلسطيني، وخصوصاً في ظل سنوات تطبيق اتفاقية أوسلو وملحقاتها بعد العام 1993. وقد اعتبرت مصادر الاستخبارات الصهيونية أن العمليات «الانتحارية» تحولت إلى ظاهرة جماهيرية، وهي ممكنة فقط بفضل الجو العام، الذي يُهيأ لها، وأنها ترى في العملية الاستشهادية الخطر الأساسي على الدولة العبرية في المواجهة الحالية.
جنرالات الحرب والسياسة يصرخون ؟؟
وهكذا، يظهر أن الاستشهاديين جعلوا أكبر جنرالات الحرب والسياسة في الكيان الإسرائيلي يصرخون ويقولون ماذا يمكن أن نفعل في مواجهة من جاءنا مختاراً الموت سلفاً. وبالطبع فإنهم لا يستطيعون فعل شيء لمنع من أخذ قراراً بإرادته ووعيه من الحصول على الشهادة. وهذا، بضبط ما عبّر عنه الاستشهادي سليمان طحاينة في وصيته «إذا كانت السلطة وإسرائيل وكلينتون يستطيعون منعي من لقاء ربي فليفعلوا».
ويحلل مجموعة خبراء في علم النفس في دراسة حول سيكولوجية الاستشهاد لدى الإنسان الفلسطيني الظاهرة بقولهم «إن استخدام الكيان الإسرائيلي جميع وسائل العنف كالقصف والقتل وهدم المنازل وإغلاق الطرق وإبعاد المواطنين والحصار وسياسة تكسير العظام تزيد من نسبة الراغبين في رفع الظلم عن أبناء شعبهم».
الاستشهاديون يتصفون بالجد والطموح ؟؟
وتضيف تلك الدراسة «إن ظاهرة الاستشهاد التي قام بها الشباب الفلسطيني تمس الوجود الإنساني باعتبار الإنسان بطبعه حريصاً على إبقاء حياته، وليس تدميرها وإنهاءها، إن الإعلام الغربي وإعلام إسرائيل خصوصاً يدعي بأن الإنسان الفلسطيني لا يعطي الحياة أية قيمة وأن لديه دافعاً للتخلص من حياته نتيجة الإحباط واليأس والحياة الضاغطة وهو ما يُعرف بقيمة الحياة السلبية». وخلصت تلك الدراسة إلى «أن قتل الذات لا يرجع بالضرورة إلى رضى أو اكتئاب أو عجز أو يأس أو حرمان، ودللوا على ذلك بدراسة أجراها باحث أمريكي يدعى (بيل) في العام 1998، وأجراها على تسعة استشهاديين من قطاع غزة، وأظهرت أن معظم الاستشهاديين يتصفون بالجد والطموح، والتعاون وحب الحياة والعمل، وأنهم لم يشربوا الكحول أو المخدرات ولم يشارك أحدهم في سلوك مضاد في المجتمع كالعنف أو السرقة أو الهرب من المدرسة».
أما على الضفة الأخرى فإن إسرائيل بمراكز أبحاثها أجرت العديد من الدراسات حول ظاهرة الاستشهاديين في محاولة لفك لغزها والقضاء عليها، وإحدى هذه الدراسات الإسرائيلية التي أجراها الدكتور نعومي بدهتسور من مركز دراسات الأمن القومي في جامعة حيفا والتي توصل لنتيجة أن حالة الاستشهاديين باتت تتجذر في المجتمع الفلسطيني، ودلّل على ذلك بالقول إنه «حتى نهاية عام 2001 كان الاستشاديون جميعاً من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، أما في العام 2002 فقد نفذت العمليات من قبل أفراد التنظيم حركة فتح والمقاومة الشعبية».
وأوردت صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية نتائج دراسة أخرى، جاء فيها إن (47%) من الاستشهاديين هم من ذوي التعليم الأكاديمي، و(29%) من ذوي التعليم الثانوي، و(24%) أنهوا تعليمهم الابتدائي.
وأشارت الصحيفة أن (17%) من الاستشهاديين متزوجون، و(83%) غير متزوجين، فيما تتراوح أعمار (64%) منهم بين (18-22 عاماً)، و(36%) بين 30-32 عاماً. (يديعوت أحرونوت، 20-5-2001).
لا صعوبة في تجنيد الاستشهاديين ؟؟
وأحصت صحيفة هارتس 28 عملية استشهادية في الفترة الواقعة ما بين 28 أيلول 2000 و31-12-2001، مشيرة إلى أنه من النادر العثور على مثيل لهذه الظاهرة بهذا العدد من الاستشهاديين في أي مكان من العالم. وهذا أوجد حاجة ملحة لدراسة هذه الظاهرة بصورة أكثر تعمقاً وهذه المرة توافرت لأجهزة الأمن الإسرائيلية معلومات محكمة مفادها أن عدداً من الاستشهاديين تم اعتقالهم قبل تنفيذهم العمليات التي خرجوا من أجل تنفيذها، ولكن دراسة العمليات الاستشهادية لم تسفر عن نتائج ملموسة في هذا الخصوص، فمثلاً اليوم لا يختلف المنفذون عن المنفذين في شتاء 1996 من حيث كون قسم منهم من الشبان الراشدين ومن المثقفين ثقافة عالية. وتمر عملية تجنيد الاستشهاديين التي تقوم بها حركتا حماس والجهاد في الطريقة نفسها؛ فالأمر يتطلب العثور على المصلين في المساجد وعقد لقاءات معهم وشحنهم بالقيم الروحية، وهذه العملية كانت في الماضي تستغرق وقتاً طويلاً... وعلى هذا فإن المنظمات الإسلامية لا تجد صعوبة في تجنيد الاستشهاديين، ولهذا فإن الإعلان عن وجود مئات الاستشهاديين المستعدين للتضحية بأنفسهم يبدو من الأمور التي يجب أن تؤخذ على محمل الجد حتى ولو على مستوى الاستعداد والتضحية بالنفس.
لماذا الاستشهاد؟!
يتضح من وصايا الاستشهاديين أنهم اختاروا هذا الطريق لأسباب عديدة منها
* قوة العقيدة الدافعة لمحاربة الغزاة.
* من أجل تحرير الأرض وإعلاء راية الإسلام.
* الدفاع عن حرمات الإسلام وأعراض النساء.
* الظلم القائم والممارس من قبل الاحتلال.
* أن يكون هذا العمل جزءاً من المسيرة السائرة نحو إعادة التواصل الحضاري لأمتنا.
يقول الاستشهادي الحي زيدان زيدان الذي لم يوفق في تنفيذ عمليته الاستشهادية يوم (8-5-2002)، قرب مفرق مجدو «قررت الاستشهاد عندما شاهدت الإسرائيليين يرغمون نساءنا على رفع ثيابهن للتفتيش».
ورداً على سؤال صحفي هل نفهم أن رغبتك في العالم الاخر هي الدافع لاستشهادك؟ قال لا، إنها السبب الذي خفف عني التفكير من الخوف، وعزز عندي الرغبة في الاستشهاد، ولكنني قررت أن أكون بين الاستشهاديين بعد تفكير طويل في وضعي الذي وصلت إليه... فلا أوضاع اقتصادية ولا حياة اجتماعية، بتنا نعيش في جحيم» (مجلة الوسط، 17 حزيران 2002، العدد 542).
وهذه النتائج هي نفسها التي توصلت إليها دراسة أجراها علماء نفس في جيش الاحتلال الصهيوني، فقد أظهرت أن الاستشهاديين الفلسطينيين أشخاص عاديون جداً، وأن دافعهم للاستشهاد هو الدافع الأيديولوجي، وأنهم لا يتحدرون من أسر فقيرة بالضرورة، وأن بعضهم يقوم بالعملية انتقاماً لقريب، أو صديق، وأن معظمهم متدينون.
الأحرى دراسة سلوكيات الضباط والجنود ؟؟
وهذا الكلام ردت عليه صحيفة الدستور الأردنية (30-1-2003)، بالقول إن «موضوعية الأطباء النفسانيين العسكريين الإسرائيليين لا تحتسب لهم، ولكنها تحتسب عليهم، وعلى المجتمع الذي ينتمون إليه، وعلى الجيش الذي يخدمون في صفوفه... فكان ألحري بهؤلاء الأطباء أن يدرسوا سلوكيات ضباط وجنود الجيش الذين يخدمون في صفوفه، لا الاستشهاديين الفلسطينيين الذين قبض عليهم قبل تنفيذهم لعملياتهم، ويدرسوا مظاهر وتجليات السلوك العدواني تجاه الشعب الفلسطيني، واستمتاع أولئك الضباط والجنود بتعذيب الفلسطينيين، وقتلهم، وإذلالهم، وسرقة ممتلكاتهم وهذا ما نقلته الصحافة الإسرائيلية نفسها عنهم وخلفيات هذا السلوك العدواني واللاإنساني، والذي لم يأت من فراغ، ولكنه ناتج عن تربية عقدية استعلائية تبرر القتل والسرقة»...
وهكذا يظهر مما تقدم أن الاستشهاديين أناس عاديون وهم بالأصل ليسوا بحاجة لشهادة أحد حول ذلك ، فهم يعالجون ظلم الاحتلال بوضعه أمام أسئلة صعبة، ومأزق أصعب... كيف يمكن أن تتوقف هذه العمليات الاستشهادية؟ هذا السؤال جوابه متوقف على فهم الاحتلال وقادته حقيقة أنه لا مستقبل لهم على الأرض الفلسطينية، وأن الغد المشرق يصنعه الاستشهاديون والمقاومون القابضون على سلاحهم، والذين هم يضحون بأغلى ما يملكون؛ الجسد، والدم، والروح، صانعين بذلك نصراً لهذه الأمة وغداً مشرقاً...
يقول الشاعر محمود درويش في قصيدته «حالة حصار»
الشهيد يوضح لي لم أفتش وراء المدى عن عذارى الخلود، فإني أحب الحياة على الأرض بين الصنوبر والتين لكنني ما استطعت إليها سبيلاً، ففتشت عنها بآخر ما أملك الدم في جسد اللازورد... وبالخلاصة، يتضح أن الاستشهاديين يختارون طريقهم عن وعي وإرادة وتصميم، يغذي ذلك ظلم الاحتلال وقهره، ودافعه الأساسي التخلص من وجود الاحتلال، وإعادة التواصل الحضاري لأمتنا الذي انقطع ورسم خارطة جديدة أساسها الحق والحرية والعدل والاستقلال الكامل.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع