من الفصائل الفلسطينية من تنضوي في منظمة التحرير الفلسطينية م ت ف ومنها من ليس له أي تمثيل فيها حركة فتح هي كبرى الفصائل الفلسطينية في م ت ف والتي تسيطر عليها وتودها وتحدد سياساتها…
من الفصائل الفلسطينية من تنضوي في منظمة التحرير الفلسطينية "م.ت.ف." ومنها من ليس له أي تمثيل فيها، حركة فتح هي كبرى الفصائل الفلسطينية في م.ت.ف. والتي تسيطر عليها وتودها وتحدد سياساتها ووجهتها تجاه القضية الفلسطينية والعلاقة بين القوى السياسية الفلسطينية المختلفة.
أما باقي الفصائل التي تعمل تحت مظلة م.ت.ف. فوجودها تحت هذه المظلة إما لدعم حركة فتح والتأسي بها في المواقف المختلفة أو لتحقيق مصالح فئوية لا تمت للقضية الفلسطينية أو لجهاد الشعب الفلسطيني بصلة. هذه الفصائل يكفيها سوءا أنها مجرد لبنة في بيت خارب يحوي بداخله مافيات الابتزاز السياسي والسماسرة وتجار الوطن والراقصين على جراحات الشعب الفلسطيني. وهي جزء من جسم فاسد فرط بالحقوق وتنازل عن الثوابت.
ولو سألت قيادات إحدى تلك الفصائل وكوادرها وأنصارها عن مواقفهم من اتفاقية اوسلو المشؤومة فسيقولون لك أنهم عارضوها، وأن بقاءهم في م.ت.ف. بعد سلسلة الخطايا التي اركبتها تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته يبرره العمل الديمقراطي الذي يؤمن بحق الأغلبية في القيام بأي شيء واتخاذ أي مواقف حتى وإن أدى ذلك إلى ضرب المشروع الوطني التحرري ضربة قاصمة وقاتلة... فالديمقراطية عند هؤلاء تبرر الصمت والسكوت وبيع الوطن وعقاب الشعب الفلسطيني.
أما الفصائل التي لا تمثيل لها في م.ت.ف. فقد تباينت مواقفها من العملية السياسية المتمثلة في الانتخابات التشريعية والمشاركة في الحكومة الفلسطينية... الخ. فبينما قررت حركة حماس النزول إلى حلبة الصراع السياسي والتأثير في النظام السياسي الفلسطيني من داخله بقوة وجدارة وفعالية، رأت حركة الجهاد الإسلامي أن العمل السياسي رجس من عمل الشيطان وأن على هذه الحركة عدم مقارفته. وبغض النظر عن موقف حركة الجهاد وغيرها من الفصائل الفلسطينية من فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية ومن الحكومة الجديدة التي تولتها وحكومة الوحدة الوطنية التي شكلتها بالتوافق مع عباس بعد ذلك، فإن كل الفصائل تتعامل مع القضية الفلسطينية بشكل يمكن أن نسميه "الحكم الذاتي" لهذه الفصائل، فكل فصيل يعمل وكأن له الحرية في اتخاذ من يشاء من قرارات ومواقف والقيام بما يرى من إجراءات وممارسات بغض النظر عن التنسيق والتوافق والمشاركة مع القوى الأخرى.
وهذا شيء سيء يؤخر القضية الفلسطينية ويعيق مسيرة التحرير والمشروع الوطني التحرري، وأنا أستبعد أن أياً من الفصائل الفلسطينية لا يشارك بشكل مباشر أو غير مباشر في العملية السياسية، فكل الفصائل الفلسطينية في الداخل شاركت في التوصل إلى هدنة مع الاحتلال وعقدت اتفاقيات فيما بينها تؤثر إلى حد ما في العملية السياسية، كما أن جميع فصائل الداخل له تمثيل في لجان عديدة تعمل على المشكلات السياسية والنزاعات الداخلية، بمعنى آخر القول بأن الفصائل لا تشارك في العملية السياسية - سواء أكانت هذه المشاركة في ظل سلطة أوسلو ومعها أم بعيدا عنها - هي مجرد أكذوبة، مع الأسف الشديد.
ولا يمكن تفسير مواقف هذه الفصائل التي رفضت المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية أو الحكومة السابقة لها أو العملية الانتخابية إلا في سياق الأنانية التي تتشبث بها تلك الفصائل للحفاظ على كيانها، وهو ما يمكن ان نطلق عليه وصف "الحكم الذاتي" لتلك الفصائل. هذه الأنانية هي التي تجعل الفصائل ترفض المشاركة السياسية، خاصة بعد فوز حركة حماس ووجود فرصة ذهبية للتغيير الحقيقي على الساحة الفلسطينية، ففوز حركة حماس جعل من الممكن قيام تنسيق وتعاون بينها وبين حركة الجهاد الإسلامي من أجل التغيير والإصلاح وحماية المقاومة والوقوف ضد النهج الاستسلامي والتفريطي...
وقد يقول البعض أن حركة حماس رفضت المشاركة السياسية قبل ذلك ورفضت الدخول في الانتخابات، وهذا صحيح، ولكن هناك فرقاً كبيراً بين اليوم والأمس من حيث قوة حركة حماس والظروف المحلية والإقليمية وتطورات القضية الفلسطينية، فقد انكشف في فترة أوسلو للشعب الكثير من الحقائق الدامغة ما جعل الشعب الفلسطيني يرفض أوسلو اتفاقية وسلطة ويجعل خيار المقاومة خيارا أكيدا ووحيدا لمعظم أبناء الشعب الفلسطيني.
على أي حال، لو كانت هذه الفصائل الفلسطينية حريصة على القضية الفلسطينية وعلى مصير الشعب الفلسطيني، ولو كانت غيورة على مصلحة الشعب الفلسطيني، لاستثمرت انتصار حركة حماس في الانتخابات وما قامت به بعد ذلك من تطهير لعصابات الفوضى والفلتان الأمني وما أنجزته من حسم للأمور في غزة ولاستفادت من ذلك كثيرا... ولكن ظاهرة الحكم الذاتي وتشبثها بما يمكن وصفه "المحافظة على الكيان مهما تعرض الوطن والشعب للخطر" وإصرار هذه الفصائل على المحاصصة الحزبية، وإصرارها على أن تتقاسم رغيف الخبز - إن صح التعبير - هو سبب كل المعاناة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني...
ولذلك لن يحقق شعبنا طموحاته وأهدافه إلا بتخلي الفصائل عن الأنانية الحزبية، وتغليب مصلحة الشعب والوطن على المصالح الشخصية والفئوية الضيقة، والمشاركة بفعالية في العملية السياسية. وهذا لن يكون إلا بشرطين التخلي عن الأيديولوجيات والمناهج العلمانية، وعدم موالاة أعداء الشعب أو مشاركتهم في برامجهم وأهدافهم، والإخلاص لله عز وجل.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع