اقترب الخريف و اقترب موعدنا مع تساقط أوراق الشجر و تساقط كل المسميات الكبيرة التي واكبت القضية الفلسطينية منذ مهدها و هنا يتعين علينا جميعا أن نقف وقفة جادة مع الذات نقرأ فيها المتغيرات…
اقترب الخريف و اقترب موعدنا مع تساقط أوراق الشجر و تساقط كل المُسميات الكبيرة التي واكبت القضية الفلسطينية منذ مهدها .. و هنا يتعين علينا جميعاً أن نقف وقفة جادة مع الذات نقرأ فيها المتغيرات التي طرأت بعيداً عن التجميل أو الاختزال و من ثم نعيد تقييم المواقف و الحسابات بالشكل الذي يتلاءم مع عظُم ما هو آت ..!
بدايةً يجب علينا أن ندرك جيداً أن عودة صيغة ( الحرب الوقائية على الإرهاب ) كعنوان عريض للسياسة الأمريكية في المنطقة بعد فشل و انكسار _ مشروع نشر الديمقراطية الأمريكي _ في المنطقة يُنبئ بأننا على أعتاب مرحلة حاسمة و خطيرة في مسيرة الصراع العربي الصهيوني .. مرحلة بمعطيات و صيغ جديدة أهمها إفراغ القضية الفلسطينية من كل المُسميات التي حظيت بها على طول عمر الصراع وسلخ القضية الفلسطينية من بُعدها العروبي و الإسلامي تمهيداً للتصفية وفق الرؤية الصهيوأمريكية .. مرحلة يكون لـ النيو ليبراليين دور فاعل في السياسة الفلسطينية و في إنفاذ الأجندات المشبوهة .. إضافةً لذلك ستكون المنطقة العربية على موعد مع إنهاء " محور الممانعة " ببعده المعنوي بعد أن تقوم اثنتا عشر دولة عربية بتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني و تبادل التمثيل الدبلوماسي .. تمهيداً لكسر " محور الممانعة " ببعده المادي المُتمثل في إيران و سوريا و حزب الله و المقاومة الفلسطينية ..
في خضم ما يجري الآن على الساحة الفلسطينية من تجاذبات بين أبناء المشروع الواحد شركاء الدم و المعاناة على طول عمر سني أوسلو البائدة أعتقد يقيناً أن قراءة أخرى لما يجري علينا أن نسترشد بها الآن و أن نقف وقفة جادة و صادقة مع النفس و أن نعيد تقييم المواقف وفق الدلائل الخطيرة التي باتت تلوح بالأفق .. و هنا علينا أن ننعتق من انتمائنا الحزبي و الفصائلي و أن يكون تقييمنا و قرارنا نابعاً من انتمائنا الحقيقي و الصادق للمشروع و المنهج .. المؤامرة خطيرة و على قدر ذلك الخطر يجب أن نرتقي بوعينا و إدراكنا لطبيعة ما يجري و لحقيقية مؤامرات الاقتتال و التصادم التي أثق ثقة مطلقة أن أصابع مشبوهة تقف خلف إشعال فتيلها !
الجميع يدرك بيقين مطلق أن عصابة أوسلو القابضة على عنق ما يسمى بمنظمة التحرير الفلسطينية تقود القضية و الوطن و الشعب الآن صوب المذبح الصهيوأمريكي بتواطؤ و دعم من فريق الاعتدال العربي الداعم لمؤتمر " أنابوليس " الذي أكد ساسة الكيان الصهيوني أنه لن يكون هناك بحث أو اتفاق على ما يسمى قضايا الوضع النهائي في ذلك المؤتمر و إنما سيكون بمثابة إعلان مبادئ ليس إلا .. بمعنى أن خارطة طريق أخرى ستكون المكسب الوحيد لتيار الاعتدال العربي و عصابة المقاطعة فيما سيحصل الكيان الصهيوني على شرعية الوجود و التمثيل نتيجة اعتراف و تطبيع العلاقة مع الدول العربية و ما لذلك من أثر كارثي على القضية الفلسطينية التي شكلت منذ النكبة قضية العرب الأولى مادياً و معنوياً ..
في مقابل هذه التحركات التي تجري الآن على قدم و ساق للتحضير لمؤتمر إعلان وفاة القضية الفلسطينية هناك حالة من السكون العدمي و التآكل على صعيد المواقف و التحركات الفاعلة على الأرض لصد هذا الخطر المحدق تنتهجها فصائل العمل الوطني الفلسطيني .. المثير هنا أن هذه الفصائل تجتمع فيما بينها على أنها من الخط الرافض لأوسلو و إلحاقاتها .. إلا أن هذه الفصائل مُجتمعة أصبحت لا تملك من وسيلة للتعبير عن وجودها و أنها مازلت على قيد الحياة سوى من خلال التصريحات العبثية من وقت لآخر دون أن يكون لتلك التصريحات أي أثر تجاه ما يجري .. الأخطر هنا أنها في مقابل عجزها و تآكلها تجاه عملية التصفية الكبرى التي تهدد القضية و الوطن مازلنا حتى الآن نسمع صدى تصريحاتها العبثية أيضاً عن ضرورة عودة اللحمة و الوحدة الوطنية ما بين حركة حماس و حركة فتح بعد كل المتغيرات التي جرت و بعد أن عبر " محمود عباس " عن انصياعه المطلق للرؤية الصهيوأمريكية تجاه حال الصراع بالشكل الذي يهدر كل الحقوق و المرتكزات الوطنية التي قدم في سبيلها الشعب الفلسطيني تضحياته العظام ..
و هنا علينا أن نقف على الحقائق مجردة عن أي صيغ تجميلية و أن نبتعد عن منطق مسك العصا من المنتصف لأن المرحلة القادمة أخطر من أن تكون مصالحنا الحزبية في قمة سلم الأولويات و أن تأتي مواقفنا بالشكل الذي ينسجم مع تحقيق أكبر قدر ممكن من مصالحنا الحزبية .. جميعنا يتفق على أن الوحدة الوطنية مطلب أساسي و جوهري في معادلة السياسة الداخلية الفلسطينية .. إلا أن لهذه الوحدة شروطاً و متطلبات أساسية بغير توافر تلك الشروط تصبح الوحدة مجرد أداة أخرى في يد عصابة المقاطعة تستغلها في إنفاذ أجندتها المشبوهة التي تستهدف تصفية القضية و التنازل عن كل الحقوق و المرتكزات ..
الوحدة الوطنية يجب أن تكون على قاعدة القواسم المشتركة التي تجمع الطيف الفصائلي الفلسطيني بكل ألوانه و انتماءاته .. بمعنى أن الوحدة الوطنية يجب أن تكون مؤسسة على عدم التنازل أو التفريط بأي من حقوق و مرتكزات الشعب الفلسطيني .. و أن تكون المقاومة خيار إستراتيجي شرعي بعيداً عن العبث و عن المراسيم الرئاسية التي يظن من خلالها عصابة المقاطعة أنه بإمكانهم تحريم و منع المقاومة تطبيقاً لتفاهمات كابلنسكي _ اليحيى و غيرها ! الوحدة الوطنية تقتضي من الجميع أن يخرجوا من دائرة الصراع الأيديولوجي و مناطق النفوذ باتجاه الجغرافيا السياسية بحيث يكون الصراع ما بين من يؤمن بتلك المرتكزات و من ينقضها أو يتآمر عليها فقط ..
إضافة لذلك أعتقد أن على الجميع أن يقرأ انتخابات يناير / 2006 بشكل آخر الآن فقد أثبتت التجربة أن خوض حماس للانتخابات التشريعية و حصولها على شرعية التمثيل من الشعب الفلسطيني كان قراراً حكيماً ارتكز بالأساس على إستراتيجية و رؤية واضحة و دقيقة للمرحلة القادمة و ما يُحاك بالخفاء ضد المقاومة و مشروع المقاومة و لا أحتاج في إثبات صدق قولي سوى متابعة ما يجري في الضفة الغربية التي يسيطر عليها جناح الخنا و التفريط و الحملة المسعورة التي تُشن الآن تجاه المقاومة الفلسطينية و أجنحتها العسكرية .. في مقابل الدعم المادي و المعنوي الذي تحظى به أجنحة المقاومة من حكومة تسيير الأعمال الشرعية في قطاع غزة على اعتبار أن المقاومة المسلحة خيار إستراتيجي شرعي لا يمكن لأحد أن يلتف عليه أو يتآمر عليه ..
أخيراً أعتقد و بشكل جدي أن الوحدة الوطنية كمطلب أساسي لكل الطيف السياسي الفلسطيني يمكن أن تتحقق من خلال تلبية دعوة الأخ " أحمد جبريل " الذي دعا الفصائل الفلسطينية الرافضة لأوسلو إضافة لحركة فتح للاجتماع في نوفمبر القادم في العاصمة السورية دمشق للتباحث و التشاور في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية و لتشكيل هيئة من الفصائل الفلسطينية مجتمعة بحيث يكون تشكيل تلك الهيئة من خلال آلية انتخاب معينة سيتم الاتفاق عليها أثناء المؤتمر يقوم من خلال الفلسطينيين في الضفة الغربية و قطاع غزة و أراضي العام 1948 إضافة لفلسطينيي الشتات بانتخاب ممثليهم لتلك الهيئة للتأسيس لإعادة هيكلة منظمة التحرير بشكل حقيقي ينسجم مع المعطيات الحقيقية على الأرض فيما يخص حركتي حماس و الجهاد الإسلامي و ما تمثلانه من ثِقل و دور كبير في الشارع الفلسطيني .. إضافة لإعادة انتزاع منظمة التحرير من عصابة المقاطعة التي تستغل المكانة المعنوية للمنظمة لإنفاذ مؤامراتها و جرائمها ..
هذه هي الوحدة الوطنية التي نرى فيها حصانة للقضية و الوطن من شبح مؤامرات التصفية و التفريط .. على جميع الفصائل الفلسطينية أن تنعتق الآن من مصالحها الحزبية الضيقة و أن تتعامل مع الموقف على قدر ما يمثله من خطر .. على الجميع أن ينادي بالوحدة على قاعدة الثوابت و المرتكزات فقط لا على قاعدة من يملك الموازنة و إلا فلن يرحم الشعب الفلسطيني من يشارك في مؤتمر " أنابوليس " سواء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال تهيئة الأجواء لإنفاذ مقرراته و مؤامراته من خلال إضعاف و إرباك حركة حماس _ المشروع _ و حاضنة أجندة المقاومة !!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع