كلمة في ذكرى معركة (أهل الجنة)..!!

كلمة في ذكرى معركة (أهل الجنة)..!!

كمال جابر
2007-11-03

الصراع هو حالة دائمة تحكم علاقة الخصوم والأعداء على حد سواء ويحتاج كسب هذا الصراع إلى مزايا متعددة أهمها وجود باعث قوي على التناقض من الخصم او العدو هذا الباعث هو الذي يطلق طاقات…

 

الصراع هو حالة دائمة تحكم علاقة الخصوم والأعداء على حد سواء , ويحتاج كسب هذا الصراع إلى مزايا متعددة أهمها وجود باعث قوي على التناقض من الخصم او العدو , هذا الباعث هو الذي يطلق طاقات الإبداع والتألق لدى المتصارعين ويؤسس لتفوق احدهما على الآخر بل والانتصار عليه .

وغني عن القول إن فهم طبيعة الصراع وأبعاده وتداعياته يمهد للأطراف استخدام (كل) الوسائل الممكنة لتعزيز فرص كسب المعركة في نهاية المطاف , وحري بنا أن نوضح هنا أن وسائل القوة والكسب المادي لا تحسم المعركة وحدها لصالح من يمتلكهما , خصوصا إذا تدارك الطرف الأضعف ضعفه باستلهام أدوات جديدة وذكية في مواجهة عدوه من شأنها أن توجد توازناً تجاه التفوق في القوة المادية التي يمتلكها الخصوم . ذلك أن أشكال الصراع مع عدو ترقى درجة التناقض معه إلى المطلق متعددة ومفتوحة على كل الجبهات العسكرية , والسياسية , والاقتصادية ,والمعنوية الخ .

وكلما أدرك المتصارعون شراسة المعركة وحجم التناقض الحاث عليها , وبالتالي المسؤوليات الملقاة على عواتقهم في إدارة دفتها , اشتد أوارها وحمي وطيسها , وفي هذه الذروة المشتعلة من المجابهة يتفتح المشهد عن عباقرة أجادوا فن إدارته باقتدار بالغ ..!!

كان ربعي بن عامر رسول سعد بن ابي وقاص رضي الله عنهما قبيل موقعة القادسية الخالدة الى رستم قائد جيوش الفرس, وكانت كل المظاهر التي يحملها والمصاحبة له تشير الى بدوي بسيط لا يكاد يشبع من طعام , ولكن عظمة الرسالة الذي يحمل , وجلالة المهمة التي انيطت به , جعلت منه انسانا عظيما يتصرف على نحو بطولي رائع .

لم يكن تميز ربعي في تلك المواجهة (السفارة) الساخنة نابعا من كونه قد دخل على مجلس قائد عظيم بشجاعة نادرة مستخفا بكل ما هو امامه من مظاهر القوة والأبهة والمنعة , بل ان عبقريته تجلت في حقيقة فهمه أن سفارته في حد ذاتها تشكل فصلا من فصول النزال مع العدو , وانه لا بد من أداء هذا الفصل على نحو يؤدي في مجمله الى اصابة الروح المعنوية للخصم اصابة بليغة , ففارسنا الكبير وسفيرنا الملهم لم يكن يقصد وهو يخرق سجاد قصر رستم بسنان رمحه ان يلحق بإمبراطورية فارس خسارة اقتصادية مقدارها تكلفة اصلاح السجاجيد المخروقة بنصل سنان ثقف , بل إنه اراد ان يهز عرش الكبرياء والشعور بالعظمة المبالغ فيها لدى الفرس , انه يبلغ رسالته غير المحكية أن أيها الفرس تنبهوا إن اليوم ليس كأمس ولن يكون الغد كاليوم .

كانت عينا رستم ترمقان ذلك الأعرابي غريب الاطوار ثم تذهبان بعيدا الى الساح حيث تصطف الجيوش وتتقابل , ثم يمعن القائد الكبير النظر في الجموع التي تنتظر ساعة الصفر , فلا يرى إلا تفوقا مذهلا لصالح جيوشه في العتاد والعدة وأما العديد فكان كل سبعة من جنوده يقابلون جنديا من جماعة ربعي , ثم يرتد بصره إلى ذلك الرسول رث الثياب مذهولا , ولكن ربعي يؤكد له مرة أخرى عبر فتحات الخروق اننا ايها القائد العظيم نملك من وسائل المواجهة ما لا تملك ولا طاقة لك برده , فالروح المعنوية والطاقة الإيمانية التي نحمل تمثل معادلا موضوعيا لكثرة جيوشك وتطور عتادك .

ظهر ربعي وهو يقتحم بفرسه مجلس رستم كما جميلة الشنطي والحانونيات الماجدات وهن يتقدمن بجسارة الى حيث الطاغوت المتوحش يمارس بطشه , فهدموا بيد واحدة جدار الكبر المتغطرس الذي يقف عليه الطغاة فلا يرون حولهم من يستحق الحياة او يرقى لأن يكون ندا في ساحة نزال , كانت جميلة واخواتها يهوين بقبضات عزيمتهن التي لا تلين على ذاكرة الغول المتخمة بمعاني التفوق الأزلي , والأحقية بالحياة ولو كانت على حساب كل البشر , وأصابتها بصدمة كما صدمة رستم أمام ربعي ,

كان ربعي وهو يربط فرسه بنمارق عرش رستم وجميلة وأخواتها وهن يواجهن الجبروت الصهيوني , برباطة جأش وبسالة فارتقى منهن من ارتقى , كانوا جميعا يقلصون الفارق الشاسع بين قوة عاتية متجبرة وأخرى فتية ناشئة , كان عمالقتنا بأدائهم الرائع ينزلون العدو من أبراج عليائه وصلفه الى حيث ارض الواقع , الذي تتبدد عليه كثير من الأوهام المعششة في الرؤوس.

غير ان هذا التميز في العطاء يتعدى اصحابه الى البيئة التي خرجت مثل هذه النماذج الباهرة , فعبقرية ربعي تتعداه الى قائده الذي احسن اختياره , وشجاعة جميلة واخواتها تتعداهن الى الشعب الذي خرج مثل هؤلاء الخولات الجديدات والخنساوات في القرن الخامس عشر , كما ان اقتدار جميلة يشير إلى حسن اختيار الجهة التي اختارتها لتكون إحدى نواب الشعب وقادته .

وأمام جلد ربعي في أداء مهمته تسرب الخوف الى قلب رستم فنام على امر ..... فما كان منه إلا أن هرب من ارض المعركة في يومها الحاسم والأخير , ولم يكن من السهل على قائد يقود جيوشا تساوي سبعة اضعاف جيوش الأعداء ان يهرب الا إذا كان هذا القائد قد وضع في حسابه بشكل مسبق ان الفرار هو احد الخيارات المتاحة أمامه , وما كان لقائد ان يتخذ قرارا كهذا بشكل مسبق لولا ان المأزق النفسي والمعنوي الذي وضعه فيه ربعي قد آتى أكله , فهل تتغير عقلية الصهاينة مع تكرار بطولات متشابهة تخترق حاجز العلو الذي حشر فيه الصهاينة أنفسهم . ؟

فالأيام القادمة كفيلة بالإجابة ..!!! 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026