عَــوِِْدُُ على بـــدءٍ أظلم!!!

عَــوِِْدُُ على بـــدءٍ أظلم!!!

نور الدين علي
2007-11-25

لم تزل كبرى جامعات الوطن المحتل في الضفة الفلسطينية مسرحا لمتغيرات وطنية و داخلية مكثفة جعلت منها حقلا للتجارب الحزبية المختلفة ولعلها في الأيام الأخيرة انخفضت بها إلى مستوى مؤسف…

لم تزل كبرى جامعات الوطن المحتل في الضفة الفلسطينية مسرحاً لمتغيرات وطنية و داخلية مكثفة جعلت منها حقلاً للتجارب الحزبية المختلفة ، ولعلها في الأيام الأخيرة انخفضت بها إلى مستوى مؤسف جديد لتغدو أنبوباً اختبارياً لشتى التوجهات الأمنية المتواترة و الوضع السائد في الضفة الغربية .

   وقد تابعت مجمل ما أخرجته الأقلام الفلسطينية فيما يختص بالتطورات على الصعيد الجامعي و الطلابي ، ولما وجدتها قد غفلت عن بعض مما يحدث واقعاً و  ويتبلور حاضراً فقد أملت أن أسهم ببضع إضاءات علها بتوفيق الله عز وجل تضيف إلى ما كتبه الأساتذة الأفاضل سابقاً...

 بؤر أمنية و عود على بدء أظلم

 كرست المنظومة الأمنية العربية طوال القرن الماضي مفهوم التوغل الأمني في الجامعات و قولبة الطلبة و الكادر الأكاديمي إلى مخبرين  و عيون لهذه الأجهزة، و جاءت السلطة الفلسطينية لترث هذا المفهوم و لتسقطه في مستنقع أوحل  طوال التسعينات فشجعت الارتزاق و التخابر لدى صفوف الطلبة الذين تحولت شريحتهم من أعرق الفئات المناضلة و أكثرها احتراماً لقيم التعددية و اختلاف الرأي إلى كتبة و  مندوبين .

وكم قلنا أن الانتفاضة الباسلة قد غيبت رموزاً للفساد و ممارسات للإفساد ، إلا أن الأشهر الأخيرة عادت بهذا و ذاك إلى الواجهة...إذ لوحظ أنه و مع تشديد الأمن الفلسطيني لسطوته المدعومة بعملية سياسية منسقة و إسرائيل فقد تضاعف تدخله في الشأن الجامعي أضعافاً خلال الشهور الأخيرة ، بدءاً من عودة مظاهر الارتزاق و التخابر الأمني و التي أربت في نفوس البعض الاستعدادية المفزعة للتعاون مع الاحتلال.

  إلا أن ما تفاقم في المرحلة الأخيرة هو هذه الرقابة الأمنية اللصيقة التي خيمت على الصروح الجامعية ، فبدءاً من اعتقال (  170 ) طالب من داخل جامعاتهم و محيطها و مروراً بتفتيش السكنات الجامعية ووصولاً إلى تصدر موظفين عسكريين لواجهة!!! العمل الطلابي في مسعى لهدم طروادة من داخلها وليس أدل على ذلك من كون الرئيس الجديد لمجلس طلبة جامعة النجاح الوطنية – والذي أخرج من الدرج خصيصاً خلال الأزمة الأخيرة- هو عسكري صغير في جهاز البحرية سابقاً و الاستخبارات الفلسطينية حالياً، وليس أدل على ذلك أيضاً أن القائمين على حملات اعتقال طلبة جامعتي النجاح و بيرزيت هم أصلاً طلبة أيضاً !!!

كم كنا نكره أن يكون العود على بدء ...فإذا بهذا البدء أظلم و أبشع، أذكر أنه وقبل أشهر قلائل قامت الدنيا و لم تقعد في الولايات المتحدة عقب حادثة صعق طالب أميركي وقف مقاطعاً للسيناتور جون كيري خلال مؤتمر جامعي له، ولما لم يرضخ هذا الطالب لمطالب الأمن الجامعي بالسكوت أو المغادرة فقد استخدموا معه صاعقاً شحنته لا تتجاوز 3000 فولت.... الدنيا التي قامت هناك رأت في استخدام الأمن و القوة خلال المناظرات السياسية بطشاً بالديمقراطية و الحرية، فكيف بطلبة فلسطين يقتلون في جامعاتهم و يهانون في حرماتهم؟؟؟

إن أوهام البعض باختلاس حقوق الحركة الطلابية النقابية و الوطنية من خلال التستر بالوضع السياسي الراهن لا تدعو إلا إلى الشفقة على انغلاق أفق حامليها ، فلم و لن تكون الحركة الطلابية بمطية لأحد ، وتاريخها يشهد بأنها هي سيدة نفسها و هي التي أمدت مجمل أطياف اللون الوطني الفلسطيني بالكادرات و القيادات ، ومن الحماقة المجازفة بكل هذا من أجل مصالح فئوية تنظيمية  أو حتى شخصية لإدارات الجامعات المختلفة ، لأن من يغامر بهدم الحركة الطلابية فكأنما يطلق النار على حاضره و مستقبله و مستقبل أبناء شعبنا بقيادات تربت على قيم الحرية و التعددية و التعبير لا على إسقاطات التخابر و الارتزاق و الرشوة.

ومن قال إن أساتذة الجامعات بمنأى؟؟؟

  أستاذ جامعي دخل محاضرة في إحدى جامعات الضفة خلال الأسبوع الماضي و أنفق جل محاضرته يحث طلبته على التمسك بمبادىء النزاهة و الشفافية و المصداقية في التعبير عن الرأي...ولماذا محاضرات الأخلاق والمبادىء؟؟؟ لأن أحد طلبته تخابر مع الأجهزة الأمنية مبلغاً إياها بأنه هاجم السيد أبو مازن في إحدى محاضراته حول مؤتمر الخريف الأمر الذي تابعته الأجهزة الأمنية ( مشكورة!!!!) واتصلت بالأستاذ الجامعي مهددة و متوعدة و متحججة بأن الوضع السياسي لا يسمح!!!

  وهذا غيض من فيض تحمله موجة ( الأخلاق الأمنية ) كما سنسميها لاحقاً ، هذه الموجة التي تلمسنا أنها تفتك بكل التقاليد الجامعية المعروفة ...فهي و إن فتكت بالحالة السابقة بأسس العلاقة بين الطالب و أستاذه ، فهي أيضاً قد نهشت في جسد العلاقة بين الكادر الجامعي وما نادرة ضرب الأساتذة لبعضهم في إحدى الجامعات إلا مؤشر يقرع ناقوساً يجدر التنبه إليه.

الأخلاق الأمنية ؟؟؟؟

موجة الأخلاق البديلة و الدخيلة التي اتفقنا على تسميتها بالأخلاق الأمنية تمثل في المرحلة المقبلة أكبر التحديات أمام الحركة الطلابية ، فالإنجازات النقابية يمكن استردادها، وحقوق التعبير و النشاط يمكن إعادة فرضها، ولكن أنى لنا بإصلاح ما سقط في وحل العربدة و التجبر على الآخر و احتراف الشك بالآخر و امتهان احتقاره و انتهاك حريته و حقوقه؟؟؟ أنى لنا بانتشال ما يقع في فخ ربط الرأي بالقائد بعيداً عن العقيدة و الضمير ؟؟؟

إن كل ما سبق يدفع بكتلة كبيرة من  للطلبة إلى الهرب يأساً من الهم الوطني و القضايا الأخلاقية العليا للفلسطيني إلى ساحات الخمول و الجهد غير المنتج وطنياً أو اجتماعياً أو حتى قيمياً.

 

ما ذكرته في هذه العجالة لم يكن نشراً لغسيل وسخ أو فضحاً لمستور فما خفي حتى الآن لا زال أعظم، كما أنه لم يكن تعميماً على شريحة لا زالت تقدم الكم و النوع في سبيل القضية الوطنية ، ولكنه كان محاولة لتنبيه الكثيرين بأن الوضع السائد راهناً لم يعد يمس وجهات النظر السياسية فحسب بل إنه يمتد و بتسارع إلى أخلاقنا و قيمنا الدينية و الاجتماعية التي تشكل جوهر الكيانية الفلسطينية و التفوق الأدبي على الاحتلال و منظومته المقابلة، وأسفي هنا أن تكون جامعات الضفة المذبح الأول لهذا القربان الثمين.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026