فلسطين.. تكتيكات جهادية عصية على التحييد

فلسطين.. تكتيكات جهادية عصية على التحييد

عبدالرحمن فرحانة
2004-10-18

قامت استراتيجية المقاومة الفلسطينية على قاعدة ضعف القوة وقوة الضعف وعملت وعلى وجه الخصوص منذ بداية الانتفاضة الجارية على تكثيف قوتها البدائية تقنيا في سياق مفاعيل إرادة جهادية…

قامت استراتيجية المقاومة الفلسطينية على قاعدة "ضعف القوة وقوة الضعف"، وعملت وعلى وجه الخصوص منذ بداية الانتفاضة الجارية على تكثيف قوتها البدائية تقنيًّا في سياق مفاعيل إرادة جهادية صلبة - برغم الحصار الطوقي- للنفاذ لبؤر ضعف الكيان الصهيوني. مستهدفة بنفس استنزافي ضرب استراتيجية الجيش الصهيوني في مفردتين أساسيتين هما

- تأمين حماية سكان الدولة.

- إحباط محاولة جهود العدو لتشويش الحياة فيها.

ناهيك عن هدف أساسي تحققه المقاومة وهو إشغال المشروع الصهيوني بنفسه، وتبديد قسط بالغ من جهده الاستراتيجي الذي يستهدف أصلا التخطيط للتمدد في الوسط الجغرافي.

وفي سياق هذه الإستراتيجية التي تعمل وفق معادلة اختلال ميزان القوى القائمة، جهدت المقاومة على تطوير تكتيكاتها الجهادية حسب البيئة الراهنة، فعملت على ضرب التجمعات الصهيونية ذات الكثافة السكانية العالية عبر الاستشهاديين، واستهدفت مراكز استراتيجية مثل ميناء أسدود، واستخدمت الضفادع البشرية للتسلّل للمستوطنات المتشاطئة مع البحر، وفجّرت القوارب المفخخة لضرب أهداف بحرية في عرض البحر، وكذلك السيارات المفخخة، وتكثيف الغارات المتصاعدة والكمائن المركبة، ومعارك المواجهة وضرب الخطوط الخلفية للعدو، وتفجير المواقع العسكرية الكبيرة المحصنة عبر الأنفاق.

لكن أهم تكتيكين جهاديين سببا قلقاً استراتيجياً للمجتمع الصهيوني وشكلا تحدّياً حقيقياً للمؤسسة العسكرية الصهيونية هما ظاهرة الاستشهاديين وصواريخ القسام. وقد عجزت الترسانة العسكرية بتفوقها النوعي عن تحييد هذين النموذجين للمقاومة.

في الظاهرة الأولى برغم الجهد العسكري الأمني ميدانياً، والسياسي بالضغط على دول الإقليم بالعصا الأمريكية، إلا أن المقاومة وبحسب البيان الإجمالي للناطق بلسان الجيش الصهيوني الذي نشرته هآرتس في صفحة التقارير بتاريخ 1/10/2004م تمكّنت من تنفيذ (26) عملية استشهادية في عام 2003م, و(60) عملية في عام 2002م و(35) عملية في عام 2001م، بالإضافة إلى (4) عمليات في نهاية عام 2000م ما بعد انطلاقة الانتفاضة الجارية في أيلول، بينما أحبطت (90) عملية في عام 2004م، وعلى مدى شهر أيلول وحده أحبطت (9) عمليات، أما ما تم تنفيذه خلال العام الجاري وحتى نهاية أيلول الماضي فيصل إلى أكثر من (13) عملية استشهادية، ويبدو أن العمليات الاستشهادية التي نفذت على الحواجز وفي المستوطنات في قطاع غزة لم تدخل في هذا الإحصاء.

وإزاء هذه الإرادة الجهادية الصلبة يعترف رئيس المخابرات الصهيوني آفي ديختر في مؤتمر هرتسيليا الثالث أن "دولة إسرائيل لم توفر لمواطنيها الحماية التي يستحقونها". ويؤكد هذه الحقيقة نائب رئيس الأركان الصهيوني السابق اللواء غابي إشكنازي حينما امتنع عن وصف المعركة مع الفلسطينيين "بالنصر العسكري"، وقال "الإنجاز في الحرب ضد الإرهاب هو نقله إلى مستوى محتمل، لا نصر حاسم في هذه الحرب". وفي هذا السياق يقول أكبر الخبراء الإستراتيجيين الجنرال فان كريفيلد في دورية "الأورشاليم" في الأول من مارس عام 2002م في مقابلة أجراها معه الصحفي الصهيوني غيورا إيالون " إن لدينا قدرة هائلة، لكننا لا نستطيع استخدام معظمها"، ولهذا " إن صراعنا ضد الفلسطينيين هو صراع خاسر، لقد كان خاسراً منذ اليوم الأول من أيام الانتفاضة الأولى، وسوف يؤدي إلى القضاء علينا".

صاروخ القسام

نظراً للحاجز الطوقي الذي تعيشه المقاومة وخاصة في قطاع غزة، وبسبب مناخ الممانعة المشبع بتحدي الإرادات الذي أفرزته الانتفاضة الجارية، فكر ت النواة التقنية الناشئة للمقاومة بابتداع سلاح عابر للحواجز الجغرافية وتجسدت النتيجة بصاروخ القسام. ورغم أن هذا الصاروخ يتراوح مداه فقط ما بين 8-12 كيلومتراً، ويحمل عبوة متفجرة وزنها ما بين 4-6 كغم، إلا أنه شكل تحدياً جدياً للمؤسسة العسكرية الصهيونية من جهتين، الأولى بسبب قدرة الصاروخ على تهديد المناخ الأمني للمستوطنات المتاخمة لقطاع غزة، مما أدّى إلى هجرة واسعة نسبياً من هذه المستوطنات، ناهيك عن الضغط الشديد الذي يشكله هذا الفعل على المستويات السياسية والأمنية والعسكرية الصهيونية. والثانية تعود لعجز المؤسسة العسكرية عن تحييد هذا الصاروخ والتصدي له، وفي هذا السياق تؤكد وزارة الحرب الصهيونية عدم قدرتها على اعتراضه وذلك لأن "القسام اختراع ليس له أساس تقني " وأنها لا تملك وسيلة لاعتراضه إلا بصواريخ قيد التطوير من طراز "ناوتلس" يمكنها تدمير الصواريخ باستخدام الليزر، ولكن لن يبدأ استخدام هذا السلاح قبل عام 2009م .

وفي تصوير بليغ للمأزق الذي تعيشه المؤسسة العسكرية الصهيونية تصف الـ (بي بي سي) صاروخ القسام بأنه" نقلة إستراتيجية تنخر في القوة العسكرية الإسرائيلية الفائقة". ويأتي حرج هذه المؤسسة بسبب

- عجزها عن القضاء على أماكن تصنيع الصاروخ وعدم قدرتها على ملاحقة وسائل نقله، إذ إن كل عمليات القصف التي استهدفت الورش الصناعية في غزة لم تصب صاروخاً واحداً.

- إخفاقها في اصطياده في الجو، وفشلها في إنتاج شبكة إنذار مبكر دقيقة لتحذير المستوطنين، وذلك بسبب بدائية الصاروخ تكنولوجياً.

- العجز النسبي في مجال ملاحقة عمليات الإطلاق؛ نظراً لأن الصاروخ يمكن إطلاقه من على قاعدة مبسطة وخلال ربع ساعة من الزمن فقط، ويطلقه المجاهدون عن بعد، تجنباً لانكشافهم أثناء عملية الإطلاق.

الصاروخ القسامي أصاب هيبة المؤسسة العسكرية بالعطب؛ لأنه تحدٍ مقاوم في إطار تكنولوجي مبسط لا يمكن تفكيك شفرة قوته البدائية. أضف إلى ذلك فإن هذه الصواريخ القساميّة سقطت على بعد (20) متراً من شارون شخصياً أثناء زيارته مستعمرة سديروت، وأجبرت طائرة موفاز وزير الحرب على الهبوط الاضطراري خلال زيارته لنفس المستعمرة. وهي نقطة من التهديد والمجابهة لم تقترب منها الجيوش العربية طوال عمر الصراع.

وفي إطار مواجهة خطر الصواريخ القساميّة اتبع الجيش الصهيوني وسيلتين مدمجتين الأولى الاجتياح الجغرافي للمجال المتاخم للمستوطنات بعمق (9) كم تقريباً كما في الحملة الحالية من أجل إبعاد قاعدة الإطلاق الصاروخية عن الهدف، وهي في جوهرها تأتي في سياق نظريّة الحزام الأمني، ويتجنب جنرالات الجيش الصهيوني وصفها بهذا المسمى حتى لا ترتبط بالحزام الأمني اللبناني الذي فشل في تحقيق الغرض منه. إضافة إلى الوسيلة الأخرى وهي التسبب "بثمن مدني" باهظ للمقاومة يدفعه المواطنون الذين تُطلق الصواريخ من مناطقهم. وكلتا الوسيلتين فشلتا في إسكات "القسام"، لأنه وبرغم قسوة "حملة الندم" الانتقامية التي دفعها الجيش الصهيوني باتجاه جباليا والمناطق الشمالية من قطاع غزة إلا أن القاعدة الصاروخية ما زالت مستمرة بالإطلاق دون توقف. وفيما يخصّ الوسيلة الأخرى فقد فشلت أيضاً ويتجسد هذا الفشل ميدانياً بالصمود الفلسطيني والالتفاف حول المقاومة، و تعبر عن صورة هذا المشهد الصامد ما تقوله (أم سعيد البسيوني) من منطقة جباليا- نقلاً عن موقع عرب 48 على شبكة الإنترنت- إذ تقول "ما يزعمه المحتلون بأننا نترك منازلنا خوفاً منهم ومن عمليتهم العسكرية هو كذب؛لأنها ليست المرة الأولى التي نتعرض لـ هكذا عدوان فهذه ربما المرة السادسة أو أكثر التي تجتاح فيها "إسرائيل" المنطقة الشمالية، في الاجتياح الماضي قوات الجيش احتلت المنطقة لمدة شهر ونصف، وقتلت وخرّبت ولم نترك منازلنا، لماذا سنتركها هذه المرة أيضاً، لن تحلم إسرائيل بذلك".

القلق الصهيوني لا يتوقف عند حد الخطر القائم بل يتعداه إلى مدى آخر، وفي هذا السياق يقول الكاتب والخبير الأمني الصهيوني زئيف شيف بمقالة له في هآرتس بعنوان "صواريخ القسام – انعطافة استراتيجية " إن نجاح حماس في زيادة مدى الصواريخ إلى أكثر من (9) كيلومترات – فيكفينا في هذه الحالة "توجيه" القسام نحو مطار بن غوريون حتى تتوقف أغلبية شركات الطيران عن إرسال طائراتها إليه". ويضيف في نفس المقالة إن حماس "إذا نجحت في إنشاء شبكة صاروخية في الضفة، فستحول مشكلة القسام من مشكلة عسكرية صرفة إلى مشكلة إستراتيجية". وبالفعل فقد تمكنت كتائب القسام بحسب مصادر أمنية صهيونية من إنتاج (60) صاروخاً في مصنع في نابلس بالضفة الغربية، وقد ضبط منها عشرة صواريخ شحنت إلى جنين داخل شاحنة خضار، مما أدى إلى تفكيك هذه البنية في حينها قبل اجتياح الضفة الغربية فيما يسمى بعملية "الدرع الواقي". وفي ذات السياق الزمني نجحت محاولة من مدينة طولكرم إذ رشق المقاومون مدينة نتانيا الساحلية بمجموعة من الصواريخ، مما أدى إلى إصابة محطة الكهرباء الرئيسة وانقطاع التيار الكهربائي بالمدينة في تلك الليلة.

وفي تطور لافت أعلنت الشرطة الصهيونية مساء يوم 5 أكتوبر عن سقوط صاروخ من طراز قسام في منطقة خالية بالقرب من مستعمرة "نتيف هعسراه" القريبة من مدينة عسقلان الساحلية الاستراتيجية التي تضم بداخلها محطة توليد الطاقة الرئيسة التابعة لشركة الكهرباء الصهيونية، ومنشأة "كتسا"، التي تخزن فيها مئات الأطنان من الوقود والغاز. وربما من الممكن قراءة الخبر على أنه إشارة من كتائب القسام على قدرتها للوصول إلى عسقلان، أو لعلها محاولات تجريبية تأتي في سياق التطوير.

صراع الإرادات بين قوى الاحتلال والمقاومة ما زال قائماً ويزداد بوتائر عالية منذ انطلاق انتفاضة الأقصى، وكل مؤشرات الميدان تُبرز تقدم المقاومة برغم الجبروت العسكري الصهيوني وقسوته. وهي ليست كلمات حالمة تنطلق من شرفة الأمل، إنما هي حقيقة يمكن لأي مراقب متحرّر من مناخ الانكسار أن يلمسها ويستشعرها. لكن الانكسار العربي هو الذي يترك هذا الإنجاز محلقاً في فضاء الأفق السياسي، ويعجز عن تحويله لحصاد سياسي مثمر.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026