تباينت الآراء والمواقف حول مؤتمر الخريف المقبل وتداعياته على الأرض ونتائجه التي باتت تتضح معالمها مسبقا من خلال التصريحات الإسرائيلية المؤكدة على المغازلة من جديد فقط للطرف الفلسطيني…
تباينت الآراء والمواقف حول مؤتمر الخريف المقبل وتداعياته على الأرض، ونتائجه التي باتت تتضح معالمها مسبقاً من خلال التصريحات الإسرائيلية المؤكدة على المغازلة من جديد فقط للطرف الفلسطيني، أمام المنظومة الدولية وجني ثمار هذه المغازلة العقيمة لصالح التطبيع الكامل مع العدو الإسرائيلي، وأيضاً من خلال خيبات الأمل التي فسرها الارتباك في الخطاب الإعلامي لدعاة هذا المؤتمر من السلطة الفلسطينية حتى من يرعاه من الإدارة الأمريكية، والكل لا يجرؤ حتى هذه اللحظة على الإفصاح ولو بكلمة واحدة عن النتائج المرجوة من هذا المؤتمر، وجميعهم يحبسون الأنفاس وكأنهم في ورطة جديدة.
والغريب في الأمر أن رئيس السلطة الفلسطينية مهندس أوسلو الفاشلة، يصر على استنساخ نفس التجربة و بنفس الطريقة وبنفس الآليات وبنفس الخطوات، وكأن أوسلو لم تكن، وكأن اثني عشر عاماً عجافاً مرت بها القضية الفلسطينية، وعانى فيها الشعب الفلسطيني من أزماته المتعاقبة اقتصادياً وامنياً وسياسياً واجتماعياً لا يعنينه بشيء، بل الذي يعنيه هو ترسيخ سياسية الرجل الأوحد والحزب الأوحد والنظر إلى أمريكا بأنها مفتاح الحل الأول والأخير للقضية الفلسطينية، ونسى أو تناسى أن الإدارة الأمريكية هي التي خططت وطبقت أوسلو وتخلصت منها على طريقتها الخاصة.
إلا أن سعي محمود عباس الحثيث لإقناع الأطراف العربية والفلسطينية والدولية أن السلام هو الخيار الاستراتيجي للقضية الفلسطينية، في حين انه عايش كل محطات التفاوض مع العدو الإسرائيلي وعاصر مراوغاتهم ومماطلاتهم وإجرامهم وإرهابهم على الشعب الفلسطيني، وهو يعلم أن عملية السور الواقي كانت للتخلص من الرئيس الراحل ياسر عرفات رفيق دربه إلى أوسلو إلا انه لا يزال يصر على الترويج لهذا الخيار الذي أكل عليه الزمان وشرب، وبالتالي باتت حركة فتح تدفع فاتورة غطرسة قادتها وتفردهم بالقرار والارتماء في أحضان الإدارة الأمريكية على حساب التوافق الوطني الفلسطيني، وبقيت فتح تغرق في مستنقع الفساد والفوضى والفلتان واستخدام قادتها كل أساليب الظلم والقهر والإذلال والحرمان والتنسيق الأمني مع العدو الإسرائيلي، لقمع من يتمسك بخيار المقاومة ويرفض شعار السلام هو الخيار الاستراتيجي، وعندما أقول فتح اعني ما أقول، لأن فتح كانت هي السلطة والحكومة والتشريعي والمؤسسة والأجهزة الأمنية، وكل شيء بيدها ولكنها نسيت أنها أم الجماهير على حد تعبيرهم، وانساقت وراء بريق الكراسي والمواكب الرسمية واللقاءات الدولية و الملايين الأمريكية، وصادرت قرار الجماهير وذابت في مشروع الاستسلام الهزيل، وذهبت فتح وبقيت الجماهير تبحث لها عن أم لها صدر حنون، حليبها صاف دافئ، وعطاء بلا حدود، تتبنى همومها وأحزانها وتتقاسم معها لقمة عيشها وتصون كرامتها وتدافع عنها بعد أن طلقت الجماهير هذه الأم الناشز بتاريخ 25 يناير 2006 طلاق بينونة كبرى، فكانت القاضية وعلى ما يبدو أنها الطلقة الثالثة لا رجعة فيها، ومن هنا جاء اللوم وجلد الذات، فتارة يلقون اللوم على الجماهير وأخرى على القيادات، وللأسف الذي قيم تلك المرحلة هو نفسه من دمر هذا الشعب ودمر فتح ونراه يخرج بتوصيات جديدة، وقالوا بأنهم سوف يتفرغون لإصلاح فتح وتصحيح مسارها، وسيحققون في ملابسات هذه الهزيمة، وكأنهم لا يعرفون أسباب الهزيمة وقرروا بوجوب إسقاطها على غيرهم، وباتوا يبحثون عن ضحية أخرى أو طريقة أخرى أو أسلوب آخر يغيرون فيه مجريات التاريخ والأحداث، فوقع الخيار للأسف الشديد من فتح في بيعة اليرموك الشهيرة في الانطلاقة الأخيرة لهذا المارد الفتحاوي على نفس الجلاد الذي جلد الشعب وجلد فتح ودمر الوطن، وأعطوه فرصة أكبر بهذا التفويض لجلد الشرعية الأولى في تاريخ الشعب الفلسطيني، التي جاءت بعد مخاض عسير، وأعدوا لذلك عدته واستعانوا بعدو شعبهم، أولاً وبمن بارك قتل رئيسهم وشعبهم وبدأ خريف حركة فتح هذه المرة مبكرًا، بل في حالة استجلاب لهذا الفصل من فصول السنة، فاستعجلوا أمرهم وقرروا مصيرهم، واستعادة مجدهم التليد على حد تعبيرهم بكل الطرق.
وعلى ما يبدو أن ما تحدثوا عنه من إصلاح لفتح لا يتأتى إلا على أنقاض حماس وإلغاء أي توافق وطني معها حتى لو كانت نتائجه انهيار الشرعية الفلسطينية وتدمير المشروع الوطني برمته، المهم أن يبقوا هم , ولا أعتقد أن من يريد أن يصلح تنظيمه سينجح إذا أراد أن يهدم انجازات الآخرين، فهذا أسلوب فاشل ولن يفضي إلى أي نتائج، سوى أن فترة خريف فتح امتدت وستمتد حتى خريف 2007 وربما أكثر بكثير, لأن الرؤيا واضحة فليس من ثمة احد من المشاركين في المؤتمر المقبل يحمل ماءً يروي به شجرة فلسطين الظمأى ابتداءً من رئيس السلطة الفلسطينية الذي أعلن عن نواياه بألا يتفق مع حماس مهما كانت الأسباب في إطار تجفيف منابع الوفاق، وانه سيذهب إلى مؤتمر الخريف تحت أي سقف وبأي نتائج، وكذلك شريكه الإسرائيلي في المؤتمر الذي قال إن مؤتمر الخريف فقط من أجل تبادل وجهات النظر ولا غنى عن المفاوضات التي قال عنها باراك أنها ستحتاج إلى عقود طويلة من الزمن، وتناغمت مع تصريحات ليفني بأن من يرفع سقف التوقعات سيصاب بخيبة أمل، فخيبات الأمل، والمتوقعة لن تؤثر سلبـًا على الاحتلال ولا على أمريكيا، بل على العكس تمامـًا تكون (إسرائيل) قد سجلت تطبيعـًا جديدًا مع دول وازنة في المنطقة، وستظل فتح تعاني من توالي خيبات الأمل على الصعيد السياسي والأمني والتنظيمي، ولعلي أسأل كيف ستتقبل فتح هذه النتائج ؟ وهذا الهبوط والانحدار؟ أم ليس هناك ما تخسره فتح وقياداتها ولم يعد في أيديهم شيء ولا يهمهم ولا يعنيهم رضا أو سخط الجماهير الفلسطينية ، عاد اللاجئون أم لم يعودوا والمهم أن تعود فتح وقيادات فتح وبغض النظر من يقود فتح, وبأي برنامج والى أين سيصل بها، وأرى أنها ستعود ولكن إلى الوراء أو أنها ستعود ولكن بعد فوات الأوان، فتكون قد تساقطت الأوراق الصفراء وذابت وغطاها تراب فلسطين الذي أبى إلا أن يحمل الشرفاء الذين تمسكوا بحقه وحقوقه و من صان كرامته وروى تربته بدمائه وبعرقه وبدموعه وشهد معه وعليه وعلى رجاله وعلى صمود أولئك الأبطال الذين رفضوا المساومة والاستسلام مع أعداء السلام، وتمسكوا بخيار الدفاع عن هذا الشعب في معركة العزة والكرامة والشرف رافضين بيع فلسطين والتخلي عن تراب فلسطين، وما زالوا يحملون معهم بشريات الخير لهذا الشعب ولهذا التراب الطاهر الذي احتضن رفات من أسسوا لهذه الحركة العريقة، وليس غريبا أن يكسوا أرض فلسطين حلة جديدة خضراء تريح أنظار المراقبين، وتكون غصة في قلوب المساومين والمطبعين .
فمتى سينتهي خريف فتح و متى سيلحق بربيع حماس، وأعتقد أن هذا منوط بحملة استنهاض فتحاوية أصيلة بعيدة عن الزيف والتضليل قائمة على أساس تنحية الفسدة والمرجفين وخضوعهم للمحاكم الثورية بتهمة خيانة وتدمير الجماهير ولا بد من لملمة أشلاء هذه الحركة بعدها، فإذا عادت إلى رشدها فتراب فلسطين لن يبخل عليها كما أقل غيرها من المخلصين، وسيغفر لها زلاتها وسيترك لها مجالا ينعمون بخضرة وجمال ورونق فلسطين، ولن يكون حديث حماس حينها لهذا الوجه الجديد كعادتنا وبثقافتنا ومن صلب عقيدتنا ادخلوها بسلام آمنين .
وحينها سيكون ربيع حماس قد أسس للربيع الفلسطيني في ظل الوفاق الوطني لنخوض معا معركة الحرية و الدفاع عن الحقوق والثوابت الفلسطينية ضد كل المشاريع الصهيوأمريكية.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع