الضفة الغربية: تخريب لبنية المجتمع تمهيدا للقضاء على المقاومة

الضفة الغربية: تخريب لبنية المجتمع تمهيدا للقضاء على المقاومة

أ. عماد صلاح الدين
2007-11-03

إن الذي يجري في الضفة الغربية على يد أجهزة أمن السلطة التابعة للرئيس محمود عباس من عمليات اختطاف يومية ومتكررة لعشرات أعضاء وعناصر ومناصري حركة حماس ومن عمليات تخريب وتدمير مستمرة…

إن الذي يجري في الضفة الغربية ،على يد أجهزة أمن السلطة التابعة للرئيس محمود عباس، من عمليات اختطاف يومية ومتكررة، لعشرات أعضاء وعناصر ومناصري حركة حماس ، ومن عمليات تخريب وتدمير مستمرة وإغلاق ، تحت مسميات وذرائع عديدة ، لعشرات بل مئات المؤسسات الخيرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية،في سياق الحجة الكبرى ،بأن تلك المؤسسات تعمل لصالح حماس . كل ذلك ليس مرتبطا ولا علاقة له- البته- مباشرا أو غير مباشر، بما جرى في الرابع عشر من حزيران (يونيو) الماضي من هذا العام . وإنما هو يجيء، في سياق الفرصة المواتية، لتنفيذ أجندة وأغراض جماعة التفاوض الفلسطينية ، والمرتبطة عضويا بنفس الأجندة الإسرائيلية والأمريكية ، في رؤيتها للحل، في إطار مرجعية التفاوض بمعناه السياسي والدبلوماسي المجرد من كل خيار أخر ، بما فيه خيار المقاومة والعمل العسكري المسلح ضد الاحتلال .

ودليلنا على ذلك ، أن حركة حماس حينما أقدمت على خطوة الحسم العسكري الأمني في قطاع غزة في 14 حزيران ، كان ذلك بمثابة الاضطرار ؛ لمواجهة إقطاعيات أمنية ترفض أي إطار أو اتفاق لشراكة وطنية تضم الفصيلين الكبيرين حركتي حماس وفتح ؛بسبب ارتباط تلك الإقطاعيات بأجندة خارجية أمريكية وإسرائيلية . وهي العقبة الأمنية الحقيقية التي كانت تقف في وجه كل الحوارات والاتفاقات منذ وثيقة الوفاق( وثيقة الأسرى الفلسطينيين) وحتى اتفاق مكة المكرمة . ولقد شهد على هذه العقبة أطراف عدة بما فيها قادة سياسيون من حركة فتح ومن جهات فلسطينية مستقلة ذات اعتبار . ومنذ اللحظة الأولى لما جرى - في حينها- أعلنت حماس أنها تريد الحوار مع فتح ورئاسة السلطة ؛ لأن ما جرى ليس إلا خطوة تصحيحية ، كان لابد منها في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية بعمومها .

لكن الذي تبين من خلال الوقائع والمعطيات على الأرض، وتحديدا ذلك الموقف من رئاسة السلطة بعد تلك الخطوة الأمنية التصحيحية،الذي اعتبر فيه حماس والقوة التنفيذية وكتائب القسام أطرافا خارجة عن القانون، تنبغي محاربتها وإعلان عقد لواء الحرب عليها بما ارتكبته من عمل " "حقير " و"إرهابي" و"انقلابي" ، جعل المراقب للأحداث على الأرض يتشكك حول طبيعة ونوعية العلاقة التي تربط مؤسسة الرئاسة الفلسطينية بتلك الإقطاعيات الأمنية ذات الأجندة غير الوطنية ، والتي شهد هاني الحسن القيادي الكبير في فتح ،بأنها كانت تقاتل تحت لواء "دايتون" المنسق الأمريكي في تل أبيب . تعززت هذه الشكوك واقتربت من الحقيقة أكثر وأكثر ، من خلال ما نشرته حماس من وثائق وأقراص مدمجة لا تقبل التشكيك ،حصلت عليها من مقرات الأجهزة الأمنية السابقة، من مثل صور تجمع الرئيس عباس مع سميح المدهون ودغمش وغيرهما ممن كان لهم باع  طويل في ملف الإجرام والفلتان في قطاع غزة قبل عملية الحسم العسكري ، بل إن مواد مصورة ظهر فيها الرئيس عباس في حالة مرة يأمر فيها بطخ مطلقي الصواريخ على سديروت وإسرائيل ، ومرة أخرى يوجه تعليماته لرئيس تنفيذيته بالذبح .

إن دل الذي سبق على شيء ، فإنما يدل على حالة الانسجام والتوافق بين الرئيس عباس وهذه الإقطاعيات الأمنية، من حيث الأجندة والأهداف المرتبطة تلقائيا برؤية الأجندة الأمريكية والإسرائيلية للحل ، والتي تتلخص بقبول المطروح من حلول، أقصاها دولة ذات حدود مؤقتة لا يجمعها جامع جغرافي ،منزوعة السيادة والاستقلال، تلتهمها التجمعات الاستيطانية والجدار  . وليس غريبا والحالة هذه، أن تكون تلك الإقطاعيات الأمنية ،على هذا القدر من الانحدار الأخلاقي والوطني ؛ لان المتعهد برعاية وتنفيذ الأجندة الأمريكية والإسرائيلية لمشروع هكذا تسوية ، لابد وان يكون كذلك . وهي الضمانة الأمنية التي فرضت على الراحل عرفات في مشروع أوسلو للسلام .

إن تأكيد قيادة التفاوض،في مؤسسة الرئاسة ومنظمة التحرير ،على أن التفاوض هو خيار استراتيجي وتاريخي ،لا رجعة عنه أبدا . وتأكيد الرئيس عباس خصوصا على أن المرجعية للحل هي خارطة الطريق ، يؤكد - بما لا يدع شكا- أن ما حدث في غزة، وان كان صدمة في البداية لأصحاب مشروع التفاوض ،بأن مشروع دايتون لم ينجح في القضاء على حماس ، إلا انه انقلب إلى فرصة ثمينة للرئيس ومن حوله ؛من اجل المضي قدما فيما تيسر من مساحة لتنفيذ رؤية الحل المستندة إلى خيار التفاوض . وهذا يعني ما تجود به إسرائيل وأمريكا من حلول. ولعل الذي يجري في الضفة من استهداف لمؤسسات مهمة  دينيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا ، وملاحقة عناصر وأفراد حماس بالسجن والاعتقال اليومي ، إنما يصب في تنفيذ بند مكافحة "الإرهاب" المقاومة ومحاولات القضاء عليها ، دون أن يكون هناك التزام إسرائيلي- في المقابل- بوقف اجتياحاتها واغتيالاتها اليومية، ونهبها للأراضي ومصادرتها، أو حتى رفع حاجز واحد في الضفة المحتلة ،أو احترامها للقوانين الدولية في التعامل مع الأسرى الفلسطينيين ، ولعل ما جرى ،منذ أيام قلائل، في سجن النقب جنوب فلسطين المحتلة، من جرح أكثر من 250 أسيرا، بينهم شهيد، وحالتين في خطر، اكبر دليل .

في سبيل القضاء على المقاومة ، يقوم اليوم في الضفة مشروع ، يتكون من لجنة أمنية ثلاثية برئاسة "طوني بلير" مبعوث الرباعية الجديد و"أيهود براك" وسلام فياض ، يهدف إلى محاربة الحركات "الإرهابية" الفلسطينية ، من خلال ما يسمى إصلاح الأجهزة الأمنية والقضاء والنيابة العامة ؛ لتكون مواجهة تلك الحركات فاعلة جدا ،والتي يشرف عليها من جديد صاحب مشروع الحرب الأهلية الأمريكي في غزة سابقا "كيث دايتون" ،والذي زار مدينة نابلس في الضفة الغربية مؤخرا، ولقد لقي حفاوة رسمية كبيرة من قبل مسؤولي السلطة فيها، أجهزة أمنية وغيرها . وبالتوازي يحرص "بلير" على ضرورة تنفيذ مشاريع إسكانية للاجئين الفلسطينيين في الضفة وبالتحديد في منطقة الوسط برام الله ، تمهيدا للتخلص من المخيمات ،على طريق التخلص من حقهم في العودة .

يقولون "أي حكام المقاطعة في رام الله " إن ما يجري من ملاحقة لحماس في الضفة ،هو بسبب الخوف من تكرار انقلاب غزة الأخير ، وعن وجود ما يسمى بالقوة التنفيذية غير الموجودة أصلا ، لأسباب يعرفها الجميع ومن بينها الاحتلال الذي يسرح ويمرح في أراضي الضفة الغربية المستباحة من قبله . ولكن الحقيقة، أن الذي يجري في الضفة ،هو استهداف للمقاومة الوطنية بشكل عام . والمشاريع التي يتم تنفيذها ،تأتي في سياق التنسيق مع الاحتلال . ولعل ُمقترح إغلاق المؤسسات الخيرية والأهلية كان إسرائيليا ومقربا من سلام فياض رئيس الحكومة في رام الله .

البنية الاجتماعية والثقافية للشعوب، هي الحاضنة الرئيسية للروح المعنوية لها . وتأتي أهمية هذه الروح والحاضنة الأساسية لها وقت الأزمات والحروب والاحتلال ؛ فحين تعجز الجيوش الرسمية والدولة عن المواجهة مع العدو ، كثيرا وغالبا جدا ما يأتي دور الحاضنة الاجتماعية والثقافية ومخرجاتها ،في المواجهة البديلة عن الطرف الرسمي في الدولة ،أو جنبا إلى جنب . ولعل دور المقاومة الشعبية في مدينة السويس في حرب تشرين الأول (أكتوبر) 73 ، في صد الاحتلال الإسرائيلي ،مثال واضح على ذلك ؛ ففي حينها جاءت الأوامر من القيادة المصرية بتسليم المدينة بسبب عدم القدرة الرسمية على الصمود ، لكن أهل المدينة رفضوا ذلك ،واستطاعوا بالفعل أن يمنعوا التقدم الإسرائيلي نحوها . وما يجري الآن في العراق ، وما حققته المقاومة من انتصار في لبنان ، يعود إلى البنية الأخلاقية والاجتماعية والثقافية لتلك المجتمعات.

 ويستغرب المرء كيف تعمل السلطة في الضفة على تخريب هذه البنى، بتدمير وإغلاق مؤسسات خيرية واجتماعية، وبالتنسيق وتبادل الأدوار مع الاحتلال . كل ذلك في سلسلة خطوات ،لمكافحة ما يسمى ب"الإرهاب" الفلسطيني (المقاومة)، في سبيل انتظار سراب حلول أمريكية وإسرائيلية، ما زادتنا إلا احتلالا وتدميرا واغتيالا ،وحصارا وتجويعا وانقساما .

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026