حماس والثمن في الضفة الغربية

حماس والثمن في الضفة الغربية

ياسر الزعاترة
2007-09-24

ليس بوسع أية سلطة على وجه الأرض سواء كانت في فلسطين أم موزمبيق أم حتى في السويد أن تشن حملة سياسية وأمنية على أكبر تيار سياسي من دون أن تعسكر المجتمع برمته وقد اعتقدت بعض الأنظمة…

 

ليس بوسع أية سلطة على وجه الأرض، سواءً كانت في فلسطين أم موزمبيق، أم حتى في السويد أن تشن حملة سياسية وأمنية على أكبر تيار سياسي من دون أن تعسكر المجتمع برمته، وقد اعتقدت بعض الأنظمة أن بوسعها فعل ذلك مع المحافظة على قدر من الحرية والديمقراطية والسلم الاجتماعي، وبالطبع بمساعدة قوىً سياسية أخرى لها مصلحة في اللعبة، لكن المشهد ما لبث أن انجلى عن عسكرة للمجتمع بعد أن حوصرت المساجد والجمعيات والجامعات ووسائل الإعلام، بما في ذلك شبكة الإنترنت.

في الضفة الغربية المحتلة اليوم يحدث شيء من ذلك وسط صمت عام لا يتعلق فقط بكون الأمر ما يزال في بداياته (فقد تجاوز البدايات منذ أسابيع)، بل يتعلق بذلك التواطؤ الذي تشترك فيه وسائل الإعلام والقوى السياسية في الداخل، إلى جانب المنظومة العربية والدولية؛ وهذه الأخيرة لا تريد التخلص من حكومة غزة وحدها كما يعتقد البعض، بل تريد التخلص من صداع الرفض "الحمساوي" لمسار سياسي ليس ثمة سواه هذه الأيام، أعني مسار الدولة المؤقتة الذي جاهد الراحل شارون من أجل تثبيته كحقيقة سياسية وحيدة في الوعي الصهيوني.

لا ينطبق ذلك بالطبع على مواقف الفصائل، لكن هذه الأخيرة لها مبرراتها في الذهاب بعيداً في عداء حماس أو انتقادها، فمن يتلقى مصروفه اليومي من محمود عباس لا يمكن أن يتمرد آخر النهار عليه وعلى سلطته، لاسيما أن تقليد عدم العبث بالمخصصات الأساسية كما كان معمولاً به أيام الراحل عرفات، لم يعد قائماً هذه الأيام في عهد ورثته. ليس هذا كل شيء، فهناك بالتأكيد خلافات أيديولوجية بين مجموعات اليسار وبين حماس التي سرقت منها الجمهور، ويبقى موقف حركة الجهاد الذي يدخل في إطار المنافسة الحزبية الضيقة، لاسيما في قطاع غزة الذي لم تكن فيه العلاقات جيدة بين الطرفين منذ زمن بعيد، ودائماً بسبب المنافسة الحزبية، مع أن خطاب قيادة الجهاد في الخارج يبدو مختلفاً عنه في قطاع غزة.

حجة الفصائل التقليدية تتمثل في ممارسات حماس في قطاع غزة، لاسيما قصة المسيرات والصلوات، لكن رد حماس القوي هنا هو تجاهل جميع هذه الفصائل، بما فيها الجهاد لممارسات السلطة في الضفة الغربية، تلك التي تبدو أسوأ بكثير لو تحرى المعنيون الموضوعية والحيادية، ومن ضمنهم وسائل الإعلام. مع العلم أن ذلك لا يبرر مشاهد العصا الغليظة التي تلبست بها حماس، سواءً ضد الصحافيين الذين وقع الاعتذار إليهم، أم ضد عناصر من فتح ربما أردا بعضهم دفع الحركة إلى ممارسات تشوهها.

 

قبل أسبوعين أفرجت سلطات الاحتلال عن الدكتور أكرم الخروبي، عميد كلية المهن الطبية في جامعة القدس، بعد اعتقال دام عشر سنوات، فكان أن داهمت الأجهزة الأمنية بيته في رام الله قبل وصوله بلحظات، وقامت بتمزيق لافتات التهنئة وحذرت وسائل الإعلام من تغطية ما يجري تحت طائلة العقاب، بما في ذلك وكالة أنباء راماتان التي تملك مقراً قريباً من منزل الرجل.

هذه مجرد إشارة للدلالة على نظرية عسكرة المجتمع، لأن الدكتور الخروبي ليس قيادياً في حماس فحسب، بل هو جزء من أسرة وعشيرة وجيران يحبهم ويحبونه حتى لو اختلفوا معه من الناحية الفكرية أو السياسية، ويكفيه أن يكون خارجاً للتو من سجون الاحتلال بعد عشر سنوات كي يستحق التسامح معه لبعض الوقت.

إذا كان ذلك ينطبق على أسير مثل الخروبي، فماذا نقول عما يزيد عن خمسمئة من نشطاء حماس معتقلون لدى أجهزة السلطة، وجميعهم مجاهدون يحظون باحترام كبير في أوساط الجماهير، فضلاً عن مكانتهم في أسرهم وعشائرهم؟!

إلى جانب الاعتقالات كان مسلسل الجمعيات الخيرية التي استهدفت بالحرق والتدمير، ثم جرى حلّ ما يزيد عن مئة منها بدعوى مخالفتها للقوانين المرعية، مع أن القانون في الضفة الغربية كان وما يزال قانون الاحتلال.

بعد الجمعيات الخيرية بدأت الحملة على المساجد من قبل وزارة الأوقاف، وهي للتذكير مساجد بناها محسنون من الداخل والخارج، وليس للوزارة العتيدة أي دور في بنائها، وفيها أئمة من حماس وسواها، ويمكن للسلطة أن تتعامل معها وفق قانون منع الاستخدام السياسي، لكن القانون الساري في واقع الحال هو قانون الثأر والمناكفة، وقبله قانون السياسة والحكم القاضي بمطاردة الحضور السياسي والاجتماعي لخصم وربما عدو بكل الوسائل.

سيقال إن حماس قد فعلت وفعلت في قطاع غزة، وقد يكون بعض ما يقال صحيحاً، لاسيما ما أشير إليه سابقاً من ممارسات أدركت الحركة أنها تسيء إليها، لكننا لم نسمع في المقابل عن جمعية أغلقت، ولا عن مسجد اعتقل إمامه، بل إن كتائب الأقصى التابعة لحركة فتح ما زالت تطلق الصواريخ وتصدر البيانات ولم يعتقل أي من أفرادها.

إنه مسلسل محزن من دون شك يرى البعض أن بدايته كانت الحسم العسكري، لكن الحقيقة أن حلقته الأولى والأساسية قد تمثلت في الانفلات الأمني الذي رفض المعنيون وقفه بالوسائل الناجعة من خلال إعادة هيكلة أجهزة الأمن، فكانت الأزمة التي لا يمكن حلها بغير الحوار إذا وضعت المصلحة العليا نصب الأعين.

في غزة ليس هناك قرار سياسي ولا أمني يقضي بمطاردة فتح على صعيد الحضور، وليس ثمة من يعتقد أنه سيطبق سياسة تجفيف ينابيع بحق الحركة، لكن الوضع في الضفة مختلف إلى حد كبير، إذ تطبق خطة واضحة المعالم عنوانها شطب الحركة، ليس من الواقع العسكري فقط، بل من الواقع السياسي والاجتماعي والديني أيضاً.

إنه ذات مسلسل أوسلو، ولكن بطبعة أكثر قسوة بكثير، ودائماً في سياق المراهنة على مسار سياسي عبثي جرّب من قبل، فكانت حصيلته التي تعرفون!!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026