يجمع فقهاء القانون على أن الدولة الديمقراطية التي تنبثق سلطتها السياسية عن الشعب بالانتخابات المباشرة الحرة والنزيهة تمثل استثناء على أصل مفاده أن الحكم بمختلف أشكاله يمثل تناقضا…
يُجمع فقهاء القانون على أن الدولة الديمقراطية التي تنبثق سلطتها السياسية عن الشعب بالانتخابات المباشرة الحرة والنزيهة تمثل استثناءً على أصل مفاده أن الحكم بمختلف أشكاله يمثل تناقضاً مع الذات و مع المضمون الذي هو الشعب , بمعنى أن الدولة ككيان سياسي يقوم على ثلاثة عناصر تتحدد في الأرض و الشعب و السلطة لا بد أن تأتي سلطتها معبرةً عن الكلية الاجتماعية المُشكلة لهذا الكيان السياسي و الحديث بعكس ذلك يؤدي بنا إلى الحالة المضادة التي يصبح فيها الحكم يُمثل تناقضاً مع المضمون تماماً كحال أوربا في عصور الظلام و حال أعراب هذا العصر !
الكلية الاجتماعية كمحدد أساسي في أسلوب الحكم و طريقة تعاطيه مع المواقف المختلفة تمثل المعيار الأبرز لقياس مدى النضوج السياسي و الديمقراطي في الدولة أو الكيان السياسي الذي لم ينل بعد وصف الدولة . ذلك أن التعبير عن إرادة الجماهير لا يجد صداه في الدولة بمفهومها الحديث ككيان سياسي مستقل فقط بل أيضاً يعتبر التعبير عن إرادة الجماهير مطلباً أساسياً في حركات التحرر و الثورات و إلا أصبحت الثورة أو حركة التحرر مجرد مجموعة مرتزقة لا تعبر عن أحد سوى عن نفسها تنساق في سلوكها بالشكل الذي يلبي مصالحها الخاصة فقط .
إذن فالانسجام و التوافق ما بين السلطة السياسية في الدولة أو القيادة بالنسبة للثورة و حركة التحرر و بين التعبير عن آمال و تطلعات المجموع البشري الذي تمثله و الانطلاق في السلوك السياسي من قاعدة المرتكزات و الثوابت التي تمثل مصالح و أهداف و حقوق هذا المجموع البشري يعتبر تجريداً لهذه العمومية , و من خلال هذا الانسجام تتحدد طبيعة العلاقة ما بين العناصر الثلاث التي تشكل هذا الكيان السياسي بحيث تصبح الجغرافيا المكونة لهذا الكيان مجالاً للتفاعل الإبداعي و الإنتاجي بين القوى الحية المكونة لهذا السديم البشري فيما تأتي وظيفة السلطة هنا لتُكمل أضلاع المثلث من خلال القيام بالواجبات المنوطة بها كحماية أمن الوطن و حماية الحقوق إلخ تلك الواجبات المنوطة بالسلطة داخل الدولة .
في فلسطين لدينا حالة استثنائية أكاد أجزم أن التاريخ لم يسجل لنا حالة مشابهة و لن يسجل ! لدينا في فلسطين سلطتين أو سلطة برأسين كما يحبذ بعض الكُتاب تسميتها أو سلطة ببرنامجين كما يحبذ البعض الآخر تسميتها !
لدينا في فلسطين سلطة يمثلها الرئيس محمود عباس تستمد شرعيتها من 5% من مجموع الشعب الفلسطيني هم مجموع من انتخبوا الرئيس الشرعي طبعاً محمود عباس و لدينا أيضاً سلطة أخرى تمثلها حكومة تسير الأعمال المسيطرة على قطاع غزة و التي نالت ثقة المجلس التشريعي الذي أفرزته انتخابات يناير / 2006 , و ما بين شرعية محمود عباس و شرعية حكومة تسير الأعمال في قطاع غزة يطول الحديث و يتشعب , لذلك سيكون الحديث عن الشرعية هنا من وجهة نظر أخرى غير تلك التي تعودنا عليها فلن أتحدث عن الشرعية اللاحقة تحجب السابقة و لن أتحدث عن مجموع أصوات كل شرعية , سأتحدث فقط عن الكلية الاجتماعية و عن السلطة المعبرة عن هذه الكلية كون هذا السلطة المعبرة عن الكلية الاجتماعية هي من تمتلك الشرعية فقط أما الشرعيات الأخرى فليست سوى غوغاء ليس أكثر !
تابعنا بشغف خلال الأسبوع الماضي انعقاد جلسات المجلس التشريعي الفلسطيني رغم أنف الصهاينة و من والاهم , حيث قام النواب الأسرى بتوكيل إخوانهم النواب في قطاع غزة و جلهم من كلتة التغيير و الإصلاح كتلة حركة حماس البرلمانية بالتصويت نيابة عنهم في المجلس التشريعي كي يلتئم المجلس التشريعي الفلسطيني من جديد و يضطلع بمهامه كسلطة عليا تسن القوانين و اللوائح و تراقب تنفيذها ضماناً للشفافية في إدارة مؤسسات الدولة , فيما قاطعت الكتل الأخرى على اختلاف ألوانها و مشاربها جلسات المجلس التشريعي الفلسطيني تحت ذريعة مخالفة النظام الأساسي الذي لم يتحدث بنص صريح عن جواز توكيل النواب بعضهم لبعض ! بعيداً عن الحديث في القوانين و الأنظمة و بعيداً عن المادة ( 2 ) في القانون الأساسي الفلسطيني التي تقول _ الشعب مصدر السلطات و يمارسها عن طريق السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي _ و بعيداً عن نص المادة ( 5 ) من القانون الأساسي التي تقول _ نظام الحكم في فلسطيني ديمقراطي نيابي _ بعيداً عن كل هذا الحديث القانوني الذي يستطيع أي طالب في كلية الحقوق في سنته الأولى أن يجد ألف مخرج و مخرج قانوني للتأكيد على حق المجلس التشريعي في اتخاذ ما يراه ملائماً و محققاً للمصلحة العليا المتمثلة في الحيلولة دون وجود فراغ تشريعي و قانوني , سأتحدث فقط عن شرعية هذا القرار الذي اتخذه المجلس التشريعي الفلسطيني من ناحية تعبيره عن الكلية الاجتماعية التي تحدثت عنها في بداية المقال .
لعل الجميع يدرك جيداً الهدف من وراء اعتقال نواب المجلس التشريعي و جلهم من نواب كتلة التغير والإصلاح و حتى لا نغرق بالتفاصيل كثيراً سأتحدث باقتضاب عن بعض هذه الأهداف.
1_ الضغط على حركة حماس سياسياً للقبول بالأمر الواقع و الاعتراف بشرعية المحتل على أرضنا .
2_ خلق وقائع جديدة على الأرض تمنع حركة حماس من استغلال تفوقها العددي في المجلس التشريعي الفلسطيني في إعادة بناء و صياغة مؤسسة السلطة الفلسطينية سواء على الصعيد القانوني أو التنفيذي بالشكل الذي يضمن تنفيذ البرنامج السياسي و الاقتصادي و الأمني و الاجتماعي الذي نالت من خلاله حركة حماس ثقة الشعب الفلسطيني في انتخابات يناير / 2006 .
3_ عدم الانصياع لمطالب الأجنحة العسكرية الخاطفة للأسير الصهيوني " جلعاد شاليط " بحيث لا يضطر الصهاينة لإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين و إنما يكتفي بإطلاق سراح النواب الفلسطينيين الأسرى و في ذلك يتحقق أكثر من هدف !
4_ إفقاد حركة حماس قوتها في المجلس التشريعي التي يمكن استغلالها في التصدي لأي اتفاق يعقده الرئيس عباس مع الصهاينة يتم بموجبه التفريط بحقوقنا , لذلك كان لابد من شل المجلس التشريعي أولاً و من ثم تمرير مؤامرات التسوية في ظل هذا الفراغ التشريعي و القانوني .
أمام هذه المؤامرة الكبرى التي تستهدف خلق وقائع جديدة تتعارض مع حقوق و أهداف الشعب الفلسطيني كان لا بد من مخرج ما يُسقط هذه المؤامرة و يتجاوز مرحلة الإرباك و الصدمة التي سعى الصهاينة لفرضها , جاء هذا الموقف من نواب المجلس التشريعي الفلسطيني كتعبير حقيقي عن ثوابت و مرتكزات شعبنا الفلسطيني , منطلقين في موقفهم التاريخي من يقينهم المطلق أن للديمقراطية أعرافاً أخرى غير تلك القوالب الهامشية التي يتمسك بها البعض للدفاع عن آخر حصون الردة و المساومة , ديمقراطية تنطلق من إيمانهم الراسخ بأن سلوكهم السياسي و الوظيفي كنواب عن الشعب الفلسطيني و عن آماله و تطلعاته يجب أن يكون على قدر التحدي و المؤامرة و أن يعبر بشكل صادق عن حقوق هذا الشعب و مصالحه و ثوابته .
جاء اجتماع المجلس التشريعي تجريداً لهذه الثوابت و المرتكزات و تعبيراً حقيقياً و صادقاً عن آمال و تطلعات أبناء شعبنا رغم كل التحديات الجسام في الوقت الذي كان رأس سلطتنا الآخر يستجدي العالم أن اقضوا على ( الإرهاب الفلسطيني ) و مزيداً من الحصار و التجويع لتركيع هؤلاء ( القتلة ) , و كي يمنح غطاء للعدو الصهيوني ليُمعن في ممارساته الإرهابية بحق أبناء شعبنا الفلسطيني قتلاً و جرحاً و هدماً و تهويداً للقدس و الأقصى المبارك و توسيعاً للمستوطنات التي تشق جسد فلسطين , عشية الذهاب إلى " أنابوليس " للمقايضة على ما تبقى من فلسطين !
في ذات الوقت قاطع نواب الكتل البرلمانية المختلفة اجتماع المجلس التشريعي ( لمخالفته ) القانون الأساسي من وجهة نظرهم فيما كان الأجدر بهم إن كانوا فعلاً يُعبرون عن شعبهم أن يقطعوا رأس من وصف دفاعنا عن أنفسنا بأنه ( إرهاب ) بل أن يقطعوا رأس من لازال مصراً على الذهاب صوب " أنابلوليس " للمقايضة على ما تبقى من فلسطين !
ويح التخاذل
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع