بأي حال عدت يا عيد

بأي حال عدت يا عيد

د. يوسف كامل إبراهيم
2007-12-20

يعود إلينا عيد الأضحى المبارك والشعب الفلسطيني يعيش مأساة حقيقية بكل ما للكلمة من معنى تحت سمع وبصر العالم منذ عام الذي يدعي الديمقراطية والإنسانية فقد أبى المجتمع الدولي إلا…

يعود إلينا عيد الأضحى المبارك والشعب الفلسطيني يعيش مأساة حقيقية بكل ما للكلمة من معنى تحت سمع وبصر العالم منذ عام 1948 الذي يدعي الديمقراطية والإنسانية، فقد أبى المجتمع الدولي إلاّ أن يذيق ذلك الشعب الصامد الصابر مرارة الفقر والجوع وتفرض عليه حصاراً اقتصادياً مشدداً، يأتي عيد الأضحى هذا العام والحصار المحكم مفروض على قطاع غزة دون أن يستطيع أحد من أهل قطاع غزة التواصل والتزاور مع الأهل والأقارب في الضفة الغربية، وكذلك مع أهلنا في الأراضي المحتلة عام 1948 ، يعز علينا ويحزننا غاية الحزن والألم أن يعود علينا هذا العيد وأقصانا وثالث مساجدنا التي تشد إليها الرحال، ومسرى نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم تحت وطأة الاحتلال.

عدتَ يا عيد..عدت و ما تهيأنا بعدُ لقدومك؛ وما أعددنا أنفسنا لاستقبالك, فما زالت العيون باكية ، والضحكات ميتة، و الفرحة مبتورة، والأحلام مسروقة، والآمالُ محطمة على جدرانِ انقسامنا وفرقتنا والشهداء والجرحى بيننا بالعشرات والمئات.

يأتي عيد الأضحى لهذا العام وقد حرم عشرات الآلاف من أبناء قطاع غزة من مرتباتهم وحرموا أطفالهم فرحة العيد، يأتي عيد الأضحى والمئات من الجمعيات الخيرية التي ترعى الأيتام والفقراء والمساكين قد أغلقت، وحرم الفقراء والمساكين من حصولهم على المساعدات وأموال الزكاة .

 يأتي عيد الأضحى والعشرات من نواب الشعب الفلسطيني يقبعون في سجون الاحتلال، يأتي عيد الأضحى ورأس الشرعية الفلسطينية رئيس المجلس التشريعي معتقل لدى المحتل الغاصب، يأتي عيد الأضحى وعشرات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني يمضون زهرة شبابهم في معتقلات المحتل .

 يأتي عيد الأضحى وقد حرم مرضى قطاع غزة من العلاج خارج القطاع ، يأتي عيد الأضحى وقد حرم أهل المعتقلين من زيارة أبنائهم في معتقلات المحتل ، يأتي عيد الأضحى وقد حرم الشعب الفلسطيني من الصلاة في المسجد الأقصى، يأتي عيد الأضحى وقد حرم الشعب الفلسطيني من فرص العمل، يأتي عيد الأضحى وقد منعت الأدوية والمستلزمات الطبية من الوصول إلى قطاع غزة، يأتي عيد الأضحى وقد منع الغذاء والوقود من الوصول إلى غزة.  

هذه الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هي أخطر أزمة يعيشها الشعب الفلسطيني  لأنها تضرب بقوة في النسيج الاجتماعي للشعب الفلسطيني، وتهدّد وحدته، لدرجة أن بعض الفلسطينيين نسوا في بعض الأحيان أن لهم عدواً محتلاً رابضاً على صدورهم.

ولكي لا يعود علينا العيد مرة أخرى ونحن في نفس الظروف لا بد أن تتضاءل وتتلاشى المصالح والصراعات الفئوية والحزبية، لأنه لا منتصر في هذا الانقسام الحاصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بل إن الجميع خاسر وعلى جميع المستويات والجبهات، حتى وإن كان هناك منتصر ومهزوم فالمنتصر والمهزوم باقون في سجون كبيرة فغزة محاصرة والضفة الغربية محتلة، وللخروج من الأزمة لا بد أولاً من ترسيخ مفهوم الشراكة الحقيقة في أذهاننا جميعاً، والابتعاد عن فكر وممارسة التفرد ، والتمسك بالنظام الديمقراطي الذي أنشئ بعد الانتخابات الديمقراطية التي جرت في المناطق الفلسطينية، وشهد لها جميع دول العالم وعلى رأسها أمريكا، وتطوير هذا النظام الديمقراطي واستكمال بناء أركانه بهدف توفير الأمن والأمان

إن المرحلة التي تمر بها القضية الفلسطينية أكثر من أي وقت سابق تستوجب على الجميع التمسك بالوحدة الوطنية الفلسطينية، وإعادة بناء البيت الفلسطيني، وإعادة لم الشمل وبناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس الشراكة السياسية الحقيقية من خلال البدء في الاتفاق على برنامج وطني تحرري بعيداً عن الأجندات الخارجية والمواقف الحزبية والأبعاد الشخصية، والعمل على تكريس التعددية السياسية والابتعاد عن التفرد، كما هو الحال في يوم عيد الأضحى عندما يصطف المسلمون جميعاً في بيوت الله مكبرين ومهللين فرحين مرددين شعار واحد، متجهين جميعاً إلى زيارة الأقارب والأرحام، نأمل أن يفرح الشعب الفلسطيني في عودة الوفاق واللحمة للبيت الفلسطيني وأن تعود الفرحة للجميع وأن يتزاور الجميع تجسيداً وعملاً بقول رب العزة ((واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا))، أتمنى أن يعود علينا العيد السنة القادمة وقد أضحت الأمة العربية والإسلامية في حال أحسن، وقد انتهت وزالت مظاهر الفرقة والشقاق، وانتهى الانقسام، وأن لا يكون حال العيد القادم كحال العيد الذي نعيش.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026