قراءة في (معراج) حماس في ذكرى انطلاقتها العشرين..!!

قراءة في (معراج) حماس في ذكرى انطلاقتها العشرين..!!

كمال جابر
2007-12-12

مقاربة لغوية ربما كان الفارق بين الصعود والمعراج من ناحية لغوية يشبه إلى حد كبير الفارق ما بين حالة الصعود الرتيبة والطبيعية والمستوعبة لجماعة ما دون تشويش او ممانعة من قبل المحيط…

مقاربة لغوية

ربما كان الفارق بين الصعود والمعراج من ناحية لغوية ، يشبه إلى حد كبير الفارق ما بين حالة الصعود الرتيبة والطبيعية والمستوعبة لجماعة ما دون تشويش او ممانعة من قبل المحيط ، لا بل وتشجيع وإسناد لهذا الصعود من قبل القوى الدولية والإقليمية ، حيث يغدو هذا الصعود مطلبا لازما للجميع لا سيما أولئك الذين ينسجون خيوط اللعبة القائمة على المصالح والتوازنات وسياسة ملء الفراغ المتحكم بها ،وبالتالي يكون هذا النمط من الصعود مكملا لمشهد حاضر ومستقبلي يراد للقضية ان تنتهي اليه ، وتحط رحالها على أعتابه، وما بين صعود آخر توضع في طريقه كل المعيقات الممكنة ، ووسائل التخريب والتعطيل ، وتستخدم في مواجهته كل وسائل الدس والكيد والتخطيط بهدف صرفه عن مساره الذي ارتضاه ، بل وتستخدم في معالجته وسائل الاستئصال العسكرية والمخططات الجهنمية وحشد الطاقات الدولية والاقليمية والمحلية من اجل ايقاف مسيرة الصعود هذه .

ففي الحالة الاولى يكون الصعود بمثابة تحصيل حاصل لأن واقع الحراك السياسي الذي تنسج خيوطه القوى المتنفذة لمصالح الكبار على حساب الشعوب المظلومة تتطلب هذا الصعود وترعاه بصفته مكونا من مكونات المشهد الذي يتم اخراجه على نحو تستفيد منه القوى الممسكة بخيوط اللعبة السياسية ونهاياتها ، ولذلك فإن هذا الصعود لا تعترضه المعيقات ولا المطبات ، اذ لا يستطيع اصحاب هذا النمط من الصعود الا ان يكونوا جزءا من اللعبة القائمة لا سيما ما يتعلق بإضفاء نوع من الشرعية عليها ومنحها مسحات تجميلية ليس الا ، واما الحالة الثانية فهي مختلفة ولا شك فعوامل الصعود الدافعة الى الامام تصطدم بعوامل اخرى مضادة تهدف الى اعاقة المسير او حرفه عن اهدافه وغاياته المرسومة ، ولكن المسير مستمر على الرغم من ان كل خطوة للأمام يقابلها ألوان من المعيقات الغادرة ، ومع ذلك فالمسيرة ماضية لا تلتفت ولا تتراجع ، فهي ماضية بتؤدة وأناة وحكمة ووعي بطبيعة الطريق والظروف المحيطة ، وحجم الأشواك والألغام والحفر التي لا بد وان تعترضها ، ولأن الصعود كحالة يأتي كمحصلة لقوى دافعة واخرى معترضة فان شكل المسير ياخذ شكلا متعرجا للأعلى ...فمعراج حماس اذن يشابه حركة الاجسام المقذوفة للاعلى والذي يأخذ منحى متعرجا ينتج عن فعل المقاومات المعترضة للصعود .

 

الخلفية التاريخية -

يعتقد البعض ان حماس ستكمل في هذه الأيام عامها العشرين ، وهم محقون في هذا الى حد ما ، بيد ان هذه السنوات تمثل العمر المعلن لحماس فحسب ، فوجود حماس على الساحة يسبق هذا العمر المفترض بعقد من الزمان على اقل تقدير ،حيث دأبت الحركة على الإعداد والعمل سرا طيلة هذه الفترة ، لاحظ اعتقال الشيخ احمد ياسين رحمه الله والعديد من اخوانه وابنائه عام 1983 على خلفية قيامهم بتشكيل جهاز عسكري لمقاومة الاحتلال تحت اسم (مجاهدو فلسطين ) بقيادة الشيخ صلاح شحاده رحمه الله , واخر امني تحت اسم (مجد) بقيادة القائد الاسير يحيى السنوار فك الله اسره )

ولكن قد يقول البعض اين كانت حماس قبل هذة السنوات( 20+10) وما هو دورها ، وماذا كانت تعمل ولماذا لم تظهر حركات اسلامية تنادي بالمقاومة والتحرير في الوقت الذي امتلأت فيه الساحة بالمنظمات الاخرى ؟؟

للاجابة عن هذا السؤال لا بد من تسليط الضوء على الامور التالية -

 

فلسطين ما بين 1918 --------1948

لقد قام شعبنا الفلسطيني بمقاومة الغزاة الانجليز الذين احتلوا ارضنا عام 1918 ، حيث انخرط ابناء شعبنا في هذه المقاومة وفق إمكاناته المتاحة وسجل بصمات مشرفة من المقاومة عبر محطات بارزه خلال ثلاثة عقود من المقاومة كان ابرزها الحركة الميمونة التي قادها الشيخ عز الدين القسام ، وثورة عام 36 التي اعقبت استشهاد الشيخ القسام وبعض اعوانه في احراش يعبد اواخر سنة 35 ، غير ان هذه الحقبة لم تشهد عملا جهاديا ومقاومة منظمة بشكل جماعي يغطي مساحات الوطن ، حيث لم تخرج عمليات المقاومة عن نطاق المبادرات الفردية المستندة الى الاقدام والشجاعة والنخوة التي تجتذب اليها مجموعات من المقاومين هنا وهناك،

الفترة ما بين 1948-----------1965

لقد كان قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العمومية لعصبة الأمم في 23/11/1947م ، وما تلاه من اعلان الصهاينة عن اقامة دولتهم على ما نسبته 78% من ارض فلسطين بمثابة عود الثقاب الذي القي على برميل من البارود ، فقد تداعى ابناء شعبنا الفلسطيني الى مواجهة الكيان الغاصب بكل ما يملكون من قوة ، وقد دخلت عدة جيوش عربية (((لقتال اليهود))) ، كما دخلت عدة كتائب من متطوعي جماعة الإخوان المسلمين من مصر عبر غزة وجنوب النقب وصولا إلى مشارف القدس (صور باهر وجبل المكبر) عبر منطقة الخليل ، كما عبرت مجموعات من إخوان سورية عبر شمال فلسطين ،

لقد أبلى الإخوان المسلمون (الحركة الام) لحماس بلاء حسنا في مقارعة الصهاينة لا سيما في منطقة صور باهر حيث واجهوا العصابات الصهيونية ببطولة ملفتة وكان لثباتهم في مواقعهم دور رئيس في منع سقوط مدينة القدس في ايدي الصهاينة عام 1948 على الرغم من اجتهاد الصهاينة في ذلك على اعتبار ان القدس تشكل هدفا كبيرا وغاليا بالنسبة لهم ،

كما كان لهم صولات ووقعات رائعة في منطقة النقب لا سيما وقعتي (عسلوج والتبة 86) , ما حدا باحد جنرالات الصهاينة ان قال انا أفضل مقابلة كل الجيوش العربية على ان ألاقي متطوعي الإخوان المسلمين ، راجع(الاخوان المسلمون في حرب فلسطين ) لكامل الشريف.

نلاحظ هنا الصلة الوثيقة والاهتمام الكبير من قبل جماعة الاخوان المسلمين بالقضية الفلسطينية ، وهو ما اثار حفيظة القوى الاستعمارية ونبهها الى خطورة هذه الجماعة وما يمكن ان تفعله لجهة عرقلة قيام المشروع الصهيوني ، فحاكت ضدها المؤامرات والدسائس ، حيث سيق المجاهدون من جبهات القتال الى معسكرات الاعتقال بحجة انهم يمثلون خطرا على قصر الملك في القاهرة ، ومن ثم بدأت مخططات التضييق والملاحقة بحقهم حيث توج ذلك باغتيال مؤسس الجماعة الامام حسن البنا رحمة الله ولاقت الجماعة صنوفا من العذاب والمضايقات على ايدي الانظمة العربية بحجج وفبركات واهية ، وانتهت بإخراج الجماعة عن القانون والى يومنا هذا,.

 

ظهور الحركة الوطنية الفلسطينية

ظهرت اول بوادر العمل الفلسطيني المنظم جماعيا في بدايات ستينيات القرن الماضي عندما بدأت اتحادات الطلبة الفلسطينيين في القاهرة وغيرها بمحاولة ايجاد جسم سياسي رسمي يمثل الشعب والفلسطيني ويحمل قضيته في المحافل الدولية ، وقد توجت هذه البوادر بالاعلان عن قيام حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في 1/1/1965م بقيادة الراحل ياسر عرفات ، ثم تلاها الاعلان عن عدة منظمات في السنوات التالية لا سيما الجبهتان وغيرهما ،

لكننا نلاحظ انه لم تظهر في ذلك الوقت حركة اسلامية تنادي بالمقاومة والتحرير كما اخواتها سالفة الذكر وذلك للاسباب التالية---

ضعف الحركة الاسلامية الفلسطينية والعربية عموما انذاك ، وذلك بحكم الغربة التي كانت تعايشها الحركات في المحيط الموجودة فيه من ناحية، وبحكم انتشار حركات التغرييب او المتأثرة بها واستئثارها بالساحة في ذلك الوقت ، وهنا قد يقول قائل الم يكن جديرا بالحركة الاسلامية ان تخوض المعركة وتحشد الطاقات الموجودة والسعي الى تجنيد الشباب المندفع للقتال والدفاع عن ارضه ؟؟ هذه وجهة نظر لها احترامها ووجاهتها ولا شك ولكن الحركة الاسلامية كان لها رؤيتها الخاصة بعد ان قرأت الواقع وتداعياته وبنت عليه خطة للعمل ، حيث تثبت ايامنا هذه بما لا يدع مجالا للشكك صوابية تشخيص الحركة الاسلامية للواقع انذاك وبالتالي صوابية ونضج المنهج الذي سارت عليه والنتائج هي امام الجميع الان ولا يملك منصف الا ان يعترف بها ، فمشروع التحرير ومقاومة الاحتلال الغاشم لا بد له من رجال يعون المهمة ويقدسونها ويدركون طبيعة الصراع ، فالاسباب التي كانت وراء انتصار اليهود السريع والمدوي ما زالت قائمة بين اظهرنا واذا اردنا ان نغير الواقع الجديد المتشكل بانتصار اليهود كان لا بد ان نغير الاسباب التي ادت اليه ، حيث ان الظروف المحلية والاقليمية بتنويعاتها الاجتماعية والفكرية والاخلاقية والاقتصادية الآخذة بالتراجع والانحسار والتي نتج عنها سقوط البلاد في ايدي المحتلين ، ان هذه الظروف ذاتها لن تستطيع ايجاد جيل قادر على استعادة البلاد وتحريرها حتى تأخذ دورة الزمان مجراها الطبيعي وفق سنن الحياة التي ارادها الله تعالى ,

اذا كان لا بد ان تكون اولى مراحل المواجهة الجدية والمثمرة هي الأخذ بيد جيل على الأقل من أبناء الشعب وتعريفها بطبيعة المعركة وقسوتها وحجم التداعي الدولي على هذه الارض واهلها ، كان لا بد من تربية جيل على معني العطاء والإباء ورفض الذل والخنوع ، والتدرب على قيم التضحية والفداء والانضباط والطاعة في المنشط والمكره ، هذا التغيير في الفكر والقيم والسلوك في الجيل المنشود لحمل البندقية هي المرحلة الاولى من مراحل المواجهة ، اذن الخطة كانت تقتضي قبل البحث عن البندقية البحث عن من يستطيع ان يحمل هذه البندقية ويحافظ على شرف هذا الحمل فلا تنحرف البندقية يوما ما عن مسارها في مواجهة المحتل او تصبح رهينة بايدي هذه القوة او تلك بعيدا عن مصالح شهبنا وما خطه من أهداف، او ان يصبح حامل البندقية مجرد مقاتل بلا هدف يعمل مع من يدفع اكثر ، ولك ان تقارن اخي القارئ بين من حمل البندقية دون المرور بمرحلة التربية والإصلاح وبين من حملها بعد ان اصبح اهلا لحملها عن جدارة واستحقاق.

ومع ذلك فقد كان لحركة الاخوان المسلمين نشاط عسكري ولو بسيط في صفوف حركة فتح اواخر ستينيات القرن الماضي حيث كانت لهم بعض المعسكرات الخاصة ضمن اطار حركة فتح وقاموا بعمليات رائعة ضد الصهاينه في منطقة الاغوار ما حدا بالراحل عرفات ان قال نريد عمليات كعمليات الشيوخ والا فلا ، راجع (الحقيقة الغائبة) ، وعملية الحزام الاخضر ، كانت تلك المشاركة بقيادة الشيخين عبدالله عزام رحمه الله واحمد نوفل حفظه الله ، بيد ان تجربة المشاركة هذه عززت النهج الذي ارتأته الحركة في طريقه التعاطي مع الصراع القائم، ومن ناحية أخرى كان الكثيرون من قادة فتح الكبار على علاقة تنظيمية سابقة بجماعة الإخوان المسلمين منهم ابو اياد واسعد الصفطاوي رحمهما الله والشقيقان سليم ورياض الزعنون وغيرهم.

وبناء على هذه الرؤية التي امنت بها الحركة الاسلامية وعملت بمقتضاها في ادارة الصراع وترتيب اولوياته ، وبعد ان مرت عقود على الاستراتيجية التي عملت الحركة الاسلامية وفقها يحق لنا ان نقيم هذه التجربة وننظر ما اذا كانت صائبة ام لا واعية في قراءتها للواقع ورصدها للخطط من اجل معالجته ، الى اين وصلت في مشروعها والى اين وصل الآخرون اصحاب الانطلاقة واول الرصاص ، واول الكفاح وما الى ذلك ،

* انظر مثلا الى حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح كيف بدأت والى اي شيء انتهت ؟؟؟ لقد انطلقت فتح من اجل تحرير المحتل من ارضنا عام 1948 حيث لم تكن مناطق 1967 قد وقعت تحت نير الاحتلال بعد ، ولكن فتح تتحول الان من دعاوى تحرير المحتل من ارضنا عام48 الى الاشتراط على حماس بالاقرار بشرعية احتلال اليهود لها كي تدخل معها في شراكة حكومية (سابقا)، انظر الفرق الشاسع بين المنطلق والمآل ؟؟ وهل هذا الفرق الكبير في المواقف يعكس نضجا سياسيا فتحاويا وبراغماتية اكتسبتها فتح عبر تاريخها النضالي الطويل ؟؟ ام ان( تصعيد) فتح للواجهة منذ البداية والعمل على اكسابها الشرعية النضالية والثورية في اعين الجماهير كان يهدف الى ان تقوم فتح بمثل هذه الخطوة المستهجنة(الدعوة الى الاعتراف بشرعية الاحتلال)_ والذي لا يستطيع احد فعله _بفعل ذلك الرصيد النضالي الذي اريد لها ان تكسبه ؟؟

حتى تكون قادرة لاحقا على تمرير المشاريع الاستسلامية والانبطاحية التي تتشبث فتح بها في ايامنا هذه ، اذا كان الامر غير ذلك وكان هذا التحليل مغرقا في الشطط والتوهم ،على اعتبار ان التراجع في اهداف فتح بل والانتكاس بها الى الخلف انما نجم بسبب ظهور مراكز قوى غير مرغوبة داخل الحركة دفعت بها الى حرفها عن مسارها ومجمل اهدافها المرسومة حتى غدا الاعتراف بإسرائيل مطلبا فتحاويا اصيلا لا حيدة عنه ، عندها الا يحق لنا ان نعترف بصوابية رؤية الحركية الاسلامية ومنهجها القائم على حسن الاختيار للناس وتعليمعم وتثقيفهم حتى لا تكون حركاتنا ضحية للانقسامات والتيارات المصلحية والشللية المتعفنة وفي النهاية التنازل عن كل شيء مقابل البقاء على هرم الواجهة السياسية .

وما الانقسامات والانشقاقات عنا ببعيد بل اصبحت موضة لا بد عنها فالحركة تصبح اثنتان وثلاثة واربعة فهي تتوالد كما انثى الارنب ، وهذا الواقع جرى ويجري على الجميع وبلا استثناء عدا حماس بالطبع وجناح الدكتور الشقاقي في حركة الجهاد الإسلامي ، وهذا مؤشر اخر على سلامة الطريق وصدق ترتيب الأولويات الذي اعتمدته الحركة الإسلامية.

فحماس في ثباتها وتماسكها تمثل نموذجا للحركة المخلصة النظيفة المتعالية على المصالح الشخصية فهي حركة ربانية بحق ، وان اجتمعت عليها قوى كثيرة محاولة تفتيتها ، فقد اخذت سلطة أوسلو على عاتقها إحداث انشقاق في صفوف الحركة وجندت لذلك الكثير من اجل هذا الهدف الخبيث وذلك بالعزف على وتر الداخل والخارج وتيار الصقور والحمائم ولكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل وهو ما اغاظ كل المتربصين لا سيما الأفعى الأمريكية القبيحة(رايس) ولية امر تيار (زعران الخمسة بلدي) التي قالت يوما ما ان هناك جهود حثيثة يتم بذلها لأجل إحداث انقسام داخل حركة حماس ، كل ذلك يؤشر الى صحة المنهج الذي اتخذته الحركة الإسلامية من حسن انتقاء و اعداد وتعريف ومن ثم انطلاقة الى العمل والتنفيذ.

 

إذن رايس تهدف من وراء خطط الأساليب المبتكرة والفوضى الخلاقة في احدى جزئياتها احداث انشقاق داخل حماس ، في الوقت الذي تعمل فيه على تقديم الوان الدعم المالي والسياسي والمعنوي لفريق يمثل في حد ذاته (فوضى غير خلاقه ) منذ انطلاقته والى ان يسجل في كتاب جينيس للارقام القياسية باعتباره اول حركة تحرر وطني في العالم تتحول من العمل على طرد الاحتلال وحماية المشروع الذي انطلقت من اجله ، الى المطالبة بالاعتراف بذات الاحتلال والإقرار بشرعية وجوده واغتصابه للأرض.

 

الانتفاضة الأولى

لقد شهد الثامن من كانون اول 1987 انطلاق الانتفاضة الاولى ، والتي تزامن معها الانطلاق الرسمي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، وقد جاءت الانتفاضة والانطلاقة للتعبير عن رفض الاحتلال الغاشم والسعي للخلاص من ظلمه وجبروته .

وهنا لا بد لنا من ان نذكر ببعض الامور الهامة في هذه المرحلة

1- كانت حماس هي اول تنظيم فلسطيني يصدر بيانا رسميا مكتوبا حول الاحداث المتفجرة آنذاك ، وقد حث البيان الاهالي الى مواصلة التصدي للعدوان الغاشم في كل الميادين ، كان ذلك في 14/12/1987 وهو ما تم اعتباره انطلاقة حماس الرسمية، وقد حمل البيان توقيع (حركة المقاومة الإسلامية) بدون كلمة حماس والتي ظهرت فيما بعد.

 

2- كانت حماس هي اول من اطلق على الاحداث الجارية اسم (الانتفاضة) وقد انتشر المصطلح في الساحة الفلسطينية ، حتى غدا مصطلحا تتداوله وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة محليا واقليميا ودوليا بأحرفه العربية (انتفاضة).

 

3- اخذت الانتفاضة اسم (انتفاضة المساجد) حيث كانت المسيرات الجماهيرية تخرج من المساجد لا سيما في ايام الجمع وبعد الصلاة على الشهداء ، وهو ما يشير الى دور الحركة الاسلامية حماس في اشعال الانتفاضة والعمل على إدامتها واستمرارها الامر الذي لم يألفه شعبنا من قبل.

 

4- كان اول بيان صادر عن فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بتاريخ 20/1/1988 وقد حمل توقيع القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة ، حزب الشعب ،الشعبية، الديمقراطية ، فتح (لاحظ مرور أكثر من أربعين يوم على ميلاد الانتفاضة)

 

5- تعرضت حركة حماس كما كل فصائل المقاومة الى حملات الاعتقال والتنكيل من قبل قوات الاحتلال ، وكان ابرز هذه الحملات اعتقال الشيخ احمد ياسين رحمه الله والمئات من اخوانه في في صف القيادة الاول للحركة ، وبقي في سجنه الى ان افرج عنه عام 1997 في اطار صفقة بين الكيان و الحكومة الأردنية اثر فشل محاولة اغتيال الأخ مشعل المعروفة

أوسلو أهدافها وأزلامها

لم تكن أوسلو وما حملته من تغييرات شكلية على الارض الفلسطينية خروجا جديا على مضمون الخارطة السياسية ، والتي يتحكم في رسم أبعادها وحيثياتها ونهاياتها الكيان المحتل والقوى الدولية الداعمة له ، بمعنى ان اوسلو لم تكن بداية لعهد جديد ينحسر فيه الاحتلال وتضمر مخططاته وفي المقابل تتعزز الكيانية الفلسطينية المنشودة ، بل جاءت اوسلو لتكريس الواقع الاحتلالي لارض فلسطين والبقاء فيها بل وكسب شرعية هذا البقاء ، عن طريق اعادة ترتيب الخارطة السياسية من جديد بعد ان عملت الانتفاضة على خلط الاوراق القائمة والترتيبات التي تضمن سلامة وامن الكيان المحتل على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة ، لقد جاءت اوسلو كخطة مضادة للواقع الجديد الذي افرزته الانتفاضة ، ومحاولة لاعادة الواقع السياسي في المنطقة الى ذات البدايات والمنطلقات والأرضيات والظروف التي هيأت لظهور الكيان الصهيوني على ارض فلسطين لأول مرة ، اذن اوسلو وأخواتها لم تحمل خيرا حقيقيا لشعبنا الفلسطيني ، اذ اصبحت أجهزة السلطة الامنية المنبثقة عن اوسلو تعمل لحماية امن الصهاينة ومنع اعمال المقاومة الموجهة ضدهم ، فاصبحت سلطة اوسلو تقوم مقام الجسم الفاصل بين الاحتلال وشعب فلسطين ، فهي من جهة مكلفة بحماية امن الصهاينة ومن جهة اخرى مكلفة بتولي الشؤون المدنية لابناء شعبنا الفلسطيني دون ان يكون لها اي مظهر من مظاهر السلطة الحقيقية على الأرض.

 

انتفاضة الاقصى 27/9/2000

لقد وضعت انتفاضة الأقصى فرقاء اوسلو في مواجهة سافرة مع الحقيقة (على الاقل الجانب الفلسطيني) ، بعد ان بان زيف وكذب ادعاء الاحتلال برغبته في احلال السلام في المنطقة ، فقد ادرك ياسر عرفات متأخرا ان ما يسمى (مسيرة السلام) المنطلقة من مدريد ومرورا باوسلو والقاهرة وطابا ) ما هي الا محطات خادعة لا يقصد من ورائها الا تكريس واقع الاحتلال وإكسابه الشرعية ومنحه مزيدا من الوقت لاتهام ما تبقى من الأرض الفلسطينية.

لقد عملت انتفاضة الأقصى مجددا على خلط الأوراق وفضح اوسلو وأزلامها والكشف عن الكثير من حقائقها المرة

نعم جاءت الانتفاضة لتقول بلسان الحال ان اوسلو وما نتج عنها من سلطة هزيلة لا تملك سوى قمع الشعب اثناء اداء مهماتها القذرة في حماية الاحتلال ، وتقنين كل الوان الفساد السياسي والامني والمالي والاداري ، كل ذلك في الوقت الذي يتحرر كيان الاحتلال من وصمه بمصطلحات الاحتلال والاغتصاب حيث انطلق بسرعة البرق لنهب ما تبقى من الارض وزرعها بالمستوطنات.

لقد كانت انتفاضة الاقصى كصرخة مدوية مفادها انه لا يمكن لشعبنا ان يحقق بعضا من حقوقه السليبة عبر ما يسمى (بالسلام) في الوقت الذي تميل فيه كل موازين القوة الى العدو الغاشم ومن يقف خلفه ، وعليه فقد عبرت الانتفاضة عن فشل كل الترتيبات التي جاءت بها اوسلو لانها لم تقترب من الحقوق المشروعة لشعبنا.

 

التسونامي الأخضر

زلزال سياسي كبير يهز المنطقة ، تسونامي اخضر على الطراز الحمساوي ، كانت تلك ابرز التعليقات على فوز حماس الساحق لانتخابات المجلس التشريعي المنصرمة ، لقد تسبب صعود حماس المفاجئ بإحدات هزة عنيفة وصدمة بالغة اصابت كل المراقبين بل والمعنيين بامر القضية الفلسطينية من قوى دوليه واقليمية ومحلية الامر الذي دفع تلك الاطراف للاتفاق على طريقة التعاطي مع هذا الفوز ، ولم يكن امامهم سوى الحصار المحكم والخانق لإضعاف حماس وإجبارها على القبول بالاشتراطات الظالمة حتى لا تمتد اثار التسونامي الحمساوي الى المنطقة برمتها.

ولكن هل تمثل حماس وما تحمله من برنامج سياسي تسعى لتطبيقه على الارض ، هل يستدعي ذلك كل هذا العداء والرفض من قبل كل الاطراف المحلية والاقليمية والدولية ، ام ان هذا الفوز والصعود لحماس انما يعني فيما يعني الكثير، ويضع حدودا للمسيرة الهزيلة والمخططات المحمومة والهادفة لقبر القضية الفلسطينية تحت ركام السنين ، نعم ان فوز حماس يعني فيما يعنيه بلا شك ان كل الترتيبات السياسية والتي تعب صناع القرار الدوليون في ايجادها وجعلها واقعا لا يمكن لأحد ان يتجاوزه اصبحت في مهب الريح ، وان كل المخططات التآمرية التي حيكت عبر عقود وجيء بأزلامها تحت رعاية الاجهزة الاستخبارية المعادية قد دخلت دائرة الخطر وباتت مهددة في بقائها على النحو الذي يريده لها اعداء الشعب والامة ،هذا الصعود المفاجئ كان بمثابة قلب عنيف وبدون مقدمات لتلك الطاولة التي رسم عليها كل المشاريع الهادفة لتثبيت الاحتلال وجعله واقعا لا بد منه بل ووجوب تسويقه في الاقاليم المحيطة بوصفه جزءا مهما وذا اثر في المنطقة ، ان فوز حماس يعني وبلا شك ان المسارات التي كان يحكم بها على القضية الفلسطينية ان تسير بها ولا تتعداها بحكم ان الكبار يمسكون هم وبأيديهم بخيوط اللعبة ولا يسمحون لاحد ان يقول لا او يعترض المسير الذي ينتهي فقط الي مصالح الصهاينة ومن شايعهم ، لذا فهم متخوفون من ان التسونامي الاخضر اذا ما نجح في مساعيه وثبت على مبادئه كان من الممكن ان يصارعهم على احتكارهم لمكونات اللعبة وقواعدها ومحدداتها وهذا ما لا يريدونه بالطبع.

لقد أغاظ فوز حماس كل القوى الدولية والاقليمية والمحلية وسعت جاهدة لوأد هذا الفوز ومنعه من التعبير عن نفسه وفق ما يراه من برامج وسياسات هي بالضرورة بعيدة كل البعد عن السياسات السابقة في الشكل والمضمون ، او تمييعه وتفريغه من محتواه عبر وضع الشروط التي تهدف الى افراغ تقدم حماس من مغزاه البليغ .

كلمة أخيرة

ان العلامة الفارقة جدا في الموضوع برمته هي ان حماس وصلت الى الحكم عن طريق مقدمات يجب ان تفضي الى نتائج ومسلمات محددة سلفا غير قابلة للتعديل والتغيير ، بمعنى ان الانتخابات التي فازت بها حماس فوزا مدويا انما كانت احدى استحقاقات اوسلو (المشؤومة) بالتالي فإن دخول اللعبة من هذا الباب يتطلب عدم تجاوز السقف السياسي والأمني والاقتصادي الذي حددته اوسلو ذاتها وهو ما ترفضه حماس بشدة ، محاولة اختراق ذلك السقف ورفعه الى الأعلى بما يتلاءم مع الحقوق التاريخية المشروعة لشعبنا ، وهو ما سيسجله التاريخ لحماس ان ثبتت على مواقفها واخترقت كل المعيقات المصطنعة في طريقها ، عندها فإن القوى المستكبرة لا يمكنها الا ان تتراجع عن شروطها الظالمة وتقر بأن قواعد وشروط اللعبة قد تغيرت (وهو ما عبر عنه مشعل قبل الانتخابات) وانه ان الاوان ليتم اعادة النظر في مجمل السياسات والمواقف بما ينسجم مع التغيرات هذه ، وعندها ستستمر حماس في معراجها الرائع نحو الحق والحقيقة ، وستصل باذن الله بشوطها الى نهاياته المحتومة .... وتصبح نجما ساطعا في سماء المنطقة والعالم تضيء الدرب للذين تقطعت بهم السبل على اثر التداعيات المباركة للتسونامي الأخضر في ربوع العالم العربي والإسلامي.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026