الصراع على الصهيونية

الصراع على الصهيونية

ممدوح الشيخ
2004-09-23

صفحة جديدة 1

أحياناً يكون الموقف من قضية أو ظاهرة ما ملتبساً حتى تأتي لحظة كاشفة يتبين بها الخيط الأبيض من الخيط الأسود ويكون فيها ما يقطع الشك باليقين، وقد شهدت ساحة السياسة العربية تداعيات أدت متساندة بناء صورة غير دقيقة لحقيقة الموقف الفرنسي من قضايانا وإلى إضفاء مسحة من القداسة على صورتها في الإعلام العربي حتى أصبحت توصف بأوصاف تشير جميعاً إلى أنها عدو للصهيونية ونصير للحق العربي.

فمن موقفها الرافض لحرب العراق إلى موقفها الناقد لمبادرة الشرق الأوسط الكبير كانت تكتسب المزيد من التعاطف في الخطابين الإعلامي والسياسي العربيين على نحو غير مبرر.

فرنسا والصهيونية و"إسرائيل"

ومن المفاتيح المهمة للفهم التفرقة الصارمة بين الموقف من الصهيونية والموقف من "إسرائيل"، والمواقف السياسية الفرنسية من "إسرائيل" تشير إلى اختلاف كبير بين رؤيتها ورؤية الولايات المتحدة لإسرائيل لكن هذا الاختلاف يستلزم فهمه وضعه في سياقه الصحيح بوصفه متغيراً طرأ على السياسة الفرنسية لا بوصفه موقفاً مبدئياً.

فإذا كنا قد اعتدنا أن تشير أدبياتنا السياسية إلى وعد بلفور البريطاني بوصفه الميلاد الحقيقي للمشروع الصهيوني فإننا بذلك إنما نتجاهل عمداً حقيقة أن الوعد ليس إلا نتيجة طبيعية لتفاهم بريطاني فرنسي في اتفاقية سايكس بيكو، بل إن المناهج الدراسية الفرنسية نفسها لا تتجاهل هذه الحقيقة، ففي أحد كتب التاريخ للمرحلة الثانوية نجد إقراراً بأن أطماع كل من لندن وباريس دفعتهما إلى تقديم وعد للصهاينة بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

وفي السنوات العجاف التي تلت إنشاء "إسرائيل" بعد صدام المستوطنين المسلح مع بريطانيا وقبل ظهور الولايات المتحدة كلاعب أساسي على ساحة الشرق الأوسط لعبت فرنسا دور الراعي الرئيس للكيان الصهيوني، وهي الرعاية التي تكرست بالتحالف الثلاثي الفرنسي البريطاني الإسرائيلي لشن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 رداً على قرار تأميم قناة السويس، وقدم الفرنسيون لإسرائيل مقابل هذا الدور المساعدة الأهم في تاريخها وهو تمكينها من حيازة السلاح النووي.

وقد كان للتباين بين موقف الولايات المتحدة وفرنسا من "إسرائيل" من الاقتراب منها للابتعاد عنها والعكس مبررات لا تتصل بالانحياز للحق العربي من عدمه، بل تتصل بالسمة الغالبة على "إسرائيل". فهذا الكيان نشأ على تحالف بين مشروعين متعارضين لم يجمعهما سوى الاتفاق على اغتصاب هذه الأرض وهما المشروع الصهيوني العلماني والمشروع الصهيوني الديني (الأصولي).

وبسبب هذا الاختلاف العميق نشأ الكيان الصهيوني واستمر حتى الآن دون دستور، وفي غياب الإجماع كان من الضروري الاتفاق على إجراءات يؤدي احترامها لمنع الصراع الداخلي. وخلال العقود الأولى من عمر "إسرائيل" وحتى وصول حزب الليكود اليميني المتحالف مع الأحزاب الدينية كانت "إسرائيل" تحت حكم حزب العمل العلماني، وترافق وصول الليكود للحكم مع تأكيد متزايد ليهودية الدولة الصهيونية، وهو ما تؤيده الإدارة الأمريكية الحالية بحماس شديد.

علمانية نعم .. أصولية لا!!

وبسبب غلبة الطبيعة الأصولية لإسرائيل تتخذ فرنسا موقفاً سلبياً منها، ليس فقط لأن فرنسا كدولة تتبنى رسمياً صيغة العلمانية الشاملة على نحو يجعلها دولة ذات دستور إلحادي وهو ما يجعلها بالضرورة خصماً لكل الأصوليات الدينية، بل لسبب آخر لا يقل أهمية هو أن اعترافاً عربياً ودولياً بإسرائيل دولة يهودية يعني بالضرورة فتح الباب لقيام أنظمة حكم أصولية في المنطقة.

باعتبار أن الإحياء الديني ظاهرة معدية وهو ما عبر عنه الكاتب المصري أحمد عبد المعطي حجازي أحد أهم الرموز الفرنكفونية المصرية، إذ اعتبر في مقال نشرته الأهرام أن إعلان عرفات استعداده للاعتراف بيهودية "إسرائيل" تصريح خطير لأنه سيفتح الباب لظهور أنظمة حكم أصولية إسلامية في المنطقة، وهي قضية تعتبر فرنسا أنها تهديد شديد الخطورة للأمن الأوروبي.

وقد جاءت اللحظة الكاشفة المشار إليها في بداية المقال قبل أيام لتضع الموقف الفرنسي من "إسرائيل" في سياقه الصحيح، فقد شهدت العاصمة الفرنسية وبالتحديد في قصر الإليزيه 5/9 / 2004 حفلاً لتكريم المخرج الأمريكي اليهودي المعروف ستيفن سبيلبرج حيث منحه الرئيس الفرنسي جاك شيراك وسام جوقة الشرف. وقد جاء الحدث حافلاً بالدلالات.

أولاً وصف شيراك ضيفه اليهودي بأنه مخرج عظيم ملتزم بمكافحة الكراهية والتعصب.

ثانياً خص بالذكر من أفلامه فيلم قائمة شيندلر قائلاً إن أفلاماً مثل (قائمة شيندلر) أكدت أن العالم لم ينس الأعمال البطولية في أحلك فترات التاريخ.. في هذه الفترة الصعبة التي يتصاعد فيها التعصب والعنصرية وكره الآخرين ومعاداة السامية والتطرف من الضروري على السينما التي تمس أعماق كل واحد منا أن تستعيد الرعب الذي لم يجد متنفساً للتعبير عنه. وبطبيعة الحال لا حاجة لأن نذكر بأن هذا الفيلم الذي اختاره شيراك ليشيد به أحد أهم أعمال سينما الهولوكوست.

ولكي لا نغرق في التمني متصورين أن صراعاً دولياً يدور نيابة عنا لانتزاع الحق الفلسطيني بين أميركا الشيطان وفرنسا الملاك يفضل أن نرى الموقف الفرنسي بوصفه مشهداً من مشاهد صراع غربي - غربي على الصهيونية، فواشنطن تريدها أصولية يهودية وفرنسا تريدها علمانية، فالفريقان في صراع على الصهيونية، لكن أيا منهما لا يمكن أن يكون في صراع مع الصهيونية.  كاتب مصري  صحيفة البيان الإماراتية 21/9/2004

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026