يحق للكيان الصهيوني أن يحتفل اليوم بعدما صار يحظى بمندوبين لدى الأمم المتحدة وليس مندوبا واحدا كما هو حال بقية الدول كما يحق للمدعو رياض منصور مندوب فلسطين لدى الأمم المتحدة أن…
يحق للكيان الصهيوني أن يحتفل اليوم بعدما صار يحظى بمندوبين لدى الأمم المتحدة، وليس مندوباً واحداً كما هو حال بقية الدول!
كما يحق للمدعو رياض منصور مندوب (فلسطين) لدى الأمم المتحدة أن يطالب بدخول موسوعة غينيس للأرقام القياسية من أوسع أبوابها، فلست أحسب هناك رقماً قياسياً من المخازي يفوق ما يسطره مندوب عباس هذا في سجله وسجل سلطة أوسلو من خلال موقعه الحالي!
ومشروع القرار الذي تم الكشف عن أن المدعو منصور يعتزم تقديمه للأمم المتحدة والمطالب بتجريم حركات المقاومة وخصوصاً حماس وإدانة إطلاق الصواريخ على المستوطنات الصهيونية لم يكن أول مقامرة وطنية لهذا المندوب، فقبل عدة أشهر عارض هذا الدعي مشروع قرار يطالب برفع الحصار عن غزة كانت قطر تنوي طرحه على الأمم المتحدة!
كما أن هذه المواقف الأممية المخزية لمندوب عباس لا تمثل علامة فارقة شاذة في مسيرة هذه السلطة وأذرعها وأجهزتها، بل إن واقعها يقول إن كل مناحي حراك سلطة عباس ونشاطها باتت مدموغة بالتآمر والانحطاط وبشكل فاق أي تصور وتجاوز كل الحدود.
وإن كانت أجهزة عباس على الأرض تتناوب مع الكيان الصهيوني في ضرب المقاومة وملاحقة نشطائها وفي تقديم كل القرابين على مائدة أولمرت فكيف لنا أن نستغرب مسلك مندوب هذه السلطة لدى الأمم المتحدة؟!
ثم ألم يسبق لقيادات فتح أن صرحت أنها ستسعى لفرض عقوبات دولية على حماس في غزة وأن لا خيار أمامها سوى الاستمرار في محاصرة حماس مادياً وسياسياً في القطاع؟!
وإلا فعلام تراهن قيادة فتح حين تؤكد بكل ثقة على أنها عائدة لا محالة إلى غزة وأنها ستنهي (انقلاب) حماس وستعيد غزة إلى حظيرة (الشرعية) ؟!
ما من شك بأنها لا تراهن على سواعد الفلول الجبانة الهاربة من مقراتها والتي لا تعبد سوى الراتب والوظيفة وسرعان ما ينكشف معدنها حين توضع على المحك.
وما من شك بأنها لا تراهن على عودة الأمور إلى طبيعتها عبر قنوات الحوار مع حماس، لأن ما يناسبها فقط وما يناسب رغبة ولاة نعمتها الأمريكيين والصهاينة هو إقصاء حماس من الواجهة السياسية إلى الأبد، لأن وجود حماس كشريك وكعنصر فعال داخل معادلة النظام السياسي يعيق مسار التسوية على الطريقة العباسية ويحرم فتح من امتيازات الاستئثار بكل مقدرات الشعب والأرض ويحول دون تحويل السلطة إلى مرتع للمفسدين والمرتشين والمنتفعين.
وهنا كان لا بد لمندوب السلطة أن يستخدم بدوره ما يتيحه له موقعه من آليات الضغط على حماس وإدانتها وإقصائها، والمفارقة هنا في موقف الدول العربية وحتى تلك التي لها علاقات تطبيعية مع الكيان الصهيوني، والتي لم تستطع هضم مشروع كهذا نظراً لكل ما يمثله من معاني الانحطاط القيمي والوطني!
وليس أدل على استشعار المدعو رياض منصور لحجم الخزي الذي يكتنف مشروعه من قيامه بداية بعرض مشروع القرار على مندوبي الدول الأوروبية واستشارتهم فيه قبل أن يعلم بأمره المندوبون العرب، والذين لا ندري كيف يمكن بعد اليوم مطالبتهم بأن يكونوا على قدر المسؤولية فيما يتعلق بموقفهم من الحقوق الفلسطينية بل وحتى من الأوضاع الإنسانية السيئة التي يعيشها شعبنا! فمواقف من يفترض أنهم يمثلون المستوى الرسمي الفلسطيني تغري وتشجع العرب على إدارة ظهرهم بالكامل لكل ما يتعلق بفلسطين وقضيتها!
والمغزى الخطير لهكذا مسلك مشين ينبغي أن يواجه بحملة إعلامية وسياسية وشعبية تتجاوز حدود الشجب والإدانة، فعباس وزمرته من بطانة وطاقم مفاوضات ودبلوماسيين وأجهزة أمنية لا يتوانون عن تقديم كل البراهين الكفيلة بوضعهم في خانة الخيانة الوطنية الصريحة، وهم الآن يستخدمون شماعة عملية التطهير التي نفذتها حماس في غزة لتمرير أجندتهم الخيانية الواضحة ولإثبات قدر من حسن النوايا والسلوك ما كانت (إسرائيل) لتحلم به في يوم من الأيام.
وأحسب أن الساسة الصهاينة تكاد ألسنهم تنعقد من الدهشة أمام كل هذه المظاهر غير المسبوقة من الاستجداء والسقوط الوطني لرموز سلطة رام الله، ولذلك فإن شراهتهم للمزيد تزداد في كل مرة فيعلو سقف مطالبهم، بينما لا تجد السلطة وأجهزتها مفراً من الاستجابة، تماماً كما قال عباس في لقائه الأخير برايس إنهم (أي السلطة) سينفذون كل ما عليهم من التزامات ويأملون من الجانب الإسرائيلي أن ينفذ بدوره ما عليه!!
في كل الأحوال، فإن مظاهر الخيانة العلنية هذه لن تمر مرور الكرام حتى لو تم تجميلها وتبريرها وتسويغ دوافعها، بل إن كل ما يجري له ما بعده بكل تأكيد، وإن كان الحقد على حماس من جهة وحجم الارتهان للإرادة الصهيوأمريكية من جهة أخرى يلقيان بغشاوة سميكة على عيون تيار الانحراف والتآمر الفلسطيني تحجب عنها رؤية درك الانحطاط الذي وصلت له، فإن المسامير الأخيرة في نعش هذا التيار لن تلبث أن تجعل نهايته الحتمية أقرب مما نتصور حتى وإن بدا أن رموزه ماضية إلى الأبد في طغيانها وفجورها الوطني والأخلاقي.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع