مؤخرا بدأت قوة من الأمن الفلسطيني عملها في مدينة نابلس خلال النهار كتجربة ينبغي أن تمتد إلى مناطق أخرى من الضفة الغربية وقد أخبرنا محافظ المدينة أنه سيسحق حركة حماس هكذا بالنص…
مؤخراً بدأت قوة من الأمن الفلسطيني عملها في مدينة نابلس خلال النهار، كتجربة ينبغي أن تمتد إلى مناطق أخرى من الضفة الغربية، وقد أخبرنا محافظ المدينة أنه سيسحق حركة حماس، هكذا بالنص، فيما تحدث مدير المخابرات عن إحباط مخطط للاستيلاء على المدينة من قبل قوة تنفيذية تابعة لحماس، وذلك في أعقاب السخط الذي عم المدينة بسبب مسلسل الاعتقالات، إلى جانب اقتحام مبنى طالبات في جامعة النجاح ومداهمة غرفهن وتفتيشها، ومن ثم إعلان العثور على مواد تحريضية وبيانات وشعارات "حماسية".
منذ أسابيع "تتمتع" مدينة نابلس بالحملة الأكثر شراسة ضد حركة حماس، إذ اعتقل من المدينة وجوارها مئات الشبان، بعضهم ما يزال رهن الاعتقال، فيما أفرج عن بعضهم الآخر، وكان لافتاً أن عدداً من المفرج عنهم قد جرى اعتقالهم مباشرة من قبل قوات الاحتلال.
لما يجري في مدينة نابلس بشكل خاص، والضفة الغربية بشكل عام بعدان أساسيان، يتعلق الأول بالرد على الحسم العسكري الذي نفذته حماس في القطاع، وهو رد يكتسي الطابع الثأري، فيما يتذرع بالحيلولة دون تكرار ما جرى في الضفة الغربية.
أما البعد الآخر، والذي لا يقل أهمية فيتعلق بتطبيق البند الأول من خريطة الطريق الذي وافق الطرف الفلسطيني الرسمي على تطبيقه كمقدمة ضرورية لمسلسل التفاوض الجديد الذي سيعقب مؤتمر أنابوليس، وإن لم يكن مرتبطاً بالمؤتمر في الأصل، إذ كان سينطلق في كل الأحوال، بدليل تسليم الأمن في نابلس للشرطة الفلسطينية، والذي جاء كجزء من خطة يشرف عليها الجنرال الأمريكي دايتون، نعم دايتون.
معلوم أن الإسرائيليين يمنحون الأولوية لمسألة الأمن ويربطون بها أي تقدم في المفاوضات، إلى جانب أي منح وحوافز أخرى، مثل الإفراج عن معتقلين وأموال، وإزالة لبعض الحواجز، ومعلوم أيضاً أن مسلسل أوسلو قد بدأ بذات الطريقة، وعلى قاعدة المزيد من الأمن للإسرائيليين مقابل المزيد من خطوات إعادة الانتشار للجيش الإسرائيلي في المناطق، وقد تابعنا فصول المسلسل المذكور منذ العام 1994 وكيف أطاح بمعظم خلايا المقاومة ورموزها في قطاع غزة والضفة الغربية.
الآن يبدأ المسلسل من مدينة نابلس، وهو هذه المرة أكثر قسوة مما كان عليه في التسعينات، إذ يدخل على الخط هنا ذلك البعد الثأري، إلى جانب التحذير من تكرار ما جرى في القطاع كما أشرنا من قبل، وعلى هذه القاعدة تجري تعبئة عناصر الأمن بالقول لهم إنهم سيكررون معكم هنا ما فعلوه مع إخوانكم في القطاع إن تسامحتم معهم.
على أن ذلك لن يكون كافياً بمرور الوقت، فهذا التركيز على حركة حماس في هذه المرحلة لا بد أن تتبعه مطاردة لمن تبقى من قوى المقاومة، لا سيما الجهاد والجبهة الشعبية (وقع شيء من ذلك بالفعل)، فضلاً عن بعض من يصرون على مسار المقاومة من كتائب الأقصى، ويرفضون بالتالي تسليم أسلحتهم، اللهم إلا إذا كانت للزعرنة والفلتان الأمني، فهذه لا بأس بوجودها لأنها تساهم في بث الإحباط ومن ثم القبول بمسارات سياسية مجرّبة.
هو إذن مسلسل ما يزال في بدايته، ففي مقابل حرص السلطة على تسلم الإدارة الأمنية للمدن، وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه عشية اندلاع انتفاضة الأقصى، سيبادر الإسرائيليون إلى ابتزازها بالكامل في سياق مطاردة رجال المقاومة وخلاياها، فكيف حين تحرص على استهداف السياسي والاجتماعي والاقتصادي لحماس، بما ينطوي عليه ذلك من عسكرة للمجتمع برمته.
ما يجري لا ينطوي على أخطاء بحق المجتمع الفلسطيني ورجاله الأبرار فحسب، بل يضيف إلى ذلك تكراراً لمسار سياسي مجرّب ومعروف النتيجة أيضاً.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع