رسالة من المستشار محمد المأمون الهضيبى المرشد العام للإخوان المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسوله الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجميعين وبعد فمن فضل…
رسالة من المستشار محمد المأمون الهضيبى
المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسوله الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجميعين .... وبعد
فمن فضل الله على هذه الأمة هدايتها إلى الصراط المستقيم واختيارها لتكون شاهدة على الناس بالحق الذى أنزله الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول سبحانه (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)(الحج78) والسبيل إلى ذلك إقامة شرع الله عز وجل والاعتصام بحبله ، ولذلك عزت هذه الأمة حينما كان أمرها بيدها ، وسلطانها ومؤسساتها تمضى على هدى ربها وسنة نبيها ، فلما غشيتها سحابة الاحتلال وأغار عليها أعداؤها واتخذوا من بنيها بطانة من دونها يألونهم خبالا وضلالا ، انفصلت الأمة عن مرجعيتها وعن مصدر هديها وإلهامها وطمع فيها أعاؤها ، وأناخ عليها استبداد قاتم وظلم فادح استمرأ انتهاك الحرمات واغتيال الحريات وقتل الإبداع والمشاركات وظّلم الدعاة ، فكانت النتيجة ما نرى وما نشاهد من سقوط عواصم الإسلام تحت سنابك خيل الأعداء واحدة بعد الأخرى ، فها نحن نرى القدس وكابل وبغداد تئن تحت ظلم صارخ ، واحتلال غاصب ، وإرهاب استمرأ ترويع الآمنين وقتل الأطفال والنساء ، واستباحة ثروات الأمة وخيراتها .
وفى هذا الجو المخيم الذى يثير غضب المؤمنين ويستهض هممهم وعزائمهم ليحموا العرين ويحرروا الأوطان السليبة ويقفوا مع المستضعفين والمعذبين ، لابد من التأكيد على محكمات الإسلام ، وعلى ماشرعه الله عز وجل وبينه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الفرق الواضح والبين بين الأرض المحتلة التى احتلها أعداء الإسلام ودنسوها والأرض الأخرى ، ففى الأرض المحتلة يصبح الجهاد على أهلها فرض عين وعلى المسلمين فى كل مكان أن يعينوهم ويقفوا معهم بكل سبيل حتى تتحرر الأرض ويخرج الغاصب من هذه الأرض ، على هذا أجمعت الأمة واتفق أئمتها وعلماؤها (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)(النساء من الآية141) ، أما الأرض الأخرى التى يقوم فيها أولياء الأمور بالحكم مهما كانت أوضاعهم وأحوالهم فلا يجوز فيها استباحة دم ولا مال ولا عرض ، وإنما الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتى هى أحسن حتى يتم التغيير وتعود الأمة إلى شريعة ربها وسنة نبيها .. ذلك أن الحلال بين والحرام بين ، وقد جاءت سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم مبينة وموضحة هذا الأمر ، فقد ظل فى مكة يدعو إلى الله ثلاثة !
عشر سنة ما رفع سيفا ولا رد يدا ، وقال قولته العظيمة "صبرا آل ياسر إن موعدكم الجنة" وحوصر فى شعب بنى هاشم ثلاث سنين هو وأصحابه حتى جف لبن المرضعة عن طفلها ، ولم يكن لبعض أصحابه إلا ورق شجر الحبلة وكان به شوك ليأكلوه فتتقرح شفاههم منه ..
ولما هاجر إلى المدينة وأصبحت للإسلام أرض خالصة أنزل عليه ربه (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)(الحج39) فكانت غزوة بدر وما بعدها.
ومن هنا فالدماء لا يحلها فرد ولا جماعة ، وإنما إمامة أو حكومة تدفع غائلة الغاصب والمعتدى أو قاض يحكم بالقصاص بعد البينات والشهود ، ولهذا قال الله عز وجل بعد ذكر قصة ابنى آدم (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً )(المائدة من الآية32) وإلا تكون الفوضى والهرج والمرج ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
فعلينا فى هذه الايام الحالكة وهذه الأجواء الخانقة أن نستروح فضل الله ورحمته بالأوبة والرجوع إليه والتذكير بدعوته فقد قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه البخارى "ستكون أمور تعرفون منها وتنكرون ، قالوا فما الذى تأمرنا با رسول الله ؟ قال أدوا الذى عليكم واسألوا الله الذى لكم"
إن علينا أن نصارح حكامنا وأولوا الأمر فينا أنه لا خلاص ولا تقدم لنا إلا إذا انتهى الاستبداد إلى غير رجعة وأصبح الحاكم أجيرا عند الأمة لا تحميه سلطات استثنائية ولا قانون جائر كقانون الطوارئ ولا مجالس مصطنعة مزيفة ، وأن يكون لسانه الصدق وخلقه التواضع والنزول عند أمر الأمة ، وأن تكون مؤسسات الأمة ترعى العدل وتمضى بالشورى ، وأن يكون قضاؤها يضع الأمور فى نصابها لا يحكمه هوى ولا سلطة استثنائية وإنما الشريعة المحكمة ، وأن تكون سلطاتها التنفيذية تحمى الأمن وتنفذ قرارات القضاء ولا تتجاوز حدود القانون .
وبذلك تتحقق خيرية الأمة بأن تكون آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر كما قال الله عز وجل (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )(آل عمران من الآية110) وتتحقق ولاية المؤمنين بعضهم لبعض مصداقا لقول الله عز وجل (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(التوبة71)
على هذا المنهج الواضح نمضى ، وفى هذا الطريق المنير نسير ، نؤدى حق الله علينا ، ونجاهد فى سبيله ما استطعنا ونسأله ألا يحرمنا هدايته وتوفيقه مصداقا لقوله سبحانه (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)(العنكبوت69) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ... وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع